صوغ المفاهيم الأساسية للتركيب السردي في العمل الروائي

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "بيت الحرير" للروائي "أنطوني هوروفيتز"

تسهم رواية "بيت الحرير" للروائي "أنطوني هوروفيتز"، في صوغ المفاهيم الأساسية للتركيب السردي في العمل الروائي، بوصفها حبكة جمالية تؤدي عملها في نسج التصورات الانطباعية والواقعية لمسارات تمثل الدور المركزي في بناء هذه الرواية الملفعة بالأدب البوليسي القويم، والقادرة على خلق عدة انطباعات إنسانية، لكل منها دورها الفكري الذي ينبثق عنه تصويرات نفسية غاص فيها "أنطوني هوروفيتز" بتشويق يمسك بالقارئ، ويجعله يتتبع الأحداث المخفية حتى تتضح وتنجلي مع الإبقاء على الكثير من التساؤلات التي تظهر قيمة الشخصيات وتناقضها مع بعضها البعض، مما يشكل قيمة عاطفية كبيرة.

وإن أدخلنا أنطوني إلى عوالمه البوليسية لنشهد على قدرات "شرلوك هولمز" وسواه في التحقيقات التي تؤدي دورها في الوصول إلى الحقيقة غير الكاملة بشكلها النهائي، إذ تبقى النهايات مفتوحة على تصورات أخرى، وإن انتهت التحقيقات بوصول المجرم إلى السجن وسوى ذلك. مما يجعل من الاستنتاج المنطقي وجهة نظر يمكن الارتكاز عليها في العمل الروائي، الذي يمكن أن يتجه بالحلول إلى أكثر من وجهة نظر يمكن استكمالها كما فعل "أنطوني هوروفيتز"، وهو إبهار القارئ واستفزازه ذهنيًا، لتتوالد عدة تساؤلات تجعل القارئ يتصور عدة نهايات يتكهن بها ويراقب الأحداث، ليجد أن النهاية لم تكن إلا تصورًا تحقيقيا نجح في خلق الإثارة التي تهدف إلى محاكاة عقلية منطقية بأسلوب أدبي لا يمكن إلا الإشادة به، خاصة وأن الحوارات جاءت مرنة في تكوينها الجمالي فكريًا، وسلسة ومحببة لما تحمله من روحية جمالية في السرد التركيبي الذي لجأ إليه "أنطوني هوروفيتز" في روايته "بيت الحرير"، مستخدمًا الفن في تطوير أساليب التحريات لالتقاط هواجس النفس الإجرامية من خلال الرسم أو عالم الألوان ومؤثراتها على البواطن النفسية. "لعل الاستمتاع بالفن هو ما ينقصك لتصبح إنسانًا." وهذا ما يغني القارئ أدبيًا وجماليًا وبوليسيًا لخلق العوالم الفكرية المكتملة الناتجة عن الاستنطاق المنطقي لمكنون روائي يجعلنا نتعلق بالشخصيات ومؤثراتها كل حسب مكنونه ونوعيته الإنسانية.

يحاول "أنطوني هوروفيتز" سير أغوار النفس بالاستنتاج المنطقي الازدواجي المبني على التفكر الثنائي أو حتى على دراسة الفعل وردة الفعل، وما تثيره القضايا الإنسانية القائمة على خدمات إنسانية مثل "بيت الحرير" والغوامض التي يحاول فك شيفرتها من خلال الفن، والاستنتاجات القائمة على تتبع الحالات النفسية التي يمر بها الفنان، والشبيهة بالقضايا البوليسية التي تعتمد على الاستنتاج، والاستقراء المبطن أو المزدوج الذي يغوص من خلاله قارئ اللوحة إلى الأعماق النفسية التي تشير إلى حالة الرسام أثناء الرسم أو المتذوق للوحة التشكيلية على السواء أو حتى من يتاجر بها. لما تحمله من مؤثرات تؤدي إلى التعلق بها، وكأنها رواية أو عمل أدبي أو حتى جمالي يتعلق بها البصر، فيدمن عليها ويدفع روحه ثمناً للحصول عليها. فهل يحاول "أنطوني هوروفيتز" إظهار قيمة الفن بشكل عام وارتباطه الإنساني بالسلوك البشري وانعكاسات مفاهيمه على جمالية الفكر الإنساني؟

خصائص جمالية شتى تتمتع بها رواية "بيت الحرير"، من حيث القيم التاريخية للكثير من الأعمال الفنية التي رصدها "أنطوني هوروفيتز" كريشة ويسلر، لتكون بمثابة المتحف الفني في العمل الروائي، أو من حيث الأعمال الأدبية التي ذكرها، وحتى الموسيقية والأمكنة أو العمل الاجتماعي المبني على التبرعات أو إنسانية الاتجاهات السلوكية التي تعتني بالجوانب الاجتماعية العديدة، ومنها الأطفال حيث انتقد وقدم وجهات نظر عديدة عن ذلك: "علينا أن نؤمن بصلاح كل طفل"، "لا تستطيع إلا عائلة ثرية تزويد الطفل الثقافة الفرنسية الراسخة"، "الطفولة هي النعمة الأولى التي يسرقها الفقر من الطفل" والكثير من المفاهيم التي مررها في عمله الروائي هذا، الذي يعتبر قطعة أدبية ذات جمال فني محمل بروحية الأدب البوليسي المثير المتميز بتصورات ذات اتجاهات عديدة لكل منها حلولها وتصوراتها، وكأنه يشارك القارئ بالتصور والتحليل والأبعاد لإيجاد الحلول المختلفة، وملاحقة كل منها ليصل إلى نتيجة روائية منطقية دون اللجوء إلى إبراز المكر والدهاء في التحقيقات التي يعتمدها "شرلوك هولمز" والمحقق الآخر في رواية "بيت الحرير"، محاولًا مزج التحاليل البوليسية بالتطبيق الفعلي عبر السرد الذي يتصف بالحس البوليسي ومضامينه الانطباعية التي تتميز بالطابع الجمالي والتاريخي، وصعوبات حل الإشكاليات من خلال الضوابط الروائية الملغزة في مسارات تؤدي إلى تتبع القارئ له حتى النهاية، لنشهد على موضوعية التحقيق المرتبط بالحس الإنساني وجمالية التكوين الروائي في رواية "بيت الحرير".

في رؤية أخرى وجديدة بعد نشر المقال بسنوات وقراءتي لها للمرة الثالثة .... تجسد رواية "بيت الحرير" للروائي "أنطوني هوروفيتز" تجربة سردية غنية تجمع بين الجمالية البوليسية والتعقيد النفسي. من خلال بناء حبكتها المحكمة، تثير الرواية القارئ وتغمره في عالم مليء بالغموض والإثارة. يتميز النص بانطباعه القوي الذي يتركه لدى القارئ، حيث تتشابك خيوط الحبكة بشكل يُشعر القارئ بأن كل مشهد وكل شخصية تحمل عمقاً إضافياً يجعله يتساءل ويبحث عن معانٍ خفية وراء التفاصيل الظاهرة.

تقدم الرواية دراسة معقدة للعلاقات الإنسانية والتوترات التي تنشأ من الصراعات الداخلية والخارجية. تركز الرواية على تفاصيل شخصية كل من الأبطال وتطورات الحبكة بما يخدم تصويراً واقعياً للأحداث، حيث يجتمع البوليسية مع الفن في نسيج سردي متقن. الرواية تعكس بوضوح القدرة على دمج الأبعاد النفسية والأدبية، مما يتيح للقارئ فهم كيفية تطور الشخصيات وتفاعلها ضمن سياق درامي متقن.

تستعرض "بيت الحرير" مشاعر القلق والشك، وتأثيرها على النفس البشرية. يسلط "أنطوني هوروفيتز" الضوء على الصراعات الداخلية للشخصيات، مستعرضاً تأثير الضغوطات النفسية والبيئية على قراراتهم وسلوكياتهم. الرواية تعالج قضايا ذات طابع نفسي عميق مثل الشعور بالذنب، الطموح، والبحث عن الهوية، مما يمنح الشخصيات عمقاً معقداً ويجعلها أكثر إقناعاً.

يستخدم "أنطوني هوروفيتز" تقنيات سردية مميزة تجسد براعة الكاتب في خلق توترات درامية مشوقة. تندمج الأساليب الأدبية مع بنية الرواية بحيث تساهم في بناء عالم سردي متماسك ومتعدد الأبعاد. الوصف التفصيلي والحوارات المتقنة تُضفي طابعاً جميلاً على النص، وتساعد في تعزيز الأجواء البوليسية والفنية التي يتميز بها العمل. الأسلوب الكتابي يجسد تلاعباً دقيقاً بين الألوان والتفاصيل التي تعزز من الإيقاع السردي وتعمق تأثير الرواية على القارئ.

تبرز "بيت الحرير" كعمل يجمع بين تقنيات السرد التقليدية والابتكارات الحديثة. الرواية تمتاز بتركيب سردي متين يمزج بين الحبكة البوليسية والغموض الفني، حيث يسلط الضوء على قدرة الكاتب على خلق مشاهد مفعمة بالإثارة والتشويق. التوازن بين العناصر البوليسية والفنية يجعل الرواية تجربة قراءة متكاملة تعكس إبداع "أنطوني هوروفيتز" في نسج قصة محبوكة بإحكام.

تتسم الرواية بقدرتها على توصيل مشاعر الشخصية الداخلية والتوترات التي تواجهها بأسلوب بديع. ينجح "أنطوني هوروفيتز" في استخدام لغة تعبيرية توصل عمق المشاعر والتعقيدات النفسية بأسلوب سردي مؤثر. النص يعبر عن تجارب وتفاعلات الشخصيات بطرق تكشف عن التعقيدات الإنسانية ومظاهر الفن البوليسي، مما يضيف بُعداً تعبيرياً يجعل الرواية أكثر تميزاً وإثارة. إذ تقدم "بيت الحرير" رؤية سردية تتسم بالثراء والتعقيد، حيث تلتقي الجوانب البوليسية والفنية في رواية تمزج بين التحليل النفسي والتقنيات الأدبية لتخلق تجربة قراءة غنية وشاملة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol