خنجر في قلب الوطن
قراءة في رواية "ست الحسن في ليلتها الأخيرة" للروائية الفلسطينية سلوى البنا
ضحى عبدالرؤوف المل
مارست الروائية" سلوى البنا " في روايتها "ست الحسن في ليلتها الأخيرة" الصادرة عن "دار الفارابي" الأدب السياسي إن جاز التعبير، فحجزتنا في قاعة المحكمة، وجعلت القارئ حاضراً معها في جلسة مشرعة على الحقائق لويلات الحروب التي نعيشها عبر قصة حب عرفناها منذ آلاف السنين، والتي تتجدد ويتم تحديثها، لأن المرأة دائماً هي الوطن الذي بات يتخبط بين الأيادي الطامعة فيه. إذ تمرر سلوى البنا المعاني المبطنة ضمن حكاية وضعتها على خشبة مسرح هي قاعة المحكمة التي تبحث عن الحقائق من شخوص روايتها بطرح للحقائق والالتباس فيها، تاركةً للحب صفوة الياسمين المنتشر في بلاد الشام التي تتصارع عليها الأنفس قبل الأعين، ولتكون "ست الحسن" أو "وردة الشام" برمزيتها هي التاريخ الحقيقي للرواية التي خلطتها بممارسات الشيخ فواز، دون أن تغفل عن المؤثرات النفسية التي تضرب الإنسان منذ الطفولة نتيجة البداوة أو الجهل أو التمادي في التعدي على حقوق الإنسان الذي يقع فريسة المال والسلطة، دون تحديد أي نمط معين ينظم الحياة الاجتماعية بين البلدان العربية وفروقاتها. من خلال نائلة والبئر وولادة حجل، ومن خلال الشيخ فواز أو مقبل أو حتى مزيونة وميمونة، مثيرة بذلك عدة جدليات في رواية امتلكت القدرة على سرد يتيح للقارئ تذوق جمالية الحب وشاعرية الأحلام الطفولية لحسن ووردة، وحتى لشهلة ونور. لتتداخل العلاقات الغرائبية مع الكابوس الذي عشنا فيه ضمن محكمة تعيد بناء الأحداث التي تجري في بلاد الشام، بأشكال متعددة الرؤية دون أن تجزئ أدوات التواصل الذهني بينها وبين القارئ، بل! جلست معه في المحكمة وشاركته فرحة الخروج من كابوس، وكأننا في عالم مشترك يغرق بالمآسي التي تصيب النساء والرجال على السواء، وأن نفخت فيها من الرجولة ما قد يستنكره البعض. إلا أن عظمة الأحداث المخفية والملغزة بأسلوب ذي تكوين روائي يرمي إلى إبراز خصوصية الفترة الحرجة التي تمر بها بلاد الشام.
لا يمكن لمن يقرأ رواية "ست الحسن في ليلتها الأخيرة" أن يكملها دون أن تستوقفه الكثير من المعاني المدفونة هنا وهناك. تاركة سلوى البنا للقارئ فطنة التقاطها، لتنفي تسيس روايتها، وتركها بمنأى عن السياسة التي أوقعت بلاد الشام في ورطة كبيرة أو كابوس ناتج عن حمى تتصف بالغليان الداخلي. لأن وردة وحسن هما من جيل الأنفاق أو النفق الذي جمع الكثير من الشباب والشابات واستفزهم على الارتباط، وتحدي الواقع المفروض على أبناء فلسطين. إلا أن الحرب التي تجري أو ما يسمى بالثورات لم ينحصر في فلسطين ومعاناتها، بل! انتقل إلى بلاد الشام والمرأة هي التي وقعت فريسة الأسر والسبي وما إلى ذلك، والوطن الذي وقع فريسة الدسائس والأطماع الخارجية المريضة في دواخلها، لأنها تعاني من تاريخ التبست فيه الأزمنة وتركته مرمياً بين السردي والنفحة الشعرية أو النثرية مرتبطاً بوجدانيات موحية بالتحجر والقسوة، والعادات التي تعكس كل ما هو معادٍ للإنسانية برمتها. "العم نور كان يقاتل عدواً ظاهراً على الجبهة، وأنت من تقاتل يا حسن؟" تسأل وردة والحزن يفترش مساحات صوتها. "تعددت الوجوه والعدو واحد يا وردة."
لعنة ست الحسن التي حلت بالجميع والأغطية الروائية التي يسحبها ذهن القارئ الواحد تلو الآخر، ليقرأ ما تحت السطور. إن الثورات العربية في بلاد الشام ومؤثراتها شبيهة بلعنة الجنية عفرين البالغة من العمر آلاف السنين أو قبل أن يصنع الرب من التراب الإنسان! بتلميح إلى الأيادي الخفية التي تعبث بالأوطان. "حيرتني وردة الشام من أين أدخل إليها؟!!" فالعجز الذي أصاب من أراد الاستيلاء على بلاد الشام شبيه بالشيخ فواز العنين، وهو ما يجب البحث عنه في التاريخ، لتصحيح مسارات ثابتة في حكاية ست الحسن وحبيبها حسن المقاتل في الجبهة، والملتزم بالحب منذ الطفولة لامرأة هي الوطن بالنسبة له. فهل وردة الشام أجبرت الروائية سلوى البنا على الانتقام من أعدائها في كابوس روائي وضعته أمام المحكمة، ليحكم القارئ على رؤية روائية لأدب سياسي امتزج برمزية حكاية ست الحسن والشاطر حسن؟
في رؤية أخرى تحديثية عام 2023
رواية "ست الحسن في ليلتها الأخيرة" للروائية الفلسطينية سلوى البنا تعتمد على أسلوب سردي يجمع بين الأسلوب الأدبي التقليدي والتجريب الروائي. تتسم الرواية بمزيج من السرد الخارجي والتفاعل المباشر مع القارئ من خلال تجسيد قاعة المحكمة كفضاء سردي يعكس التعقيدات النفسية والسياسية للشخصيات. هذا الأسلوب يخلق نوعاً من التوتر الدرامي، حيث يعاني القارئ من تقلبات مختلفة بين الواقع والخيال، مما يضيف عمقاً إلى الرواية. لكن، قد يشعر البعض أن الانتقال بين هذه المستويات السردية أحياناً يكون مفاجئاً، مما يتطلب مزيداً من التوازن لتحقيق الانسجام.
تدور حبكة الرواية حول قضية عميقة تتعلق بالحرب، الوطنية، وصراع الهوية من خلال قصة حب ذات بعد تاريخي وثقافي. الحبكة مبنية على معركة بين القيم التقليدية والواقع السياسي المتغير، حيث تتداخل القصص الشخصية مع الأحداث السياسية الكبرى. تُعَدّ هذه الحبكة مبتكرة، حيث تدمج بين البُعد القضائي والدرامي، ولكن يمكن أن يكون هناك نوع من التعقيد الزائد الذي قد يشوش على القارئ. استخدام المحكمة كرمز للبحث عن الحقيقة يعزز من قوة الحبكة، لكنه يتطلب توضيحاً دقيقاً للفصل بين الأبعاد المختلفة لتجنب الإرباك.
تُعَدّ الشخصيات في الرواية معقدة ومتشابكة، حيث تمثل كل شخصية جانباً من جوانب الصراع الداخلي والخارجي. "ست الحسن" و"حسن" يمثلان نقيضين من حيث الرغبة في الحفاظ على الهوية الوطنية والحب في ظل الظروف القاسية. الشخصيات الثانوية مثل الشيخ فواز ومزيونة تضيف بُعداً إضافياً يعكس الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في تطور الأحداث. رغم ذلك، قد يكون التداخل بين الدوافع الشخصية والدوافع السياسية في بعض الشخصيات غير واضح بالكامل، مما يتطلب معالجة أفضل لتفاصيل الخلفيات الفردية.
تستخدم الرواية الرمزية بشكل بارز، حيث يصبح "ست الحسن" و"وردة الشام" رموزاً للوطنية والهوية والتاريخ. الرمزية تعزز من قوة الرسالة، لكنها قد تكون أحياناً مبهمة بالنسبة للقارئ، مما يستدعي تفسيراً أعمق أو توضيحاً لزيادة الفهم. الرموز المستخدمة تساهم في بناء طبقات متعددة للمعنى، لكن تزايد استخدامها يمكن أن يؤدي إلى شعور بالاختناق النصي إذا لم يتم توظيفه بعناية.
الأسلوب اللغوي للرواية يتميز بالعمق والشاعرية، مما يعكس البُعد الثقافي والفلسفي للرواية. اللغة الغنية والتفاصيل الدقيقة تضيف إلى الجمالية الأدبية للنص. ومع ذلك، هناك أوقات قد تقترب فيها اللغة من التعقيد المفرط، مما قد يعيق تدفق النص وسهولة فهمه. من المفيد تبسيط بعض الأجزاء لتجنب إساءة فهم الرسائل المعقدة.
الرواية تنجح في إثارة مشاعر القارئ من خلال تصوير الصراعات الإنسانية والتحديات الوطنية بشكل مؤثر. التفاعل مع قضايا مثل الحب الوطني والحروب الأهلية يجعل الرواية تجذب الانتباه بشكل فعال. ومع ذلك، في بعض الأحيان، قد يكون هناك نوع من المبالغة في التعبير العاطفي، مما قد يؤثر على مصداقية بعض المشاهد ويقلل من تأثيرها.
رواية "ست الحسن في ليلتها الأخيرة" تعد عملاً أدبياً يدمج بين القضايا السياسية والتجريب السردي بأسلوب مبتكر. رغم التحديات التي تواجهها الرواية في التوازن بين السردي والرمزي، فإنها تبقى عملاً قادراً على إثارة التأمل حول قضايا الهوية الوطنية والصراعات الشخصية. تعزيز وضوح الحبكة وتعميق الشخصيات قد يساهم في تحسين التجربة القرائية وتقديم رسالة أكثر تأثيراً.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol