القدرة على تصنيع المشهد الحي
أدب ورواية نسائية أم أدب ورواية تكتبها امرأة؟
هذه ثنائية في سؤال من جزأين: الأول نسائية، والثانية امرأة، والفرق بين الجزأين كبير، فما بين جمع كلمة نسائية، ومفرد كلمة امرأة تفرد جوهري في المعنى والمضمون، وخاصية متداخلة بمكنونات أنثوية تمثل عالم النساء أو المرأة أدبيا في ازدواجية قد تتعارض أو تتوافق مع كلمة أدب، فالجدل ما زال قائما بين الرفض والقبول.
الأدب النسوي عند فاكت هو" الأدب الذي تكتبه المرأة مستسلمة فيه لجسدها، نلمح فيه الكليشيهات الكتابية" وهذا حقيقة ما نقرؤه في أيامنا هذه من أساليب روائية نسائية بعيدة عن التقنية المتينة والمترابطة روائيا، لأنها غالبا تطرح موضوع تحرر المرأة، لكن بعيدا عن التوجه الفكري والأدبي البناء.
ولا أعرف إن كان يمكن تسمية الفضفضة الذاتية التي لا ترتقي لمقاييس الرواية بالأدب الروائي، فكلمة أدب شاملة كمصطلح له مفهومه التأديبي القادر على منح التوازن للنفس كي تتهذب، وتعالج الأمور الحياتية بجمال، يجعلنا نتذوق المفاهيم البنائية التي يجب أن ترفع من مستوى الإنسان، لا أن تعيده إلى زمن المحظيات، فالأدب النسوي بدأ في بريطانيا مع قضية المطالبة بحق التصويت، ورافق مرحلة النهضة، لكن الأدب كما يعرفه بلزاك هو" كل شيء عما يراوغ مدركات روحنا المحدودة، وعندما تضعه أمام عيني قارئ فإنه ينقذف في فضاء تخيلي" أما الأدب الروائي فهو طاقة مفتوحة، لأن الرواية هي معالم طريق وأصوات، وبيوت وحارات، وشوارع ومشاعر، وليل ونهار، هي مكعب رباعي الأبعاد اقتطع من العالم، لأن الأدب كالخريطة الفكرية الفطرية، لا هوية له إلا لغة مشتركة لا تفرق بين رجل وامرأة.
نظريات تعددت، وآراء اختلفت في تحديد الصنف الأدبي الذي يحمل ملامح الرواية، إلا أنه أدب عاجز وأبتر وغير مؤطر، كتبه صاحبه، لأنه فشل في تحديد الصنف الأدبي الذي يحمل ملامح الرواية، فالأدب الروائي هو قصة نثرية وسرد ذو حبكة متينة، لها أساليبها الفنية، لكن كلمة نسائية توحي بسلبية ترتبط بحركة نسوية لها دلالاتها الخاصة، وإشكالياتها المتعلقة بتحديد النوع والجنس بيولوجيا ، وأسلوبا يحدد ملامح هوية تسعى إلى إظهار التمرد على الرجل، وتكشف عن جرأة تسعى إلى اكتساب التعاطف مع معاناتها، وما تتعرض له من سلطة ذكورية مبتعدة عن الموضوعية والعقلانية، لتضع نفسها في اتجاه أدبي واحد، وهو ظلم المرأة واضطهادها من الرجل كما تراها هي، وهذا بدأ مع مؤلفات الدكتورة نوال السعداوي الأولى، واستنكارها لعادات اجتماعية غير متكافئة تكبل المرأة، وتعطي حق التسلط الذكوري عليها من قبل الرجل، وحقوقها المنتهكة، كما بدأت من قبلها سيمون دي بفوار، لكن الدكتورة نوال السعداوي استطاعت تقديم أعمال روائية ذات مستوى فني تقني يتوازى مع الرجل.
أما ماري إيجلتون فتؤكد أنه" الأدب الذي يسعى للكشف عن الجانب الذاتي الخاص بالمرأة" فالأدب النسوي يمكن أن يكتبه رجل، فالهيمنة الغربية على الذهنية العربية تلاحقنا حتى بالمصطلحات، فهل العنوان" سوق عكاظ نسوي في الرواية" أو أدب ورواية نسائية؟ أم أدب ورواية تكتبها امرأة؟ له خصوصية تكشف عن صراع مرير بين ما هو نسوي أو ذكوري ؟ أم أن الرواية النسائية وهم وحلم، وقد امتلأت أسواقنا العكاظية بحكايات خارجة عن الأدب، فهل يمكن تسميتها رواية، وهي تفتقر للأسس البنائية للعمل الروائي؟
هناك الكثير من الأعمال الروائية، لو نزعنا عنها الأغلفة لتاهت الهويات، واستطعنا اكتشاف المقاييس الروائية التي لا تنتمي لرجل أو امرأة، بمعنى أنها تحافظ فقط على الأدب الروائي، فالمهم الصياغة الحقيقية، وليس الصائغ وجنسه امرأة أو رجلا، فالقدرة على تحقيق الجمال البناء يتم عفوياً وفطريا، لكنه أيضا خبرة حياتية لها منظومها الهندسي الاجتماعي الذي يعيد بناء الذات، لا أن يعيش معاناتها، لتلتهب المخيلة الجنسية، وتتعطل المخيلة الإبداعية.
فمشكلة النساء الكاتبات بشكل عام لا تحمل قضايا تتناثر عن الذات، وإنما قضاياهن تتمركز حول الذات مثل فضفضة "بنات الرياض" وغيرها، فهناك فعل كتابي، وفعل كتابي أدبي، وفعل تعبيري ذاتي، وفعل تعبيري عام، كما أن هناك أعمالا إبداعية يمكن أن تتحدث عن المرأة أكثر من المرأة نفسها متل كتابات إحسان عبدالقدوس الأدبية .
أما الأدب الذي تكتبه امرأة فهو أدب يشبه أدب الرجال، بمعنى التوازن من حيث الموضوعية والذاتية، والقدرة على معايشة العصر ومشكلاته فكريا وعاطفيا دون أن نشعر بالاختلاف من حيث الطرح والمعالجة وتقديم الرؤى، فمثلا أن نقارن بين نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة، فالأولى كتبت شعراً لا علاقة له بالمرأة ولا بالرجل، فله كينونة عامة يتذوقها كل قارئ مهما كان جنسه، ويمكن أن يكتبه رجل مثل شعر بدر شاكر السياب، أما لميعة عباس عمارة فتتحدث بلسان وعقل نسائي، أي تمتلك خاصية فردية نسوية، له خاصية ذاتية .
أما عند القدماء فنجد أن الخنساء لا تختلف عن أي رجل، فهي تشارك الرجل في الهموم الاجتماعية والحياتية، وتبتعد عن المطالبة بحقوق نسائية منتهكة، وما إلى ذلك، وهنا لا أعني أن تنفي عن نفسها صفة المرأة، أو أن ينفى الرجل صفة الرجولة بل هي اختلافات تستجيب لها أحاسيس الرجل والمرأة على السواء.
لكن للشعر خصوصية روحية، لأنه يخرج من داخل النفس إلى خارجها، بينما العالم الروائي هو حياة داخل كتاب، أو قطعة حياتية مكتملة العناصر ودقيقة جدا، فمثلا روايات توني موريسون لا تختلف عن روايات باولو كويلو، أو مارغريت ميتشل وروايتها "ذهب مع الريح " التي توازي رواية " الشيخ والبحر" للروائي أرنست همنغواي .
بعد كل هذا سأقدم جملة مختصرة لكل ما تكلمت عنه، ولعنوان حمل فوارق أنثوية، واشتقاقاً لغوياً لسوق لم يحمل قديما اسم سوق عكاظ رجالي، إنما حمل في الحاضر سوق عكاظ نسوي، لكن كلمة أدب لها صفة مشتركة لسؤال مطروح، أدب ورواية نسائية؟ أم أدب ورواية تكتبها امرأة؟ نحن لا نستطيع تصنيف الأدب بيولوجيا، هذا ذكوري وهذا نسوي، أو هذا تكتبه امرأة أو يكتبه رجل، لأن الأدب الروائي بشكل عام هو القدرة على تصنيع المشهد الحي، ليظهر المكنون الحقيقي للأدب بشكل عام، وللرواية بشكل خاص بمعادلة متوازية تتساوى فيها المرأة والرجل من حيث الجودة الفنية والموضوعية في تقديم ما هو هادف وبناء أدبيا وفنياً، بعيداً عن ثرثرات الأسواق والمقاهي التي لا هم لها إلا تحقيق كل ما هو ذاتي، بعيداً عن إطار الأدب بمعناه الجوهري الخلاق .
Doha El Mol