توليف حركي بين الشكل واللون
ضحى عبدالرؤوف المل
يقوم الفنان "دان كريستنسن" (Dan Christensen) بتوليف حركي بين الشكل واللون، لنسج علاقات متشابكة تتطور بصريًا وفق ابتكارات الحركة وتوهجات الألوان التي تجبر الرائي على إعادة النظر أكثر من مرة. لانفصال الأشياء فيها وتلاحمها في المعاني اللونية المتناقضة والمختلفة، مستخدمًا أحيانًا خربشات تلقائية عفوية وعميقة، وأحيانًا أخرى تكون بمثابة مستطيلات ومربعات ومثلثات. لتعزيز التعبير التجريدي المتجانس منه وغير المتجانس، بتذبذب يتميز بإبراز العلاقة اللونية مع الشكل المعقد. لبساطة الخطوط في التعبير المجرد عن حالة لا مكانية غير مستقرة، يدمج من خلالها الألوان الزاهية، ليفك الجمود عن الفراغات التي تحتضن أغلب أعماله الفنية. فالتكوينات غير الواعية تؤدي إلى ضبط النفس المؤدي إلى الوضوح في الفكرة، وتميز المساحات التي تستقطب الضوء الذي يبرز قيمة الخطوط وجوهر التخيلات للأشكال التجريدية عبر التشابه والتماثل والتناقض والتناغم والإيقاعات ذات المسار الفني الذي ينتمي إلى التجريد التعبيري وبالعكس. ليثير الدهشة ويدفع النفس نحو المتعة، وباختزال ذي مسح بصري يؤدي إلى الاستكشاف والإحساس بالتجريد ذي عدة تعبيرات بين الكثير من الخطوط والألوان، والحركة بينهما والإحساس بمتاهة الوجود.
ما بين عفوية الأحجام الصغيرة والكبيرة يعوم الضوء بين الألوان المؤثرة على الشعور التعبيري غير الموضوعي والمشحون بمعانٍ ذاتية، ينبذها الفنان ويترجمها في اللاوعي التعبيري، والتجريد المتجذر في المراوغات البصرية بين الأشكال والأشكال التي تنفصل وتتلاحم. للخروج من أزمة ما ترتبط بالانفعالات الحسية عند الفنان "دان كريستنسن"، وكأنه يتناقض بين الأنماط التعبيرية والتجريدية بخلق تعبير تجريدي تشترك فيه نسب الضوء وتدرجات الألوان في الخطوط التلقائية الموحية بالقوة في الكثير من الأحيان، كنوع من فلسفة تشع بالوجودية. لتمحو ما في النفس من شوائب تختزل تأثيرات الحروب على الإنسان، ولتعطي لوحاته المعنى للحياة، وغموضها المؤدي إلى نقطة محورية ذات خصائص جمالية، ترتبط بالشفافية والكثافة والسماكة. لإبراز أنات اللون والإيقاعات الصامتة التي تعكس ديناميكية النمط التعبيري التجريدي وحيويته التي لا تفتقر إلى الإيحاءات والإيماءات التي تخفي خلفيات فنية ذات معانٍ إبداعية رغم التعبير النفسي البسيط الذي يحمله المغزى الفني للوحات "دان كريستنسن".
يسلط "دان كريستنسن" الضوء على الحقول البصرية كأنها مغناطيسية تشد الألوان بازدواجية يوظفها في امتداد الألوان الحارة والباردة، وبتناقض سلبي إيجابي يعكس مجازية وجود الإنسان في الحياة، وفلسفة الفهم المادي للقوى الداخلية التي تثير زوبعاتها عدة تأثيرات، تهيمن على اللوحة وتكويناتها التي تركز على السطوح، تاركة الفراغات للعمق وللإحساس بالأحجام التي تختزن الكثير من الأفكار والمشاعر: الألم، والفرح، والمأساة، والأوجاع، واللاوعي الذي يتجسد في التعبير التجريدي، وهيمنات الحركة العشوائية في بعض منها والمؤثرة على مشهديات لوحاته بشكل عام. فالتدفق الإيقاعي في المتناقضات بين الأشكال يولد حركة تمثل حركة النفس الإنسانية داخل الجسد، وكأن اللوحة هي الإنسان الذي يحيا على الأرض بنزاعات وحروب تؤثر على مساراته في الحياة، وترافقه حتى الموت. فهل التجريد التعبيري فرويدي في بعض منه؟
يتلاعب الفنان "دان كريستنسن" بإيماءات الشكل واللون، وبحركة الخطوط على خلفيات تمثل الاكتمال والنقصان في اللوحة التشكيلية النفسية بشكل خاص، التي قد تتخطى اللاوعي بالانفعالات التي تبرز شدة التعلق بالخطوط الرئيسية للحياة في مصطلحين هما التعبير والتجريد، الذي يصعب إبرازها معًا التعبير التجريدي، وبالعكس ما لم يمتلك الفنان خاصية ما يحاول من خلالها فك لغز الخط الذي يترجم ما في النفس من مخاوف وطمأنينة، وما في لون من اختلافات في المعاني المداعبة للشعور بجمالية الفن ومؤثراته النفسية على بث المزيد من التساؤلات الفنية نحو التجريد التعبيري وماهيته الخاصة عند كل فنان.
يترك "دان كريستنسن" انطباعًا قويًا ومؤثرًا، حيث يعكس كل عمل حالة من التوتر والتفاعل بين الألوان والأشكال. تنبض لوحاته بالحيوية وتمنح المشاهد تجربة بصرية فريدة. الألوان القوية والخربشات العفوية تخلق إحساسًا بالحركة والتغيير المستمر، مما يلفت انتباه الرائي ويثير فيه شعورًا بالدهشة والتأمل.
يعتمد "دان كريستنسن" على توظيف العناصر البصرية مثل الألوان والخطوط والأشكال بطريقة متكاملة لخلق توازن بين التجريد والتعبير. يستخدم التناقضات اللونية والشكلية لتوصيل معاني عميقة تتجاوز الشكل الخارجي للعمل الفني. تتنوع الأشكال بين المستطيلات والمربعات والمثلثات، مما يعزز تنوع التجربة البصرية ويعكس اهتمام الفنان بإيجاد توازن بين النظام والفوضى.
تنقل أعمال "دان كريستنسن" مشاعر مركبة مثل الاضطراب الداخلي والتناقض بين الرغبات والواقع. الألوان القوية والخطوط المتعرجة تعكس حالة من الصراع النفسي والتوتر، بينما التجريد يتيح للمشاهد فرصة للتفاعل مع العمل على مستوى شخصي وعاطفي. إن التباين بين الألوان والأشكال قد يعكس أيضًا الأثر النفسي الناتج عن تجارب الحياة الشخصية للفنان.
يظهر "دان كريستنسن" براعة في استخدام العناصر الأساسية للفن التشكيلي مثل اللون والخط والشكل. تمتاز أعماله بتقنيات فنية تعزز من تعبير التجريد والتكامل بين الألوان والأشكال، مما يخلق تأثيرًا بصريًا قويًا. التلاعب بالمستطيلات والمربعات والمثلثات يعكس مهارة الفنان في خلق توازن بين التكوينات الهندسية والعفوية.
تميز أعمال "دان كريستنسن" بتنوع بصري يثير اهتمام المشاهدين. الألوان المتباينة والتفاصيل الدقيقة تخلق تأثيرًا جماليًّا يأسر العين. التجريد الذي يعتمده الفنان يتيح للمشاهد فرصة لاكتشاف الجمال في الفوضى، مما يضفي قيمة جمالية خاصة على أعماله.
التعبير في أعمال "دان كريستنسن" يتجاوز الحدود التقليدية للتجريد ليعبر عن تجارب داخلية ومشاعر شخصية. التعبير عن الصراعات والآمال والتجارب الإنسانية يظهر بوضوح من خلال الألوان والخطوط والأشكال، مما يجعل كل عمل فني تجسيدًا عاطفيًّا وفكريًّا لحالة معينة. التجريد يعزز القدرة على التعبير عن مفاهيم معقدة بأسلوب بصري مبتكر.
من منظور الإيقاع البصري، تتميز أعمال "دان كريستنسن" بإيقاع متغير يتنقل بين الثبات والحركة، والتسارع والتباطؤ. الألوان والخطوط تخلق أنماطًا متغيرة تعكس الإيقاع الداخلي للعمل الفني. هذا التنوع في الإيقاع البصري يجذب المشاهدين ويحفزهم على استكشاف العمل الفني بشكل أعمق، مما يعزز من تأثير العمل وتجربته البصرية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol