الروائية سلوى البنا للواء: "أسلوب جديد يؤطِّر هذا الواقع في عمل أدبي قد يجلد القارئ بقدر ما يشده إليه ويسحبه إلى عمق المشهد."

حاورتها: ضحى عبدالرؤوف المل

في رواية ستّ الحُسن الصادرة عن دار الفارابي للروائية سلوى البنا، نصّ مفتوح يتيح للقارئ حرية رسم الأبطال وتشكيلهم وأسلوب التفاعل معهم، والكيفية التي يقرأها بها. وبذلك، فهو لا يقيّد قارئه بمكان أو زمان، ولا يربطه بعقدة محددة، ولا يقدم له أبطاله كوجبة جاهزة، لكنه يترك له حرية المشاركة بتحضير الوجبة كلّ بحسب المقادير التي يشتهيها أو يرغب بها. تنطلق الرواية من المحكمة وتنتهي بها، وهي هنا أيضًا لها دلالاتها الرمزية التي تؤكد على مهزلة ما يسمى بالعدالة الدولية وحقوق الإنسان. محكمة كاريكاتورية تفتقد أدنى مقومات العدالة وشروطها، تحاكي العدالة الدولية في تعاطيها مع قضايانا المحقة، كقضية فلسطين مثلاً. في ستّ الحُسن، المحكمة أداة لتكميم الأفواه وتدجين العقول وتزوير الحقائق بأسلوب سلس يجذب القارئ إلى قاعة المحكمة لينصت ويتفاعل مع الروائية سلوى البنا. أجرينا هذا اللقاء.

- برزت السياسة كخلفية مسرحية لكوميديا سوداء في رواية ستّ الحُسن، لماذا هذا الأسلوب؟

المشهد السياسي أكثر غرابة مما يمكن أن يرسمه قلم مبدع. اختلاط عجيب بين القيم والمفاهيم، وتغييب كامل للوعي، وهيمنة على العقول. ومواطن عربي أشبه ببلياتشو يعتلي خشبة مسرح ديكوره جماجم وقبور ورواده دمى متحركة. تخيّلي كيف يمكن لهذا المهرج أن ينتزع ابتسامة أو ضحكة يصفق لها الحضور. من هنا، كان لا بدّ من اجتراح أسلوب جديد يؤطِّر هذا الواقع في عمل أدبي قد يجلد القارئ بقدر ما يشده إليه ويسحبه إلى عمق المشهد، ويتركه يكتشف موقعه فيه دون أن تبتلعه كثافة المشهد وسوداويته. لذا، وجدتني أنساق مع تجربة جديدة هي مزج بين المسرح والسرد الروائي بلغة أقرب إلى الشعر. وأعتقد أنني بهذه المغامرة استطعت أن أقدم للقارئ رواية من الواقع تحاكي الخيال أو الأسطورة.

- طافحة الرواية بغضب ملغز يترنح بين الحب والعتب، هل سيفهم القارئ العربي المغزى كما نسجته سلوى البنا؟

إن لم يكن الغضب صارخاً، فقدت الرواية عقدتها الأساسية التي بنيت عليها الأحداث. لا عتب في المشهد، لكنه تراكم الإحساس بالظلم الذي يتفجر في النهاية غضباً يصحّح المشهد. الرواية تنقل بعيون أبطالها واقعاً صارخاً ينضح بالقبح والبشاعة، ويتمثّل رمزياً بالغربان السود التي تغزو بظلاميتها بلادنا وتسعى بشراسة لتدمير كل رموز الجمال فيه والمتمثلة في ستّ الحُسن، حضارة تاريخاً وثقافة. ستّ الحُسن بهذا المعنى هي القيمة الجمالية التي تشكل تحدياً للشيخ فواز بما يمثله من قيم وحشية بدائية إن جاز لنا تصنيفها كقيمة ثقافية. وما بين ستّ الحُسن والشيخ فواز تشابك حضاري تاريخي وإرث ثقافي وثأر قديم. ولكلٍّ رموزه وأبطاله وأحداثه وخلفيته الثقافية والإنسانية التي تنسج خيوط الرواية بتماسك يحميها من الانجرار أو الوقوع في شَرَك المباشرة والخطابية والشعارات السياسية. وأعتقد أنها بهذا الإطار تصل إلى القارئ بشكل أكثر عمقاً وتشعل فيه الرغبة لاكتشاف وفكّ الألغاز والرموز، وتبقيه على تماسّ مع حركة الأبطال ومتابعتهم حتى الحلقة الأخيرة أو الليلة الأخيرة التي تختزل بأبعادها الرسالة أو الهدف.

- قصة الشاطر حسن انقلبت فيها الأدوار وامتلأت الصفحات كلها عن ستّ الحُسن وقضيتها، هل هي قضية فلسطين أم بلاد الشام برمتها؟

ستّ الحُسن هنا لا تحمل من مواصفات الحكاية الشعبية أو الأسطورة غير الاسم. هي هنا الوردة الشامية التي تختزل بعبق عطرها ثقافة وحضارة وجمال وطن. في ستّ الحُسن خرجت لأول مرة من دائرة الالتزام بفلسطين كوطن صغير إلى حضن الوطن الكبير. وبحضوره حكماً، تحضر فلسطين. فالالتزام بهمومه وتحدياته والانتصار لقضيته، هو التزام بقضية فلسطين وانتصار لها. أعتبر أنني بهذا المعنى حققت قفزة تتناسب وأهمية المخاض الذي يشهده وطننا اليوم، وتحديداً بلاد الشام، وتشكل فلسطين القلب منها. وكروائية ملتزمة، أجدني في هذا الموقع أكثر صدقاً وشمولية والتزاماً بالقضية.

- ما الهجين الذي جعلته سلوى البنا الحجل، ولماذا هذه الصفة؟

كما وردة الشام هي نائلة اليمن، كلتاهما رمز وطن يشِعّ بالحضارة والجمال وعراقة التاريخ. وكلتيهما هدفا لهجمة شرسة تستهدف إغتيال هذه الهوية الحضارية الجميلة. و"حجل" هنا الطائر الصغير الضعيف الذي وُلِدَ من رحم الظلم وكبر في أروقة الاضطهاد والمهانة، والذي بعث في اللحظة الحاسمة عملاقاً كطائر الفينيق، وقبض بين أصابعه القوية على الحدث. وكتب بها النهاية كما أرادتها نائلة التي لم تغادر كيانها لحظة حتى وهي ركام عظام في عمق بئر مهجور. نائلة صرخة اليمن التي انتصر لها حجل كما انتصر حسن لستّ الحُسن.

- رمزية الجنس في الرواية من شدة الوقع السياسي على بلاد الشام، هل تعتبرين هذا إساءة للنص الروائي في ستّ الحُسن؟

أخذ بعض النقاد على ستّ الحُسن حضور الجنس فيها بكثافة، لكنه في الحقيقة جنس مرمز استخدم لخدمة النص لا للإثارة الجنسية. برأيي أن الحب والجنس يكملان بعضهما البعض. لكن السؤال هنا هو كيف يمكن توظيف المعادلة لتكريس الجنس بوجهه الجميل وقيمته الحضارية كفعل حب، وتخطي استباحة جسد المرأة بهمجية نطلق عليها زورا "جنس". في ستّ الحُسن، مشهدان متناقضان للجنس ينطلقان من ثقافتين متناقضتين، وهنا أترك للقارئ وحده حرية الحكم إن كان في ذلك خدمة للنص أم إساءة له.

نكتشف من الحوار أن

"ستّ الحُسن" تجسد تجربة روائية تُعَدُّ فريدة في عالم الأدب العربي. الانطباع الأول الذي يتركه النص هو الإحساس بالقوة والتحدي. الرواية، من خلال أسلوبها الفريد، تقدم نفسها كعمل أدبي ثوري يرفض القوالب التقليدية ويدعو القارئ إلى الانغماس في عالم مليء بالرمزية والتجريد. النص يبدو كدعوة للتفكر والتأمل في القضايا الاجتماعية والسياسية الكبرى، من خلال قالب أدبي مشحون بالرمزية والسخرية. تسعى الرواية إلى تقديم نقد لاذع للواقع السياسي والاجتماعي. تُستخدم المحكمة كرمز للعدالة الدولية المُزيفة، مما يعكس سخرية لاذعة تجاه النظام القضائي العالمي وعجزه عن تحقيق العدالة الحقيقية. الرواية تطرح قضايا مثل ظلم الأنظمة السياسية وتدجين العقول، عبر تقديم مشهد كاريكاتوري يعكس الواقع بشكل مدهش ومؤثر. هذا الاستخدام الرمزي يضفي على النص بعدًا تحليليًّا يمكن للقارئ من خلاله فهم التحديات الراهنة على مستوى أعمق.

تسبر الرواية أغوار الذات البشرية في مواجهة القمع والظلم. الشخصيات في "ستّ الحُسن" تمثل تجسيدًا للصراع الداخلي الذي يشعر به الأفراد في مجتمعات مضطهدة. الرواية تعرض الغضب كعاطفة متفجرة نتيجة الظلم المتراكم، وتعرض كيف يمكن أن ينفجر هذا الغضب ليكشف الحقائق ويصحح المشهد. هناك بعد نفسي عميق في الطريقة التي يتفاعل بها الأبطال مع عالمهم القاسي، مما يعكس الصراع النفسي والتوتر الذي يعيشونه.

يستخدم السرد أسلوبًا مبتكرًا يجمع بين المسرح والسرد الروائي بلغة شعرية، مما يخلق تجربة قراءة غنية ومكثفة. تقنيات المزج بين الأساليب الأدبية تعزز من التوتر الدرامي وتضيف عمقًا للنص. الأسلوب الفني يعكس تفاعلاً بين القصة واللغة، حيث يتلاقى الواقع والخيال لتشكيل رؤية أدبية معقدة. الرواية تتجاوز التقليدية من خلال التلاعب بالأشكال الأدبية وتقديم محتوى مبتكر.

"ستّ الحُسن" تبرز من خلال استخدامها للرمزية والتجريد في تصوير القضايا السياسية والاجتماعية. الجمال في النص لا يأتي من الوصف المباشر، بل من القدرة على نقل مشاعر وعواطف عبر الرموز واللغة الشعرية. الرواية تتسم بجمالية التعبير عن الصراع والتحديات من خلال أسلوب متقن، مما يجعل القارئ يشعر بالانغماس في عالم الرواية بشكل عميق وجميل.

الرواية تستخدم لغة غنية ومعبّرة تنقل مشاعر الغضب والإحباط بطريقة مؤثرة. الشخصيات والأحداث تُقدَّم بطرق تعبيرية تعزز من فهم القارئ للمشاعر والأفكار المعقدة. الأسلوب التعبيري يضيف بعدًا دراميًّا للتجربة الروائية، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه جزء من الصراع والبحث عن العدالة. لغة الرواية تعكس تعبيرًا عن التجارب الشخصية والجماعية، وتستدعي تفاعل القارئ على مستويات متعددة.

"ستّ الحُسن" هي رواية تقدم تجربة أدبية غنية تعكس الصراع الإنساني في ظل الأنظمة القمعية، وتستخدم أساليب سردية وبلاغية متقدمة لطرح قضايا معقدة بشكل مؤثر. من خلال الرمزية والتجريد والأسلوب الشعري، تنجح الرواية في تقديم رؤية فنية وجمالية تجمع بين النقد الاجتماعي والتعبير الأدبي العميق.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol