إدراك قيمة الألوان ضمن الإيقاع البصري في لوحات الفنان سيمون حبيب صفير

ضحى عبدالرؤوف المل

يرتبط مفهوم الألوان في لوحات الفنان سيمون حبيب صفير بالموسيقى الضوئية، وبحاسة اللمس بصرياً المرتبطة بالتدفق اللوني والتلاعب بالضوء. إذ يمنح الفنان سيمون صفير لوحته لمسة تلقائية وعلى عدة مستويات بين السماكة والشفافية ومفارقتهما الإيجابية والسلبية، وبثنائية التماوجات التي تتشظى من خلالها الوحدات أو النبرات الإيقاعية، وبفسيولوجية تتضمن عدة نقاط لإيقاعات ومراحل هي تدرجات مختلفة لأصوات اللون والضوء معاً بعيداً عن الضوضاء والتوازنات بين الأشكال المختلفة في مراحلها التجريدية، رغم التشكلات ذات التخصصات الإيقاعية المشحونة بترددات كل لون، وتأثيره بصرياً على ذهن المتلقي. لذا، من يتأمل لوحات الفنان سيمون صفير لا بد أن يملأ رئتيه بشهيق طويل وزفير قصير، وبكفاءة الأنفس التي تشعر بسعادة غامرة، سببها الضوء المتغلغل بين الألوان وفق تراتيبية هي إيقاع يستغله ليمنح لوحته جمالية خاصة لإيقاعات مشحونة يمكن من خلالها إدراك قيمة الألوان ضمن الإيقاع البصري، حيث تتمدد الأشكال تحت تأثير الأبعاد المرئية والأخرى الوهمية، ومن خلال الموسيقى الداخلية المتوائمة مع النبض اللوني ضمن الفضاءات التي تتسع لا شعورياً عند التغلغل في التفاصيل، وبحيوية منتظمة ومتجانسة، تؤسس لبنية تجريدية هي واقع اشتقاقي لصور متخيلة ترفع من قيمة الإيقاعات بما يتناسب بصرياً مع جوهرية كل مسافة تنفصل من خلالها الألوان وتندمج مرة أخرى، إلا أنها وفق طبيعة حركية تنظيمية للنغمة ما بين البارد والحار وفق شاعرية تشكيلية ذات منحى تكويني، ينتج عنها ضوئيات أو بالأحرى إشراقات من منظور جمالي يتجلى في التناقض الحركي، ومنظور العمق بين الداخل والخارج، بين السهولة التلقائية للريشة وقدرة الفنان القادر على أن يكون أكثر حزماً مع الألوان. بمعنى أنه يعاند نفسه ليبعدها عن عاطفة اللون والانجرار خلفه، لينظمها في تجريد هو إدراك إيقاعي لخلق قوة بين التناظر والتناغم والتضاد، وهو سُنة الطبيعة في إطار استمرارية جماليتها في مشهد فني تشكيلي مؤطر في تحولات هي انقلابات جذرية للضوء المفاجئ، الذي يحثه على الاستمرار في تشكيل يرتكز على الإيقاع ومستوياته، بصرف النظر عن السياق النغمي لكل لون، تتضح من خلاله تشكيلات الضوء الممتعة للبصر، ليؤلف من خلال اللوحة سمفونية ذات جمالية بصرية تبهج النفس وتسمح للبصر بالاسترسال لبلوغ قمة الجمال الضوئي وتأثيراته على الألوان كافة وفق عدة مستويات نغمية. فهل كل نمط من أنماط اللون في لوحات الفنان سيمون صفير هو أداة تجذب البصر نحو العمق لتستريح النفس عند رؤية اللوحة؟

تجذب استثنائية إشراقة الألوان وفطرتها المتأمل للوحة الفنان سيمون حبيب صفير، إذ يميل إلى التأثير النفسي الهادئ والصاخب في آن، لتحرير كل لون من إشكالية اندماجه بالآخر والمتأثر بالألوان الحارة والباردة، ضمن التلاعب الدرامي بالأنماط ووظيفتها الأساسية في التأثر والتأثير، مما يجعل من حالات اللون العاطفية مثيرة للاهتمام البصري، سواء كان من الممكن التعرّف على العناصر والأنماط أو للإيحاءات وتحليلاتها بعيداً عن عشوائية التجريد التشكيلي ونغماته الصامتة، وحتى إيقاعات كل لون وحالته النفسية عند منحه شفافيه أو سماكة أو حتى الملمس التحسسي بصرياً، وفق تكوينات غنية بجمالية الطبيعة البكر الباحث عنها في لوحاته وإيقاعاتها البصرية المختلفة ما بين علو وانخفاض أو بين داخل وخارج، وبالتالي هي قوة حاسمة لمصطلحات تتعلق بالحالة المزاجية للريشة وقوة تركيزها لا شعورياً على الفكرة التي ينطلق منها فنياً. فهل التنغيم اللوني يرتبط بالأنماط التجريدية وعناصرها التكوينية ومرونتها في تكوين الحركة؟ وهل يعزز ريشته بضوء تفاعلي ليغذي خطوط التعبير عن النفس وتنوعاتها بعيداً عن التعقيدات؟

في رؤية أخرى تحديثية

لوحات سيمون حبيب صفير تقدم تجربة بصرية غنية ومعقدة تثير ردود فعل متنوعة عند المتلقي. من أول نظرة، يمكن ملاحظة التباين الحاد بين الألوان والأشكال، مما يخلق تأثيرًا بصريًا مثيرًا ومتنوعًا. الألوان في أعماله لا تقتصر على كونها مجرد ألوان عادية، بل تتفاعل وتتداخل بطريقة تجعل كل لوحة تجربة حسية منفصلة. الانطباع الأول يتركز حول قوة الألوان واستخدامها الإيقاعي، حيث يمكن للمتلقي أن يشعر وكأنه يتنقل عبر مجموعة من التآلفات النغمية البصرية التي تعزفها الألوان.

يركز الفنان على كيفية تفاعل الألوان مع الضوء وكيفية خلق إيقاع بصري يتجاوز مجرد الشكل واللون. يتضح من أعماله اهتمامه بدمج الألوان بدرجات مختلفة من السماكة والشفافية، ما يخلق تأثيرات متعددة وطبقات بصرية معقدة. الصفات الفنية لعمله تتجلى في قدرته على إدماج الألوان في نسيج بصري مستمر يعبر عن حركة وانسيابية داخل اللوحة، مما يبرز المفارقات والتناقضات بشكل يجذب الانتباه ويدعو للتأمل.

تثير لوحات صفير مشاعر متباينة بين الهدوء والقلق، حيث تلعب الألوان دورًا رئيسيًا في تحفيز هذه المشاعر. استخدام الألوان المتضادة والتموجات النغمية يخلق حالة من التوتر والإثارة التي قد تعكس حالات نفسية متنوعة، مثل البحث عن الاستقرار الداخلي أو الاضطراب. هذه الألوان والنغمات البصرية تجعل المشاهد يشعر وكأنه يغوص في عالم عاطفي معقد، يعكس صراعاته الداخلية وتطلعاته.

تبرز لوحات صفير بابتكاره لتقنيات تعبيرية تجمع بين التجريد والتفصيل. يمكن ملاحظة أن كل لون يساهم في تشكيل الإيقاع البصري للوحة، حيث يعمل كل تدرج لوني على تعزيز الإيقاع البصري وتقديم تباينات ملموسة. صفير يتقن استخدام الضوء والظل لخلق أبعاد وعمق في العمل الفني، مما يعزز الجمالية العامة ويخلق إحساسًا بالحركة والتغيير.

تمتاز أعمال سيمون حبيب صفير بجماليتها الديناميكية والمعقدة. تساهم الألوان المتنوعة والتراكيب الإيقاعية في خلق جمالية بصرية فريدة تعكس جماليات الضوء واللون. البنية الجمالية لأعماله تظهر تناغماً بين الألوان التي تبدو وكأنها تعزف نغمة بصرية، حيث يلتقي التجريد بالواقعية ليخلق تجربة بصرية تشد الانتباه وتثير الإعجاب. استخدامه للضوء والظلال يعزز من الجمالية الكلية لللوحة ويمنحها طابعاً مميزاً.

تعكس لوحات صفير قدرته على ترجمة مشاعره الداخلية وأفكاره من خلال الألوان والإيقاع البصري. الألوان تعبر عن حالاته النفسية وتجارب الحياة بطريقة تتجاوز الكلمات، مما يجعل كل لوحة تجسيداً عاطفياً وفنياً لرحلة داخلية عميقة. التفاعل بين الألوان والإيقاع يعبر عن تعبيرات نفسية ومعنوية تعكس حالة الفنان وتثير تجربة فنية غنية لدى المشاهد.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol