سكونية العشق في ديوان "منتهى الأيام" للدكتور ياسين الأيوبي
ضحى عبدالرؤوف المل
يولج الدكتور ياسين الأيوبي داخل الأحاسيس العاطفية في ديوانه "منتهى الأيام"، متوخياً سكونية العشق المؤدي إلى ما يشبه الاضطراب للمحرور، بتأصيل لغة ذات خصوصية ملحمية، تعزز بمؤثرات مفرداتها قوة الطبيعة الحسية في استعارات تتفاعل مع فضاءات شعرية محبوكة في الإهداء الذي توجه به "إليها في ذكراها العشرين"، حيث ترد معاناة العشق، المتضمنة المكابدات النفسية والجسدية، لتستجيب للأضواء "إلى ما لا تسع العين إدراكه ولا تقوى المجاذيف على بلوغه". إذ يرصد الضوء وفق بنية النظر المرتبط بالعين واتساعها، فالضوء يحتاج لبصيرة مفتوحة، معالِجاً باللاوعي قدراتها المحدودة في فهم حبه لها، والأمد الزمني القصير الذي توقف فجأة مستخدماً كل شيء للدلالة على هول القيامة عندما "سقطت الشهب، واستعصت الأرض والشمس عن الدوران، ورفع الميزان". فالتصورات البلاغية هي رهن المكونات التي تغامر الشعور بما هو أقسى من الموت وأقصى من القدرة على متابعة الحياة بعد أن توقف كل شيء. فهل لمنتهى الأيام بصمة وداع في غفلة الأيام؟..
يسلك الحب في قصائد الدكتور الأيوبي مسلك الضوء أو درب القيامة التي تؤدي إلى الحقائق، ليخرج عن التقليدي بوصفه من معجزات الحب الذي انطفأ، وخرج من مسارات مظلمة إلى ضوء يتمناه يتسم بجدلية ثلاثية هي الانكفاء والتوجع والانسحاق. وكما يقول "كل له عالمه"، تاركاً للأبدية تساؤلات لا أجوبة عليها. إنما هي فُضْل اعترافات غارقة بالتأكيد على المنتهى أو اللانهاية في ذاكرة تجلو لحظاتها، لتتضح تفاصيل العشق ونيرانه الأسطورية التي تشكلت من مأساة القصيدة، المترنحة بين سعير الحمى ووهم البرء. فالقصائد في كتاب "منتهى الأيام" ما هي إلا رسم لمعالم الأشياء المنسية. أراد أن يزرع فيها الحياة لخلود لم يستمر بينه وبين الحبيبة إلا في ذاكرة تطوف خلجاتها حول اسم منتهى التي عاش معها بعضاً من الأيام. ليبدع على مقام الفن الخيالي مداعباً بذلك سخرية المفردة بتشابه الحب والحرب مع اختلافات الشبه والشبيه، وبتألق بالرؤى والأحاسيس وطيوف الاستغراق في ماهية أفاويق المدام، والمستوى الإيقاعي في النشيد الأول الذي يكتسي لغة الشفاء من اعتلال الغرام الذي أصبح كالداء بترسيم الاستجمام في مرج الهيام الذي يوحي بالآية القرآنية "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذِهِمَا عَيْنَانِ بَارِدَتَانِ وَشَرَاب". فهل من شفاء في منتهى الأيام؟
صاغ الدكتور ياسين الأيوبي النشيد الثاني من ديوان "منتهى الأيام" خارجاً من بؤرة الأدران، ليشير إلى الوعي الذي جعله يدرك الانتهاء من صراعات داخلية بجزالة التعبير، وقدرة المعنى الذي لا يضاهيه الوصف بالالتحام الذي اقتضى الانتقال من دوحة الحياة إلى دوحة القصيدة التي تنقله إلى دوحة حلم نبوي. ليبسط سلطان النهاية أمام فؤاد لم يتحطم، بل! انتقل من حب ضاقت به أركان الجسد إلى حب اتسعت معه الأحاسيس الصوفية، وعرجت به إلى فضاءات لا نهائية، ولا يعرج إليها إلا نبي أدركته معاناة القدر والاختيار الذي تسوغه عراقيل التحجر العقلي الذي وصفه بالجليد، ليحدد أنه من لحم ودم. وما انتهت إليه قصة الحب لا يمكن لبشر أن يحتمل حربها التي تشن في داخل الروح، وكأن ما ران حوله تخيلات أشبه بسريان الروح في جسد القصيدة التي تكونت بعد مدة من الزمن، وهي محض سكون وسلام، لأنها صقلت الرؤية والأحاسيس بأنغام الحزن الذي تهتز له أوتار النشيد الثاني الذي انتهى بسكون وسلام، وعلامة سؤال تثير استغراب القارئ عن فحوى منتهى الأيام..
استطاع الدكتور ياسين الأيوبي في النشيد الثالث توظيف الابتهالات للحصول على السكون والسلام، باحثاً عن موطن الآلاف من العباد والسكارى، منجذباً نحو الضوء الذي يضعه في مسارات الحقائق الهارب منها، وهو في صحوة بعد معركة شنتها الحمى العشقية عليه، مستمراً بالبحث عن ثغرة تعيدها إليه، وإن بالقنوط والاستسلام واللجوء إلى الابتهال والسجود، مستخدماً مفردات القوة في تشكيل مداميك الهجود، أو بالأحرى مداميك الضعف الإنساني الذي انتابه بعد أن ارتاع اليقين، وتجلى ملك العشق في محراب الناظر والمنظور، والوعي المتشظي حيث يقول: اعتليت القبلتين قبلة الحبين حب الله وحب الحبيبة الحاضرة في محراب صوفي كشف عن رؤيا شعرية يرسو فيها الحلم، وفق تصورات النفس الموجوعة والمتألمة من عشق هو ركيزة منتهى الأيام، ونشوة المفردات المغمسة بخمر الأحاسيس التي يدكها، كما يدك المحارب البارود في بندقية تنتظر الضغط على الزناد، وكأنه ينتظر الحرب الكبرى لحب لا يضاهيه ابتداء أو ختام، وإنما هو في الضلوع مستقر كخمر العباد أو الوصل والاتصال دون انفصال عن الأرواح التي تطوف مع الضوء حيث يرى الحبيبة وهو مسجى في النشيد الرابع بعد أن تجلى ملك العشق في لحظة الآن.
سمفونية عشقية مدروسة النوتات بدقة شديدة النغم، ومتزنة الإيقاع منسابة التكوين بترسباتها السكونية الهادئة المعنى، العاصفة بالمقاييس الشعرية التي تتخطى المقاييس الكلاسيكية، وتتخذ منحى سمفونياً محضاً ينبثق من عمق الألم والانسحاق، بل! من حقيقة الحب الراسخ في منتهى الأيام التي ترصد بأناشيدها الحالة العشقية الواعية اللغة وشديدة الانعطافات الصوفية، ليحرض الأوزان النغمية على التجلي والقدرة على استشراف الانفعالات الحارة وهواجسها التي تتبوأ حالة شعرية نشأت عن عشق انسحق، لكنه متأصل في جذور النفس التي تتصارع وتنازع العتبات المقدسة، لوجوده المتوجع من مشهد يعيد صياغته في ديوان معقود على أطرافه المجد. فهل يقدم الدكتور ياسين في ديوانه "منتهى الأيام" سمفونية شعرية لغوية تبارز السمفونيات السمعية واللوحات البصرية حسياً وبقوة عشق هو منتهى الأيام؟
لا أمارس التأويل هنا ولا أحاول النقد. إنما أحاول اكتشاف مجهول البناء الشعري القائم على متانة اللغة في تسلسل الأناشيد السمفونية العازفة على ألحان الألم والمعاناة، لخلق تناغمات يقودها الدكتور ياسين الأيوبي كقائد لأوركسترا "منتهى الأيام"، الشبيهة بمسرحية شكسبيرية أو بيتهوفنية، مركبة بتلاحم الأحاسيس التي اكتشفت برؤياها أبعاد الحب الذي لا يزول حتى بعد الموت، أو بالأحرى العشق المخلوق قدرياً حيث لا هروب منه، ولا الشفاء منه لأنه أشبه بحرب نزلت على مخلوق بشري لا يملك إلا الروح التي انتفضت من حمى لا هلوسة فيها. إنما اتضاح الرؤية وقوة الإدراك وعمق الخطى التي غارت في رمال العدم حيث بات يبحث عن الأماكن دون الزمن الذي انزوى في يوم واحد صارخاً في وجه الأيام "جِئْتُ مرة واحدة". فهل من وجهين لمنتهى الحب ومنتهى الأيام، أم أن السواد من البياض هو مبتدى لأيام ستكون في عمق الصدر المتأوه من خاتمة بدأت بالذكريات حيث التلاقي الخالد في منتهى الأيام؟
برؤية أخرى عام 2022 وأنا اقرأ ما كتبته عن الديوان عدت فاستخلصت
يترك ديوان "منتهى الأيام" انطباعًا قويًا لدى القارئ بفضل تلاعبه بالأساليب الإيقاعية والتعبيرية. يشعر القارئ بأن الديوان هو رحلة عاطفية تأخذ شكل سيمفونية موسيقية؛ حيث يتنقل بين لحظات السكون العميق والصخب المليء بالعواطف، مما يعزز من تأثير النص على الأحاسيس ويجعل القارئ يتفاعل بشكل مباشر مع تجارب الحب والخسارة والألم.
يتميز ديوان "منتهى الأيام" بتناول عميق ومعقد لمواضيع العشق والاضطراب العاطفي. يعرض الديوان الصراعات الداخلية والتجارب النفسية من خلال استعارات وبلاغة غنية، تعززها المفردات الشعرية الخاصة بالدكتور ياسين الأيوبي. يُظهر الديوان رحلة مؤلمة ومتشابكة تبدأ بالحب وتعبر إلى مراحل من الألم والشعور بالانكسار، ثم تخلق أفقًا للأمل والشفاء من خلال تجسيد الضوء والصوفية.
يعكس الديوان حالة عاطفية عميقة تتجاوز المشاعر الفردية إلى مستويات أعمق من الوجود. يلعب الألم والحب دورين رئيسيين في تشكيل التجربة العاطفية، حيث يظهر الإحساس بالضياع والشعور بالعزلة، متمازجًا مع لحظات التأمل والتسامي الروحي. يعبر النص عن الصراع الداخلي بين الحضور والغياب، والواقع والخيال، مما يجعل القارئ يشارك بعمق في تجربة الكاتب النفسية.
يتميز الديوان بجماليات شعريّة متقدمة. تستخدم القصائد تقنيات بلاغية وشعرية مثل الاستعارات والرموز والتشبيهات لخلق صور شعرية قوية ومعقدة. كما تساهم العناصر الإيقاعية في تشكيل تجربة قراءة متكاملة، حيث يتم تنسيق الأوزان والقافية بشكل يعزز من التأثير العاطفي ويضفي على النص جمالاً موسيقيًا يتناغم مع موضوعاته.
يبرز الديوان في تصميمه الشعري من خلال استخدامه للغة الغنية والمعبّرة. تساهم الجمالية في النص في خلق أجواء متعددة تترواح بين السكون المهيب والضجيج العاطفي. اللعب بين النقيضين، مثل النور والظلام، الحياة والموت، يمنح النص عمقًا جماليًا يعزز من تقدير القارئ للتجربة الشعرية.
يتسم "منتهى الأيام" بإيقاع موسيقي يمكن تشبيهه بالسيمفونية الشعرية. يعتمد الإيقاع على توازن بين اللحظات الهادئة والصاخبة، مما يعكس التقلّبات العاطفية في النص. يستخدم الأيوبي توظيفًا متقنًا للتكرار والتغيرات الإيقاعية لتعزيز تأثير الشعر. الأوزان والقوافي تتناغم بشكل يخلق إحساسًا موسيقيًا، مما يجعل قراءة النص تشبه الاستماع إلى قطعة موسيقية تتنقل بين الحركات السريعة والبطيئة.
يقدم ديوان "منتهى الأيام" تجربة شعرية غنية تجمع بين تعقيدات العاطفة وسحر اللغة. من خلال تقنيات الإيقاع السمعي والفني، ينجح النص في خلق تأثير عميق ومتعدد الأبعاد، يجعل القارئ يعيش تجربة عاطفية وشعرية متكاملة. يعكس الديوان براعة الدكتور ياسين الأيوبي في دمج الموسيقى والكلمة لإنتاج عمل فني يجسد الصراع والتجربة الإنسانية بطرق مؤثرة وجمالية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol