تجريدات حركية درامية توفر للعناصر والموتيفات تعبيرات مسرحية.

ضحى عبدالرؤوف المل

يستثير "إدغار مازجي" اللون الأبيض، ليمنح الألوان الأخرى روح التناقض المبني على مخيلة تجريدية قادرة على الاستنتاج الإيحائي لرموز يدمجها وفق قواعد غامضة. تنبعث إيحاءاتها من ريشة لزجة لها عناصرها الفنية المتصارعة مع الألوان الغامقة والفواتح، لتتشكل دراما فنية تأخذنا نحو أطياف ذاكرة نستقرأها في الحركة البطيئة داخل الدوائر اللونية التي يحيطها "إدغار مازجي" باللون الأسود، ومن ثم يمزج الفراغ بحيادية اللون الرمادي، لتتذبذب الفكرة ميتافيزيقيا من ناحية المكان المعتم، والاستراحات الرمزية المقرونة بكتل لونية، ومنحنيات تمتلك عاطفة وتبتعد عن الشفافية. لأن سماكة اللون تخاطب المفاهيم الهندسية، المخفية داخل تجريدات حركية درامية توفر للعناصر والموتيفات تعبيرات مسرحية. تنفصل رياضياً عن الخطوط الرقيقة، والمفاهيم الفنية الفطرية التي تخرج بعفوية نفسية، تؤلف مواضيع اجتماعية مختلفة تتكون من بناءات لونية. تتصاعد وتنخفض تبعاً لشدة اللون وانخفاضه، كمعايير تراجيدية تميل نحو نزعة اللون القاتم، متلاعباً بدرجات الأسود والأبيض وجزئيات ضئيلة من الألوان الأخرى.

أفكار تجريدية تؤكد على واقعية الفكرة التي تجعل المتلقي يستنطق اللون، ويتأمل التفاصيل الموضوعية في المشهد الفني، الذي تتكون منه الفكرة الأساسية، والتي تقود البصر نحو الضوء المنبعث من اللون الأبيض، وسطوعه الشاعري المسبب لذة في القدرة على المحاكاة. ليضعنا "إدغار مازجي" أمام مقارنات تحليلية وتضادات أسلوبية لها مفاهيمها الفنية من حيث اللون، والخط، والشكل، والحجم. ففي أعمال "إدغار مازجي" يزحف الظل حيث الوسط، ويترك الزوايا ليتجمع مع الكتل الدائرية، وينحني مع المنحنيات التقليدية التي تميل إلى التكعيبية مبطنة بدرجات خفيفة تركيبياً، بمعنى أدق مزج التجريد بنوع من التكعيب والواقعية الموحية بذكريات اجتماعية أسرية فيها نفحة دفء عائلية قدمها "إدغار مازجي" بأسلوب يثير الذهن ويساعد العقل على التحليل والاستنتاج والاستقراء.

مسحات بيضاء تتشكل في أكثر من لوحة بنغمة جريئة تعيد للفكرة شعلتها القوية، وكأن الضوء ينبعث من اللون الأسود، وينعكس على الأبيض كالليل والنهار. فالأسود الشديد السواد يتناغم مع الأبيض وكثافته، مما يوحي بفراغات مملوءة بألوان تسير على الخطوط الهندسية الوهمية التي يرسمها البصر المتأمل للحركة الداخلية التي تختلف بين الداخل والخارج، وبين لون ولون، وخط وخط، لتظهر اللوحة معتمة ومضيئة ويتراكم الظل في الزاوية، وكأنه يترك المحور اللوني في الوسط، وعند نقاط جانبية تتوسط خطوط الطول في اللوحة.

ملامح شاعرية لونية يستنطقها "إدغار مازجي" من خلال توصيفات، ومتناقضات نراها عبر المفاهيم المضمونية الواقعية داخل اللوحة التجريدية، القادرة على إبراز الموضوع الفني وفق مؤتلفات تتفاعل الحواس بحضورها، وتواشجها الديناميكي كاشفاً بذلك "إدغار" عن الحزن العميق، والفرح الظاهر، المسيطر على فكرة التآخي بين اللونين الأسود والأبيض، والأزدواجية الثنائية بين الألوان المتنوعة من حيث الكثافة التعبيرية المشحونة بإيحاءات الفواتح من اللون الأصفر والأخضر في لوحات أخرى. يشارك الذهن في صياغتها، فالحوارات الدافئة بين المتلقي والعناصر الفنية داخل اللوحة لا تنفصل عن الوعي الفني الذي أظهره "إدغار مازجي" تجريدياً، لتمتد المساحات بين الزوايا المغلقة، والرؤى الهندسية المخفية، والتي ترصد درجات اللون المرتبطة بانفعالات الريشة، وضرباتها الدقيقة. لتظهر عشوائية الألوان منسجمة مع الكتل اللونية والخطوط العمودية والأفقية، وتحولاتها مع المنحني المتسق والرصين فنياً.

نماذج إنسانية فلسفية جردها تبعاً لفلسفة لونية توازن بين الألوان، ليفضي إلى الوجوه تعبيرات مبهمة يحدد من خلالها التناغمات الإيقاعية التي تشير إلى تكوينات جمالية تعتمد على السماكة والشفافية، والأبيض والأسود، واختيار الفراغات التي تأخذ القارئ نحو عتمة وضوء، وكأن لحظة التنوير هي زمنية، تمنح الحواس لذة اكتشافات يستقي منها الوجدان مختلف الإيحاءات التي تضع المتلقي أمام واقع مغطى بتجريدات تثير كل حركة غامضة في لون أبيض نتعاطف معه وجدانياً بعفوية تتميز بانطباعات غامضة تأتي على شكل خطوط عمودية، ومنحنيات اندفعت من ريشة تتضمن من الألوان الساكنة ما يجعلها باردة في تكوين التفاصيل الفنية، البالغة الإيحاء وهي تنبع من مخزون فني.

كتل لونية باطنية تشتد فيها معاني المفردات الجمالية المتشكلة ضمن إيقاعات تشبه السلم الموسيقي المتدرج. تستضيء من خلاله الذكريات والأحاسيس القادرة على خلق انسجامات تجعل الرائي يحاورها مستعيناً بالدوائر التي تعيده إلى الذات. لأن العمق التجريدي في اللوحة مرتبط بسماكة اللون والبراعة في ضربات الريشة، والدلالات المشهدية التي تعبر عن حالة الحزن التي تعتري "إدغار مازجي" في لحظات فرح يفتقد فيها لأشخاص يرتبط معهم بلحظات حميمة.

تتكاتف الأشكال وتندمج مع بعضها البعض في تصويرات تجريدية، تتم عبر مسارات ضوئية محكومة بحس تأملي متوافق من حيث البنية اللونية المحبوكة وفق تناقضات وتضادات تعتمد على التكثيف والتداخل، والتماثل غير المألوف بتأويلاته المعبرة عن اختلافات جوهرية في الرؤى التشكيلية التي تتميز بأسلوب درامي ينعكس على الشخوص والأمكنة، والاتجاهات اللونية ومعانيها النفسية المنبثقة من الحوارات والسرد المحتفظ بجماليات ريشة تداعب ألوانها. وهذا ما ينطبق على البصر والحواس، وجمال التفاعل الفني الذي يخلقه "إدغار مازجي" بينه وبين اللوحة وبين المتلقي.

في رؤية أخرى كتبتها عام 2017 اي بعد سنوات أربعة مضت على نشر المقال في جريدة اللواء

تُظهر لوحات مازجي إيقاعًا بصريًّا معقدًا يتشكل من تفاعل الألوان، الأشكال، والتجريدات. يتميز إيقاع "إدغار مازجي" بالقدرة على التلاعب بدرجات الأسود والأبيض لخلق تأثيرات متباينة، مما يُعزز الشعور بالحركة والتغيير داخل اللوحة. هذا التلاعب بالألوان ينظم المشهد البصري، مشكلًا إيقاعًا يفرض على العين استكشاف النصوص والتفاصيل المختلفة.

اللوحات التي يقدمها "إدغار مازجي" تترك انطباعًا قويًّا بفضل استعماله للألوان والتقنيات التجريدية. تتجلى لمسات الريشة وألوانها في خلق تأثيرات درامية، مما يعطي اللوحات طابعًا دراميًّا وفنيًّا معقدًا. يساهم التباين بين الألوان الفاتحة والغامقة في تعزيز إحساس الانفعالات المتناقضة، مما يجعل المشاهد يشعر بتجربة بصرية عميقة ومتعددة الأبعاد.

من الناحية الموضوعية، تعكس أعماله تفاعلًا بين الألوان والأشكال، مما يعكس اهتمام "إدغار مازجي" بالبحث في طبيعة التجريد والرمزية. يعكس تجريده الفني موضوعات تتعلق بالذاكرة، الضوء، والظل، والفراغ، ما يعكس بحثًا دقيقًا في توازن العناصر الفنية. التباين بين الألوان والضوء يعزز من موضوعية العمل، حيث أن كل عنصر بصري له وظيفة تعبيرية محددة تسهم في تحقيق رؤية فنية متكاملة.

تخلق اللوحات التي يعرضها "إدغار مازجي" تجربة عاطفية مكثفة. الألوان المترابطة والتجريدات الديناميكية تثير مشاعر متنوعة مثل الحزن، الفرح، والتأمل. يستخدم "مازجي" التباين بين الألوان والأشكال ليمثل حالات نفسية معقدة، مما يساعد المشاهد على استكشاف مشاعره الداخلية والتفاعل معها على مستوى عميق.

الجمال في أعمال "إدغار مازجي" يأتي من تناغم الألوان والأشكال وتوازنها الإيقاعي. تخلق التدرجات اللونية والتباينات الفنية تكوينات جمالية متكاملة، حيث تبرز التأثيرات البصرية والتعبيرية بشكل لافت. يظهر الجمال في قدرة العمل على الجمع بين البساطة والتعقيد، مما يجعل اللوحات جذابة بصريًّا وسهلة التأمل.

أما التعبير التعبير في أعمال "إدغار مازجي" يُعزز من خلال استخدام الألوان والتجريدات لتمثيل أفكار ومشاعر متعددة. يُعبّر عن الصراعات الداخلية، الذاكرة، والعواطف بطرق تجريدية، مما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع العمل على مستوى شخصي وعاطفي. تتسم اللوحات بقدرتها على نقل الأحاسيس من خلال الإيقاع البصري المتغير الذي يُعزز من التعبير الفني.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol