تجريد ذات رؤية معقدة فنيا في نهجها الابتكاري

ضحى عبدالرؤوف المل

تؤدي المعرفة التقنية بالألوان عند الفنان الأمريكي "تيم نوردن" (Tim Nordin) دورها الفعّال في تجريد ذي رؤية معقدة فنياً في نهجها الابتكاري بالخطوط المستقيمة أو العمودية أو تلك المتميزة بشفافيتها الاستثنائية في بعض اللوحات، التي تكتسب بصرياً الانضباط في المرونة الحركية التي تخلقها الفراغات، والأبعاد القادرة على منح البصر حركية منسجمة مع التضاد الفني الذي يثير من خلاله "تيم نوردن" إشكالية يرصد مستوياتها عبر المقاييس والنقاط. ليكشف عن جماليات الألوان المتقاربة، والمتباعدة من خلال الأشكال والأحجام التي تتوالد من نظم الخطوط ومكوناتها الداخلية، وبالتواءات وظّفها لاكتناه المنهج الفني الذي ينتهجه نوردن وفق الوحدات الدالة على ذاتية الخطوط، ومفارقاتها للألوان الباردة والحارة وحدود تموجات اللون عبر الضوء بأسلوب يتفرد فيه بالمحاكاة التي يستفيض بها الجانب الدلالي من اللوحة.

إن ديناميكية الخطوط في أعمال "تيم نوردن" تشكل في تحولاتها انعطافات حوارية لمراحل متوقعة تتمرد على سلطة النقاط غير المرئية في اللوحة. لتبارز الخطوط البصرية الألوان وتندمج معها وفق التضاد والانسجام، فتخضع لمبدأ التأمل والتفكر من الرائي الذي تتكون لديه بصرياً عدة إيحاءات تتشكل في المخيلة. وتؤدي إلى إبراز العامل النفسي الذي يخفيه "تيم نوردن" ليهتدي الرائي ويشعر بذاتية اللوحة، كأنه يرسمها بصرياً من جديد. لتتكون الأشكال وفق إيقاعات الخطوط ونغمية الألوان وتدرجاتها الفاتحة والغامقة، والتلاعب بالفراغات، كأنه يجمع البيانات الحياتية أو الجمالية بانسياب ذي فكر جمالي تحريضيي ينتج عن النظم الانضباطية التي يستخدمها من خلال سرعة التحول من لون إلى لون عبر النقطة الأساسية التي ينطلق منها ويعود إليها. فهل من بيانات تشكيلية يستخدمها "تيم نوردن" بصلابة في كل مرة تولد لوحة؟

تتفاعل الرؤى البصرية في لوحات الفنان "تيم نوردن" فتنتج اتجاهات فنية تؤدي كل منها دورها في تحقيق العنصر الذاتي الذي ينطلق من المحسوسات الداخلية والفواصل أو حتى العناصر المادية للألوان، ومقاييس امتدادها الضوئي أو بالأحرى التشكيل المرن من الجزء إلى الكل، مشيراً بذلك إلى أهمية الجزء في الأعمال الفنية وفي الحياة. وبتقارب حسي منطقي تطغى عليه العقلانية الفنية، وأن من خلال تخيلات الفراغات التي تفصل بين شكل وشكل، وخط وخط، وحجم وحجم، ومن ثم تتلاحم بصرياً. وتشكل بمساحاتها امتدادات لا متناهية، وتكرارات إيقاعية تتلاشى من خلالها البدايات والنهايات. لنتبين مراحل اللوحة وتقنية جماليتها ومقدرتها على الإفصاح عن مكنونات النفس التي تلج الألوان، وتحولها إلى إيقاعات بصرية قادرة على دمج المحسوس مع المنطق الفني.

إن لوحات "تيم نوردن" تتبع في مساراتها الجداول البيانية الفنية التي ترتكز على المفارقات بين الداخل والخارج، أو الاستيراد والتصدير، وهو منهج حياتي قائم على التكاثر بالتوالد والنقصان بالموت. لتتساوى النظرة التناقضية نحو الأشياء من حولنا، وتؤدي دورها في التشكيل الفني والجمالي، وفي الحياة من خلال البشر وتطلعاتهم الحياتية التي تتنافر وتتآلف وتتماسك، وتشكل الدرج الموسيقي الأساسي المتناغم مع قواعد الحياة الصارمة وانضباطها المتوقد إنسانياً. ليشد بصمات الألوان بقسوة إلى الخط، للإلمام بمستويات الضوء عبر كل لون تآخى وتنافر مع ذاته. وفق التدرجات الفاتحة والداكنة، وبخاصية النظم المتلاحقة بصرياً. لتؤلف مضامين الأشكال وأحجامها نوعاً من الابتكارات الموحية بالتقليد. إلا أنها في العمق تشكل تحديات فنية معقدة لنوردن، بل ومثار جدل من الرائي الذي يحتار في الانطباعات الداخلية التي يتركها التجريد الابتكاري في نفسه.

ومن منظور مختلف تعكس أعمال "تيم نوردن" تلاعبًا مدهشًا بالألوان والخطوط، مما يخلق تأثيرات بصرية قوية وتباينات لونية نابضة بالحياة. يندمج في لوحاته نوع من الطاقة والحركة، حيث تشعر العين بالانزلاق بين الخطوط والتفاصيل، مما يخلق إحساسًا ديناميكيًا وحيويًا. الألوان المتقاربة والمتباعدة تعزز الإحساس بالعمق والحركة، وتترك انطباعًا بالابتكار والتجريب في كل مرة يُنظر فيها إلى العمل.

تتبع أعمال نوردن نهجًا واضحًا في استخدام الخطوط والألوان بشكل تجريدي. تبرز الألوان والخطوط كعناصر مستقلة ولكنها تعمل معًا لخلق هيكل بصري منظم ومعقد. يستخدم الفنان الخطوط المستقيمة والعمودية، بالإضافة إلى التلاعب بالفراغات والأبعاد، لتقديم رؤية فنية ترتكز على قواعد تجريدية صارمة. يتجلى في عمله اهتمام بالتباين والتكامل، حيث يعزز كل عنصر بصري من قوة العمل الفني ككل.

تجذب أعمال نوردن انتباه المشاهد من خلال التلاعب بالألوان والخطوط الذي يثير مشاعر متعددة. تخلق هذه الأعمال نوعًا من الانغماس في التأمل الذاتي والتفكير العميق، مما يتيح للمشاهد الاستكشاف النفسي لأفكاره ومشاعره. يمكن أن يشعر المتلقي بالاضطراب أو الانسجام، حسب كيفية تفاعل العين مع التباينات والتكوينات المختلفة في اللوحة. التباين بين الألوان الحارة والباردة، والانحناءات والفراغات، يعكس صراعًا داخليًا وإحساسًا بالبحث عن التوازن.

يتميز عمل نوردن بتقنيات دقيقة ومبتكرة في الرسم، حيث يتم استخدام الخطوط والألوان لخلق تأثيرات بصرية معقدة. يبرع الفنان في استخدام الألوان المتقاربة والمتباعدة لخلق تباين بصري جذاب، ويستخدم التقنيات التجريدية لطرح تساؤلات حول العلاقة بين العناصر المختلفة في العمل. يبرهن نوردن على إتقان في التعامل مع النظم الانضباطية والخطوط، مما يضيف عمقًا للأعمال ويجعلها غنية بالتفاصيل الدقيقة.

ينقل نوردن مشاعر وعواطف عبر لوحاته من خلال التلاعب بالألوان والخطوط والفراغات. تخلق هذه العناصر توازنًا بين التعبير الفني والتنظيم البصري، مما يعزز التجربة البصرية للمشاهد. تبرز الألوان والتكوينات كوسيلة للتعبير عن الجمال بشكل فني معقد، مما يسمح للمشاهد بالانغماس في عالم من التجريد والإيقاع البصري الذي يعبر عن الرؤية الشخصية للفنان.

الإيقاع البصري في أعمال نوردن يلعب دورًا حاسمًا في تنظيم التفاعل بين العناصر الفنية. الخطوط والألوان تنسجم معًا لخلق نوع من الإيقاع الذي يتنقل بين الحركة والثبات. كل لون وكل خط له إيقاعه الخاص، مما يساهم في خلق تسلسل بصري يعزز الفهم والتفاعل مع العمل الفني. تساهم التكرارات والتباينات في خلق نغمة بصرية تضيف إلى غنى التجربة البصرية وتعزز من عمق التفاعل الشعوري مع العمل.أن أعمال "تيم نوردن" تتفاعل مع المشاهد على مستويات متعددة، من الانطباعات الأولية إلى التجارب النفسية والفنية العميقة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol