الموروثات المورفولوجية للفن التشكيلي على مستوى الفن الإسلامي

ضحى عبدالرؤوف المل

يعتمد الفنان الباكستاني "عريف خان" (Arif Khan) على التغيرات المورفولوجية في اللوحة التشكيلية، محتفظاً بالأسس التقليدية للفن الإسلامي، تاركاً للانتفاضات الشكلية المختلطة وجودها المؤسس للوحة. لتكون الميزة الشكلية تنبع من الأسس اللونية والخطوط التي تتغاير مع الألوان وجودها وجماليتها، واتجاهاتها وتراكيب الشكل الذي يعتمد عليه من منظور متطور ومترابط. لتمثل الأشكال التي يتلاعب بها نوعاً من الرياضيات البصرية القائمة على الموروثات المورفولوجية للفن التشكيلي على مستوى الفن الإسلامي أو الإنسان، والمزج الذي يتطلب إظهار جماليات الشكل بغرض تبيان القدرة على الإبداع أو الخلق الفني التشكيلي المرتبط بالانزياحات وفق تطورات تختلط معها الرؤى، وتحتوي على الكثير من المفاهيم التي تستقطب التأويلات ليغوص المتأمل في حركة اللون والتضاد مع الاختلاطات التي تؤلف نوعاً من الموسيقى وضوابط اللوحة.

تستثير الأشكال في أعمال الفنان "عريف خان" عفوية الحس الفني الذي ينعكس على جوهر الفكرة وعبثيتها من حيث المبادئ والأفكار التي يتعامل معها. إذ يبدو التكنيك الأسلوبي بملامحه الفنية خاضعاً لتحديث داخلي يرتكز على توزيعات خطوط الطول أو العامودية منها والزخرفات المتعلقة بها، وبخاصة ما يثير الانتباه والحس البصري وتجليات الحركة اللونية وسماتها المصحوبة بمزاجية تخيلية متفاوتة جمالياً. إذ تتوهج الألوان الحارة ضمن نقاط معينة يوزعها وفق مساحات يمدها بإيحائات ضوئية تلامس بفراغاتها النظام اللوني الذي يعتمده في أغلب لوحاته، مع الاحتفاظ بتدرجات الألوان الباردة والحارة، وبشفافية غارقة بجماليات الفن الإسلامي بشكل خاص.

تتخذ الأشكال في هذه اللوحات أبعاداً محورية تخرج عن نطاقها التقليدي وتنسجم معها في أجزاء أخرى كالدوائر والأشكال المنفردة، ومقومات الوحدات التي تتوحد مع نمطية الفن الإسلامي وتقاسيم كلماته المتناسقة مع المعنى، وعبر تلاوين منسجمة وفق أداء الريشة أو التراكيب الإبداعية التي يضيفها إلى أعماله، وبمجازية صاخبة في دلالاتها البصرية المؤدية إلى التخيلات، وفتح الفضاءات التي تفضي إلى الحركة، وبتفاصيل مدروسة تبحث عن التأملات الكونية أو تلك الصوفية منها الباحثة عن السكون وفق حركاتها، والارتقاء الضوئي المنبعث من الأشكال التي تحتوي الآيات القرآنية وخطوطها، لتشمل الأشكال الهندسية كالدائرة والمربع وما إلى ذلك.

يغوص البصر في لجج الفراغات في أعمال الفنان "عريف خان" لتتجدد النشوة الحسية المدركة لقيمة الكلمة، ومعناها داخل الشكل الذي يجعله بين مدارات هي امتداد لاستدارات يتقنها، فتنتعكس الألوان الباردة وتضج حرارة لوحاته، بل تختصر الأشكال اللامرئية بجمالية توحي بالتصوف، وبالحنو الرمزي للخطوط التي تتراخى وتشتد تبعاً لمفهوم الكلمة التي يخطها وفق معادلات ضوئية يترجمها اللون والشكل والحجم، والمساحة، وبشفافية تتميز بالمخيلة الفنية التشكيلية المحتفظة بتقليدية الفن الإسلامي في اللوحة الإبداعية، المتمسكة بإحساس الآيات القرآنية ومعانيها الجمالية المنسجمة مع الأشكال الفنية.

تجذبك لوحات "عريف خان" لبساطتها وتعقيدها في آن واحد، وكأن اللوحة قطعة تراثية فنية مشغولة يدوياً بتجرد تكاتفت فيه الأحاسيس الفنية برمتها من رسم وتركيب إبداعي، واختلاطات متنوعة واختلافات في جزئيات يسبغها بالتعتيق. فتختزل الأشكال القيمة الحقيقية لما ينشده "عريف خان" من إثارة الدهشة البصرية عند المتلقي، بأسلوب يضج بالتناقضات البصرية، مما يجعل من اللوحة كتلة فنية تحلق مع آياتها عبر فضاءات الألوان والأشكال التي تستجيب للإيحاءات وللتخيلات النابعة من شفافية تتسم بالإبداع الفني لتراكيب الكلمات الداخلية التي ينفذها وفق إشارات الحرف ومحتوى الكلمة داخل اللوحة.

من رؤية أخرى

عند النظر إلى أعمال الفنان الباكستاني "عريف خان"، يبرز الانطباع الأول من خلال إيقاع بصري متوازن ومثير. تتجلى الألوان بتبايناتها الحارة والباردة بشكل يخلق حركة ديناميكية على سطح اللوحة. يُشعر المشاهد بأن هناك تداخلًا وتباينًا في العناصر التي تجذب العين وتحثها على استكشاف اللوحة بشكل أعمق. هذا التوازن بين الحركة والجمود، بين الضوء والظلام، يعكس قدرة الفنان على خلق إيقاع بصري يتميز بالانتظام والابتكار.

يمكن ملاحظة اعتماد "عريف خان" على الموروثات المورفولوجية للفن الإسلامي. يجمع بين التقليدي والتجريدي بأسلوب يثري العمل الفني ويمنحه عمقًا فلسفيًا وجماليًا. يشكل استخدامه للأشكال الهندسية والخطوط والزخارف إطارًا بصريًا يتناغم مع الأسس التقليدية للفن الإسلامي، ولكنه أيضًا يضيف إليها لمسات إبداعية تسهم في تقديم رؤى جديدة.

تثير أعمال "عريف خان" مشاعر متعددة تتراوح بين التأمل والدهشة. الألوان المتباينة والحركة الديناميكية تمنح المشاهد شعورًا بالتجدد والحيوية، بينما التفاصيل الدقيقة والرموز الصوفية تنقل حالة من السكون الداخلي والتفكر العميق. هذا التباين بين الحركة والسكون يعكس الصراع الداخلي والتوازن النفسي، مما يعزز تجربة المشاهدة العاطفية.

يتميز عمل "عريف خان" بإبداعه في دمج الألوان والخطوط بطريقة تخلق تناغمًا بصريًا. تبرز جماليات العمل من خلال استخدامه للألوان بطريقة تؤكد جماليات الفن الإسلامي مع لمسات معاصرة. الأشكال الهندسية والزخارف والأنماط تساهم في تعزيز قيمة العمل الفني وجمالياته، مما يجعل كل لوحة تجسيدًا للإبداع والجمال.

التعبير الفني في أعمال "عريف خان" يتجسد من خلال الاستخدام المتقن للتفاصيل والرموز. يعكس الأسلوب التعبيري للفنان قدرته على نقل أفكاره ورؤاه الفنية بطرق مبتكرة. الألوان القوية والخطوط المتقنة تعكس الانفعالات والتصورات الداخلية للفنان، بينما التلاعب بالأشكال والتراكيب يعبّر عن حالات الشعور والروحانية بطرق معقدة ومؤثرة.

يتميز عمل "عريف خان" بترتيب دقيق ومتناغم للعناصر. الإيقاع في لوحاته يتميز بتكرار العناصر وإعادة ترتيبها بطرق تخلق حركة بصرية متسقة. التباين بين الألوان والخطوط والمجالات يشكل إيقاعًا مرئيًا يعزز الجمالية ويجذب العين إلى داخل العمل الفني. هذا الإيقاع يساهم في تعزيز تجربة المشاهدة ويمنح العمل الفني طابعًا ديناميكيًا ومستدامًا.

يعكس عمل "عريف خان" تكاملًا بين التقليدي والحديث، ويخلق إيقاعًا بصريًا يعزز من التجربة الجمالية والتعبيرية. يتجلى فيه العمق النفسي والجمال الفني، مما يجعله تجربة غنية ومعقدة للمشاهد.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol