الحركة المرتبطة بتصاميم الأرابيسك منسجمة مع فكرة الرياضيات الإسلامية.

ضحى عبدالروف المل

تتخذ الرسومات غير التصويرية نمطًا زخرفيًا في علم المحراب الذي يتخذ صفة خاصة للعبادة والصلاة في الفرائض الإسلامية، والتي تتصف بقدسية الوجود الإلهي والصفاء، المحصور بعلم بصريات الطاقة الروحية القادرة فنِّيًا على تنظيف البصر من خيالات راسخة في باطن الذاكرة البصرية التي تحصر الرؤية ضمن فن التكرار الهندسي والآيات القرآنية. وقدرة الحروف على تشكيل الخطوط في تزيين المحراب بالأرابيسك، الذي يلعب دورًا مهمًا في تشكيل إيقاعات الحركة المرتبطة بتصاميم الأرابيسك المنسجمة مع فكرة الرياضيات الإسلامية، التي تضفي على الحس نوعًا من التفكير الذي يجمع بين الخطوط المستقيمة، والزوايا المنتظمة، وأنماط المنحنيات المثيرة للجدل في هذا الفن الذي يميل إلى منح الشكل المقعر في المحراب زوايا حادة تأخذ من الحرف الإيقاعات، ومن الخطوط التموجات المتقطعة بانتعاش للأشكال المنمنمة والمنمقة بتناغم لا نهاية له، وكأنه خارج حدود البصر، وبسمات تتميز بمساحة المحراب التي توحي بالمدخل إلى عوالم تتقيد بقوانين كونية شديدة التأثر والتأثير بروحية المحراب ومعناه، وقيمته الجمالية في المساجد ومدى أهميته في منح البصر ميزة الجمال والسلام.

نتوءات تسطحت مع الأرابيسك، وفتحت كف الشكل لتكوينات زادها المحراب قيمة داخلية لدوره في اتخاذ موضع قبلة للمصلين الذين يقفون وراء الإمام الذي يتخذ من المحراب نقطة اتجاه نحو القبلة. فقد استطاعت بعض المساجد التاريخية منحه وجودًا فنِّيًا لا يمكن أن تتخطاه التصنيفات الإسلامية لفن الأرابيسك بشكل عام. وما بين التزويق والزخرفة والرقش، وما إلى ذلك من مسميات، تمتزج الحضارة الإسلامية مع الحضارات الأخرى ضمن هذا الفن الذي تنوع واستطاع فرض وجوده في الكثير من المساجد التاريخية، كمحراب مسجد قونية في تركيا، ومحاريبه المتكررة بأشكالها المتزينة بالألوان وتصنيفاتها التي تبعث في النفس راحة البقاء، بإتقان ومهارة لا تصويرات فيها، إنما تعتمد على لغة خاصة تحمل من الحروف العربية ما يجعل من المحراب المكان المخصص للصلاة أو الوقوف لتأدية الصلوات باتجاه القبلة المحددة بمحراب تزينت عروشه بخطوط انسيابية مجردة من التصوير. لزيادة الحس الابتهالي والتبتل بنقاط محورية تعتمد على الشكل المقعر للمحراب وقدرته على الاستواء والارتفاع بالمؤمن نحو جماليات لا نهاية لها. فالأرابيسك يبدأ من نقطة تتوالد منها كل الخطوط والأشكال وتتلاحم مع بعضها البعض لتشكل نسيجًا مترابطًا يرمز إلى الجوهر الكلي والنقطة في بحر الوجود الكوني.

لغة حركية في محراب تتجلى فيه قيمة الفن الإسلامي الهادف إلى خلق مفردات جمالية تقترن مع فعل بصري وتحولاته، وتأويلاته وقدرة الحرف القرآني على التماسك والدمج السلس مع الأشكال الهندسية والرياضية التي تعتمد على قدرة الأرابيسك وجودته في خلق مقطوعة هي بحد ذاتها مكان المؤمن الذي يرفع صلواته إلى الله، موجهًا النفس والروح إلى قبلة المسلمين، كأبواب متفرقة تجمع المسلمين في دائرة واحدة لنقطة واحدة تبث الحركة الفعالة للأشياء من حولها. وهذه رمزية فن الأرابيسك الذي يبدأ من نقطة واحدة ولا نهايات لإيقاعاته المتكررة وفق نظم معقدة وبسيطة تتشكل منها مفاهيم الرياضيات الإسلامية وجمالياتها في الفن الذي صبغ المحراب في الكثير من المساجد التاريخية.

فن الأرابيسك، الذي يُعتبر أحد أبرز أشكال الزخرفة الإسلامية، هو تجسيد بارع لجماليات الفكر الإسلامي وتطلعاته الروحية. يرتكز هذا الفن على استخدام الأنماط الهندسية المعقدة والتكرار اللانهائي، مما يخلق شبكة متشابكة من الخطوط والزخارف التي تنقل إحساسًا بالخلود والتواصل الروحي. الأرابيسك، بأشكاله المتشابكة وزخارفه المتعددة، يعكس فلسفة الإسلام في تحقيق التناغم والانسجام من خلال التكرار والتماثل، مما يعزز الإحساس بالقدسية والتأمل.

الأرابيسك ليس مجرد زخرفة بل هو تعبير عن نظام رياضي وفني عميق يعكس فهمًا دقيقًا للهندسة والرياضيات في الثقافة الإسلامية. التكرار والترابط بين الأشكال الهندسية يرمز إلى الوحدة والتكامل، ويعكس الطابع التأملي الذي يسعى إليه الفنانون المسلمون. إن استخدام الأشكال الهندسية، مثل الدوائر والمربعات والأشكال البيضاوية، يخلق نوعًا من التوازن البصري الذي يتناغم مع مفهوم الفضاء الروحي والقدسي.

الزخارف الإسلامية الأخرى، مثل الكتابات الخطية والتصاميم المعمارية للمساجد والمآذن، تساهم أيضًا في تعزيز جماليات الفن الإسلامي. الخطوط المنحنية والألوان الزاهية تضيف بُعدًا إضافيًا للفن، مما يجعل كل قطعة تتحدث بلغة خاصة بها، تعكس تطلعات المجتمع الإسلامي وتجسيداته الثقافية.

الأرابيسك، بفضل تفاصيله المتقنة ونمطه الزخرفي الفريد، يلعب دورًا مهمًا في تعزيز التجربة الروحية والجمالية في الأماكن المقدسة. هو ليس مجرد عنصر زخرفي بل هو تعبير عن الروحانية والفكر الإسلامي، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في فهم التراث الفني والثقافي للإسلام.

وفي رؤية أخرى كتبتها عام 2023 تكملة عن هذا الموضوع

فن الأرابيسك، باعتباره إحدى أهم سمات الزخرفة الإسلامية، يجسد تزاوجًا بين الجماليات البصرية والفلسفة الروحية. لتحليل هذا الفن من منظور إيقاع بصري، يمكن تناول عدة أبعاد: الانطباع، الموضوعية، النفسية، الفنية، والجمالية. عند النظر إلى الأرابيسك، يتولد لدى المشاهد انطباع بالترتيب والتنظيم المتناغم. الرسومات المتكررة والمتشابكة تخلق إحساسًا بالهدوء والاستمرارية، مما يعزز شعورًا بالسكينة والتوازن. يبدو أن النمط لا يقتصر على الزخرفة فحسب، بل يدعو إلى التأمل والتفكر في جوانب الحياة والكون.

الأرابيسك يعكس تفانياً دقيقاً في استخدام الأشكال الهندسية وأنماط التكرار. النمط الهندسي المتكرر يمثل بنية رياضية منسقة، حيث تتداخل الأشكال وتتشابك بطرق تعكس فهمًا عميقًا للهندسة والرياضيات. هذه الأنماط ليست عشوائية بل مدروسة لتعزيز الجمالية وتوجيه النظر عبر عناصر متعددة.

، الأرابيسك يخلق تجربة بصرية ذات تأثير مهدئ وموازن. التكرار والتداخل في الأنماط يساهمان في تهدئة العقل، مما يجعل المشاهد يشعر بالاستقرار والسكينة. يمكن أن تثير هذه الأنماط أيضاً تأملات حول الوحدة والكون، مما يوفر للمشاهد فرصة للتفكر في معاني أعمق.

الأرابيسك يعكس براعة في التصميم والتنفيذ. التفاصيل الدقيقة والمعقدة في الزخارف تعكس مهارة الحرفيين وتفانيهم في إتقان كل عنصر. استخدام الخطوط والأشكال الهندسية يشير إلى فهم عميق للجماليات البصرية ويظهر قدرة الفنان على دمج الفن مع الروحانية.

جمالياً، الأرابيسك يتميز بقدرته على جذب الانتباه من خلال تناغم الأشكال والألوان. التوازن بين الأشكال، التناغم بين الألوان، والتكرار المنظم يخلق عملاً فنياً جاذباً يعزز الجمالية البصرية. هذه الجمالية لا تقتصر على الجمال البصري فحسب، بل تمتد إلى إنشاء تجربة متكاملة تتفاعل مع المشاهد على مستويات متعددة. وتعبيرياً، الأرابيسك يعمل كوسيط لنقل الأحاسيس الروحية والعاطفية. النمط البصري يساهم في نقل رسائل من الوحدة والتناغم والخلود. يمكن أن يعكس التصميم الروحي للفن الإسلامي الذي يسعى إلى تحقيق التناغم بين الإنسان والكون، والتواصل مع الروحانية العميقة. الأرابيسك لا يقتصر على كونه فنًا زخرفيًا بل هو تجربة بصرية متكاملة تجمع بين الجماليات البصرية، والفن الروحي، والتفكير الرياضي، مما يجعله جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي والفني للإسلام.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol