اللغة الفنية الهندسية التي تنبثق من قدرات الخطوط اللونية
ضحى عبدالرؤوف المل
يحترف الفنان بانتي توللا (Penti Tulla) اللغة الفنية الهندسية التي تنبثق من قدرات الخطوط اللونية على نحو يمكن للبصر من خلاله الغوص في متاهات تؤدي إلى خلق عدة صور إيحائية، تبعًا للنفس التي تتأمل جمالية الخطوط الداخلية في اللوحة المبنية على أسس المقاييس اللونية، التي تؤدي إلى التناسق والتضاد البصري، وبنسب متفاوتة في التموجات الضوئية، الغاية منها توصيل أحاسيس الشكل عبر اللون. لنقل الفكرة من الذهن إلى البصر، للتفكر بمقامات الشكل واللون ضمن الهندسة المرنة والدقيقة المقاييس. للاحتفاظ بجمالية الشكل المؤدي إلى توالد عدة أشكال تخيلية. ومن منظور حسي يهدف إلى تكوينات تؤدي كل منها دورها في الاحتفاظ بقيمة اللون، والخط، والكتلة، والشكل، والحجم، وبتراكيب تتصل وتنفصل دون تعقيد ملموس في الفواصل التي يتركها. ليمسك بالتعبير الهندسي، وبتوازن تتقاطع فيه عدة مفردات هندسية. لتجريد أشبه بمقطوعات موسيقية كلاسيكية لها نظمها وقيودها الفنية، القادرة على تحديد الأشكال المرئية وغير المرئية. لتتسم الخطوط المستقيمة بعدة تصنيفات فنية لكل منها ما يربطها مع الآخر، من حيث التشابك والتضافر أو من حيث منطق اللغة الهندسية التي يستخدمها بصريًا بانتي توللا، الناتجة عن تفسيرات تشكل فلسفة جمالية تسمو باللوحة نحو الشكل المتناغم مع الفكرة، والمتضاد مع التكوين الأساسي ومخططاته الداخلية والخارجية. ليخلق انعكاسات بصرية ذات خاصية حركية تنتج عن مسارات الألوان المرتبطة بمقاييس خاصة.
تفرض امتلاءات حسية التوازنات والتناقضات التي يعكسها الفنان بانتي توللا مع بعضها البعض، وبدلالات تسهم بخلق اختلافات بصرية تجمعها الألياف البصرية عبر المحاكاة. ليحدث نوعًا من الجذب البصري أو بالأحرى من الإدمان البصري في النظر إلى اللوحة، والدخول إلى أعماقها. لفك خطوطها وجمعها في آن. إذ ترتبط الرموز اللونية بدلالات التدرجات والطول اللوني، وامتداده أو قصره أو كثافته وشفافيته، والتحولات الفنية لا سيما الإيقاعية منها أو النغمية الخفيفة بصريًا، وبتأثيرات فكرية تتخطى حدود الزمان والمكان، للإشارة إلى المساحات التي يشغلها الفكر والإنسان في الحياة التي تقبل التنوع والتكاثر، والخصوبة والجمال بوصفها من مقتضيات العمل الفني بل! والركن الأساسي لتثبيت الفكرة، وجعلها ضمن متناول الجمال أو بمتناول الفكر الذي يسعى إلى خلق العوالم الجمالية المرتبطة بالعالم الفني.
ترتبط عناصر اللوحة في أعمال بانتي توللا بالقدرات التنظيمية للنقاط التي ينطلق منها، إذ يحقق من خلال التصميم البناء السليم للخطوط والألوان عبر سلم هندسي موسيقي يتدرج من الخفيف إلى الأعلى، فالمتوسط لتخفيف حدة الصراعات التي يجعلها في انتظام يربطه بكل ما ذكرت سابقًا، كالنظام الإنساني لحضارات نجحت في ترك معالمها الفنية بين الآثار التي نكتشفها، وكأنه يجعل من لوحته قطعة أثرية تحاكي الأنظمة التكنولوجية التي ترتكز على اختلافات الحركة، سواء في الألوان أو الخطوط أو الفراغات أو الظل أو الضوء أو الفواصل أو العناصر كلها مجموعة بشكل خاص. فاعماله ترسخ هوية اللغة الفنية بتطلعاتها نحو المستقبل، وبتكامل بصري وفكري وفني وجمالي، ومن منظور حسي يرتبط بالوحدات الجمالية ومكوناتها المتأثرة بالعمق اللوني ومقاييسه الطولية أو الأساليب التي يستخدمها في استخراج الشكل من اللون وبالعكس، وبابتكارات يتطلع من خلالها إلى خلق تصاميم مختلفة من نقطة هندسية واحدة، هي بمثابة تحديات تضعه أمام اللوحة والمتأمل لها في ثلاثية تنشأ عنها عدة تقاطعات هندسية ومعرفية وموسيقية ترمز كل منها إلى المرأة والرجل كرموز قديمة تم تحديثها في لوحة فنية تشكيلية.
في رؤية أخرى
عند النظر إلى أعمال الفنان بانتي توللا، يشعر المتلقي بنغمة إيقاعية بصرية تسيطر على اللوحة. الخطوط اللونية والتكوينات الهندسية تجذب العين وتوجهها من نقطة إلى أخرى، مما يخلق تجربة بصرية متكاملة. الإيقاع البصري الذي يتبعه توللا يبدو كأنه سيمفونية مرئية، حيث تتناغم الألوان والخطوط والتدرجات بشكل يعكس تنوع الحركة والهدوء في نفس الوقت.
العمل الفني لتوللا يعكس لغة فنية هندسية تعتمد على التركيب الدقيق للخطوط والألوان. هذا التركيب ليس عشوائيًا بل مبني على أسس هندسية محكمة، تجسد تعبيرات جمالية عميقة تتصل بالتمازج بين التناسق والتضاد البصري. يبدو أن توللا يستهدف خلق تجريدات بصرية تنقل المتلقي إلى عالم متكامل من الأشكال والألوان التي تحمل معاني متعددة.
أعمال توللا قد تثير مشاعر متنوعة لدى المتلقي. التفاعل مع الألوان والخطوط يمكن أن يؤدي إلى تجربة تأملية تثير في النفس مشاعر من الانسجام والتوتر في آن واحد. هذه المشاعر تنبع من التباين والتداخل بين العناصر البصرية، مما قد يخلق تأثيرًا يحفز التأمل ويثير الاستجابة العاطفية. الإيقاع البصري الذي ينظمه توللا قد يكون بمثابة محفز للتفكير في كيفية تأثير التوازن والتضاد على الحالة النفسية.
يعتمد توللا على التكوينات الهندسية والتدرجات اللونية لتحقيق تأثيرات بصرية معقدة. استخدامه للخطوط المستقيمة والألوان المتدرجة يشكل جزءًا أساسيًا من تقنياته، مما يساهم في بناء طبقات بصرية تتفاعل مع المشاهد بشكل ديناميكي. الإيقاع البصري في أعماله يظهر من خلال التنقل بين الألوان والخطوط بشكل يخلق إحساسًا بالحركة والتغيير، كما أن تقنياته الفنية تعكس القدرة على التحكم في التباين والتوازن.
الجمال في أعمال توللا لا يأتي فقط من التناسق البصري، بل من قدرة العمل على إثارة التأمل الجمالي في مستويات متعددة. الجمالية التي يعرضها توللا هي جمالية مركبة، تتطلب من المتلقي التفاعل معها على مستوى عميق لفهم التوازن بين الألوان والأشكال. لوحاته تبرز جماليات التجريد والتكوين الهندسي التي تجمع بين الكلاسيكية والحداثة.
التعبير في أعمال توللا يظهر من خلال الإيقاع البصري الذي ينظمه في لوحاته. الخطوط والألوان لا تعبر فقط عن الأشكال والأشياء، بل تعكس أيضًا مشاعر وتجارب فنية معينة. الإيقاع الذي يستخدمه يولد شعورًا بالعمق والحركة، ويعبر عن تجارب الفنان الشخصية والتجريبية. تعبيراته الفنية تنجح في نقل رسالة مرئية معقدة، تعكس حركية وتفاعل مستمر بين العناصر البصرية.
الإيقاع البصري في أعمال بانتي توللا يظهر في الطريقة التي تتوزع بها الخطوط والألوان بشكل يخلق تسلسلًا مرئيًا يحاكي الإيقاع الموسيقي. التنقل بين الألوان والأشكال في لوحاته يشبه التنقل بين النغمات والإيقاعات في الموسيقى، حيث يؤدي كل عنصر بصري دورًا في خلق الإيقاع العام للوحة. هذه الطريقة في التنظيم تعزز التجربة البصرية وتضيف بعدًا إضافيًا للعرض الفني، مما يجعل المتلقي يشعر وكأنه يتنقل عبر مقطوعة موسيقية بصرية.يمكن القول إن أعمال بانتي توللا تقدم تجربة بصرية معقدة وغنية. إيقاعه البصري لا يُظهر فقط المهارة التقنية ولكنه يعبر عن عمق التجربة الشخصية والفنية، مما يساهم في خلق تجربة جمالية متكاملة تثير التأمل والتفاعل على مستويات متعددة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol
من مجموعة متحف فرحات