الفنان التشكيلي جريج بوهارون للواء: "إن إظهار جوهر الإنسان في اللوحة أصعب بكثير من إظهار الشكل الخارجي."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يعتمد الفنان التشكيلي جريج بوهارون على تجسيد الإحساس بصدق، محاولاً إبهار البصر والبصيرة معًا. وربما يجد في هذا نوعًا من جمع التناقضات التي ما إن تلتقي حتى تتوهج كمالاً. أي هو التقاء المحسوس بالملموس في عمل فني واحد. يحاول جريج بوهارون رؤية المألوف بطريقة غير مألوفة، وينظم أفكاره في بناء جديد انطلاقًا من عناصر موجودة، بمعنى أن يصل إلى الدهشة من خلال واقعين مختلفين بدمج يثير التساؤلات، ويتركها في حالة من تأملات الداخل عبر الخارج الذي يسبغه بتفاصيل دقيقة جدًا وبحس مفرط. ليضعنا أمام حقائق المشهد أو البورتريه بأسلوب واقعي مفرط يصل للغرائبية دون سريالية، وإنما بدمج لتخيلات نابعة من الحس الداخلي للفنان، وهو يجلو البصر المفتوح المتغلغل في عمق العمق. فهل الفوتورياليزم هو تحدٍ للخيال عبر الواقع أم إنه دقة الرؤية لنقاط هي الأسس الحقيقية في الرسم الذي ينتهجه بدقة شديدة؟ مع الفنان التشكيلي جريج بوهارون أجرينا هذا الحوار.
- تتبع في رسوماتك حركة الفوتورياليزم، إلا أنك تضفي روحية إنسانية قوية على اللوحة. ما الذي يلتقطه جريج بوهارون من النظرة الأولى؟
على الفنان أن يضع الروح في كل عمل فني. بنظري، اللوحة مثل الإنسان من جسد وروح. فإذا كانت من إنتاج الجسد، تفنى مع الجسد، وإذا كانت من إنتاج الروح، تحيا مثل الروح إلى الأبد. وعندما أباشر في أي لوحة، ألتقط روحية المشهد، وأحاول تجسيد هذه الروحية بواقعية مفرطة على مساحة لونية، محاولاً الجمع بين الإبهار البصري وما تتفاعل معه البصيرة.
- تشد اللوحة البصر وليس النظر وكأنك تمنح الشخصية واقعيتها المفرطة التي تبدأ من الداخل إلى الخارج. ما مدى صعوبة ذلك؟
البورتريه لوحة تمثل الإنسان الذي هو صورة الله ومثاله. وينبغي على الفنان إظهار القيم الإنسانية من خلال تعابير الشخصية وانفعالاتها الخاصة أو توجيه رسائل من نظرة أو حركة معينة. وأحاول جاهداً أن أجعل من لوحتي كائنًا حيًا في الوجود من خلال تجسيد كل ما ذكرته، مرتكزًا إلى الواقعية المفرطة في عملي الفني. إن هذه العملية صعبة جدًا وتتطلب خبرة عالية وساعات من التأمل والاختلاء مع النفس للدخول في عمق الشخصية وانفعالاتها وتجسيدها بالشكل الصحيح.
- دقيق الملاحظة قوي البصيرة. كيف تم صقل هذا عند الفنان جريج بوهارون؟
الفنان الذي يعرف ماذا يريد يعرف ماذا يرى ويعرف كيف يجسد ما يراه إلى عمل فني وفق رؤيته الخاصة. أيضًا على الفنان أن يعرف كيف يصنع من القبح جمالاً، وهذا من عمل البصيرة وليس النظر. للوصول إلى هذه الغاية، على الفنان أن يتمرس في قرارة داخله وينظر إلى داخله كما ينظر إلى أي شيء محسوس ويتفاعل معه باستبصار ووضوح.
- خطوطك الأولى في اللوحة قوية، متينة، مشدودة وبارزة للعين الناقدة، وكان الجسد مدخل الروح. هل تعتبر هذا نوعًا من التصوف؟
متانة الخطوط وإبرازها في اللوحة دليل على أن الفنان يثق بنفسه بدرجة عالية، وأنه يعرف ماذا يريد، وأن لا مجال للالتباس فيها. وعلى الفنان أن تكون كل خطوطه وألوانه في اللوحة نحو هدف معين يريد إبرازَه. أما فيما يخص التصوف، على الفنان أن يعيش حالة من التصوف مع كل لوحة من لوحاته، وأن يكون لكل لوحة حالتها الخاصة. فإن يفني العاشق نفسه في سبيل من يعشقه، فهذه حالة صوفية، وهذه حالة الفنان مع لوحته.
- من يتأمل رسوماتك يدرك قيمة الإنسان كجوهر وليس كمظهر، رغم الجمال المفرط في لوحاتك. ما رأيك؟
الإنسان، كما ذكرت سابقًا، هو على صورة الله ومثاله. إن القيمة الإنسانية للإنسان لا تكمن فقط في شكله الخارجي، وإنما في داخله، عقله وتفكيره، أسلوبه في الحياة، أحاسيسه، انفعالاته، شخصيته. كل ما ذكرته يجب تجسيده في رسم الشخصية نفسها من الداخل والخارج. فإن إظهار جوهر الإنسان في اللوحة أصعب بكثير من إظهار الشكل الخارجي. هذا ما اشتغلت عليه ليلاً طوال الوقت لأصل إلى هذه النتيجة.
- عقلانية مفرطة في الرسم، إلا أنها أيضًا نوع من الحس المفرط في الوجود. كيف تفسر ذلك، وما الذي تريد قوله في كل لوحة؟
الإحساس بالوجود ليس وليد اللحظة التي نعيشها، إنه تراكم الأحداث والحالات التي نعيشها منذ الطفولة وصولًا للحاضر واستعدادًا للمستقبل المجهول. والإحساس بالوجود أيضًا لا ينفصل عن البيئة التي نعيش فيها، التقاليد، كما أنه يتأثر بالتاريخ والجغرافيا والحالة النفسية. ونحن كبشر نتساءل: هل نحن فعلاً نستطيع البقاء من خلال أعمالنا أم نحن عابرون؟ إن قراءة التاريخ تثبت لنا أننا نستطيع البقاء، فالبقاء لا يكون فقط بالجسد. لذلك أحاول جاهدًا أن أجعل من لوحتي كائنًا حيًا في الوجود، فبقائي مرتبط ببقائها لهذه الدرجة. أولي أهمية كبيرة للوحتي. وفي النهاية، اسمحي لي أن أشكركم على هذا الحوار الجميل العميق. أتقدم بالشكر الكبير لجريدة اللواء وأتوجه إلى اللبنانيين عامة والمسلمين خاصة بعيد الفطر السعيد.
في تحليل لحواري معه عدت فكتبت
يُبرز الفنان التشكيلي جريج بوهارون كيف يلتقط جوهر الإنسان أكثر من مجرد مظهره الخارجي. إذ أن بوهارون يهدف إلى تقديم تجسيد عميق للشخصية من خلال لوحاته، التي تتجاوز الشكل الخارجي إلى تجسيد روح الشخصية وتعابيرها الداخلية. يحافظ على توازن دقيق بين الإبهار البصري والبصيرة، مما يخلق تجربة بصرية متكاملة وعميقة.
الفنان بوهارون يعتمد على تقنية الفوتورياليزم التي تتطلب دقة في التفاصيل وإظهار الواقعية المفرطة. موضوعياً، يسعى بوهارون إلى تجسيد التناقضات من خلال دمج المحسوس بالملموس، مما يعزز من قوة العمل الفني. يُظهر الحوار أن بوهارون يرى اللوحة ككائن حي يحتاج إلى التعبير عن الروح الإنسانية، وهذا يتطلب من الفنان بذل جهد كبير في إبراز القيم الإنسانية وتفاصيل الشخصية.
يشير الحوار إلى أن بوهارون يضع نفسه في حالة من التأمل العميق مع كل لوحة، مما يعكس حالة من الارتباط الشخصي والعاطفي مع عمله. هذا النوع من التفاعل يعزز من قدرة الفنان على التعبير عن جوانب عميقة ومعقدة من شخصية الإنسان. التأمل والاختلاء مع النفس يعكسان بحث بوهارون عن الجوهر الداخلي للشخصيات وتجسيده بواقعية مفرطة، مما يعكس حساسية نفسية عميقة تجاه العناصر الإنسانية في لوحاته.
يتبع بوهارون تقنيات الفوتورياليزم بشكل دقيق، مع إضافة لمسات شخصية تعكس روحية كل مشهد. يستخدم خطوطًا قوية ومتماسكة لخلق تأثير بصري قوي، ويظهر التزامه بالدقة والواقعية في تجسيد الشخصيات. يُعتبر دمج التخيلات مع الواقع في أعماله نوعًا من التجديد الفني، حيث يحافظ على الواقعية مع إدخال عناصر تعبيرية تجسد الأحاسيس الداخلية للشخصيات.
تُبرز لوحات بوهارون إيقاعًا بصريًا من خلال الجمع بين التفاصيل الدقيقة والإيقاع البصري المتقن. الإيقاع في لوحاته يظهر من خلال توازن العناصر الفنية مثل الخطوط والألوان والتفاصيل، التي تخلق انسجاماً بين الإحساس البصري والعمق التعبيري. تُبرز الألوان والخطوط القوية المعاني الداخلية، وتساهم في خلق تجربة جمالية غنية تعكس التفاعل بين الداخل والخارج.
يُعَد أسلوب بوهارون فريدًا حيث يجمع بين دقة التفاصيل وتدفق الإيقاع البصري الذي يعزز تجربة المشاهدة. الإيقاع في لوحاته يظهر من خلال التناغم بين الخطوط القوية والألوان المتناغمة التي توجه العين في مسار معين، مما يعزز من تجربة التفاعل البصري مع العمل الفني. هذا الإيقاع البصري لا يقتصر فقط على الشكل الخارجي، بل يمتد إلى التعبير عن الروح والجوانب الداخلية للشخصية، مما يخلق تأثيرًا بصريًا عميقًا ومؤثرًا. يعكس الحوار شخصية الفنان بوهارون وعمق تجاربه الفنية والنفسية، ويعطي نظرة شاملة على كيفية مزجه بين الدقة الفنية والتعبير العميق من خلال إيقاع بصري متقن.
في عالم الفن التشكيلي، يبرز جريج بوهارون كأحد الأسماء اللامعة التي تجمع بين الدقة الواقعية والعمق التعبيري. يتميز بوهارون بأسلوبه الفوتوريالي الفريد الذي يجمع بين التصوير الواقعي والروحانية الفائقة، مما يجعله يبتعد عن السائد ويخلق عملاً يضج بالحياة.
تتمثل قوة بوهارون في قدرته على تقديم البورتريه بأكثر من مجرد تمثيل خارجي، حيث ينغمس في عمق كل شخصية ليكشف عن جوهرها الحقيقي. يلتقط الفنان تلك اللحظات الدقيقة التي تعبر عن الأبعاد الداخلية للأفراد، مما يحول كل لوحة إلى نافذة على العالم الداخلي لكل شخصية. هو ليس مجرد فنان يتعامل مع الألوان والفرشاة، بل هو راسم مشاعر وحالة نفسية تنبض بالحياة من خلال تفاصيل دقيقة وسلسة.
تنقل لوحات بوهارون البصيرة الشخصية إلى مستوى غير مسبوق، حيث يتمتع بقدرة على الجمع بين عناصر الملموس والمحسوس في إطار واحد، مما يعزز من تأثير العمل الفني على المشاهد. يتسم عمله بدقة متناهية في التفاصيل، حيث يعكس كل خط ولون عمقًا معرفيًا وشعوريًا، مما يجعل من كل لوحة تجربة بصرية وعاطفية متكاملة.
بوهارون لا يقتصر على إظهار الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله ليعكس رؤية شخصية متفردة تدمج بين الجماليات البصرية والأبعاد النفسية. يتجلى في أعماله حساسية فنية متناهية واهتمام كبير بإبراز الروح الإنسانية في كل تفصيلة. بفضل هذه السمات، يستمر بوهارون في تأكيد مكانته كأحد أبرز الفنانين الذين يقدمون أعمالاً تجمع بين الفنون الرفيعة والرؤية العميقة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol