المفردة المرئية في الرسم وقيمتها الجمالية خاصة
ضحى عبدالروف المل
تبرز تقنية الرسم في أعمال الفنان "لونغو روبرت" (Robert Longo) من خلال الملامح الأساسية التي يحافظ عليها لتكون هي الأسس لأعماله الفنية، تاركًا التفاصيل لتجميل اللوحة ولمنحها الأبعاد التي تؤثر على البصر، مستخدمًا الفحم ليتميز بالأبيض والأسود وفعالية القلم الرصاص وجماليته في التكوين الفني المؤدي إلى خلق التنوع المصقول بالأحجام ذات الأبعاد المثيرة بصريًا. وبذلك يوسع قدراته ذات الإطار المفاهيمي بنسبة ضئيلة، ليزيد من نسبة العرض، ويجعلها حالة فنية قائمة على الإثارة المشهدية المقتطعة من جزء يلتقطه حسّيًا من خلال العرض عبر مهاراته الفنية المتميزة في إظهار العمق للحجم أو الشكل الذي يرسمه بغموض، تاركًا للحواس قيمة استكشافه. ليقلب "لونغو روبرت" الموازين الفنية من خلال هذا النوع من الرسم الذي يعتمد على الحجم والعمق، وإظهار الفروقات الضوئية بين زوايا التفاصيل التي يظهرها، كحوارات بصرية يمدها بالظل الممسوح بالضوء. لتكون الأبعاد هي العنصر الأساسي لإيجاد التوازنات المهمة لتوضيح الهدف وبث المزيد من الإثارة والتشويق البصري، وجذب البصر نحو جوهرية هذا الفن وهو الإبهار والتقاط الحواس، كصور المحجبات التي منحها المعنى الروحي لجمال المرأة، وهي تظهر العيون فقط، إضافة إلى صورة الكعبة المكرمة باللونين الأبيض والأسود، وما تحمله من قيمة للمكان الذي تتواجد فيه بكونها تحمل عدة زوايا جمالية وحسابية وحتى رياضية. فهي تستفز الحس الفني في التقاط تفاصيلها، وهي لوحة بحد ذاتها قبل أن تكون ضمن رسومات "لونغو روبرت" التي تحتفظ بنكهة الأبيض والأسود، وبالأسلوب المشهدي البحت الذي يعتبر لقطة جزئية من لحظة بصرية جديرة بالوقوف عندها.
يجمع "لونغو روبرت" بين عدة أساليب في الرسم ذي المناخ العابق بالعتمة، وبميزة ثلاثية الأبعاد، لإظهار فنية النحت والتصوير عبر لوحة ما هي إلا إبراز لحالات متعددة تمثل كل منها الموقف والمؤثرات ومفاعيل الحركة والتفاعل الجزئي والكلي مع الخطوط المخفية والمرئية. مما يعكس النظرة الخارجية والانطباعات العامة عن الشكل ويتركها في تأويلات وإيحاءات متعددة، ليضعنا أمام المفردة المرئية في الرسم وقيمتها الجمالية خاصة، وأمام المقاييس لتدرجات الضوء في الرسم بالفحم والأنماط التقنية المرتبطة بالحركة وإبراز متناقضاتها بين الأبيض والأسود. لنشعر بالتدفق السردي للمعنى الجمالي في اللوحة التي تحتفظ بقيمة العرض والشكل، واللحظة الحركية الجامدة بمنهج فني دقيق يعنى بالاختلافات، وما تتضمنه من إسقاطات بصرية يدمجها "لونغو روبرت" بحرفية تلقائية ينسج من خلالها اتجاهات الأبيض والأسود، ومسارات كل منهما في اللوحة، كضابط إيقاعي يتحرى النغمة الداخلية للشكل ومؤثراته وانطباعاته، والتنوع في التضاد الانعكاسي المرهف رغم صلابة المساحات السوداء أو البيضاء واتساع كل منهما وفق المنطق الجمالي الذي يعتمد على مبالغات الأسود أو الأبيض، وبمعالجات شكلانية في هذا الفن المعاصر المنتفض على الألوان وتوهجاتها في صياغة خاصة بالفحم، ليعزز قيمة الأبعاد وجمالية الحس التذوقي للوحة.
يحافظ الفنان "لونغو روبرت" على التقسيمات الظاهرة، ليأخذ المخيال الفني حقه في إثبات قيمته الجمالية التي تسمح بنسج حركي ذهني يؤدي إلى الدهشة المطلوبة في الفن. رغم الحركة في لوحاته، يشعر المتلقي بجمود أو سكون للحركة، وكأنها قطعة تصويرية لعدسة عين قادرة على التمازج بين لونين، ولا شعورية الظل المتغلغل في أعماله، كأنه الأسس اللامرئية في التكوين الذي يعتمد على الأضداد والعلامات الواقعية حيث تتكامل جمالية الحجم والتفاصيل الكبيرة والصغيرة، كحركة الموج أو ارتفاعات الماء أو النقاط الصغيرة الأساسية التي تشبه نوتات موسيقية يستخرجها من إيقاعات الأبيض والأسود، لبلوغ التكامل الليلي والنهاري عند لحظة واحدة أو نقطة ثابتة يلتقي عندها الأبيض والأسود الذي أمسك بهما "لونغو روبرت" بثبات جمالي له تقنيته الخاصة.
برؤية أخرى تحديثية تقدم أعمال "لونغو روبرت" تجربة بصرية غنية تتسم بالغرابة والجاذبية. يُعتمد في أعماله على استخدام الفحم واللونين الأبيض والأسود بشكل أساسي، مما يخلق تباينًا دراميًّا يعزز من تأثير اللوحات على المتلقي. المشاهد يرى نفسه مغمورًا في عالم من الأشكال القوية والخطوط الحادة التي تمنح اللوحات طابعًا دراميًّا وجادًّا. هذه التقنية تجعل من كل عمل قطعة فنية تعبر عن لحظات مشحونة بالعاطفة والغموض.
يعمد "لونغو روبرت" إلى دمج تقنيات الرسم التقليدية مع أساليب حديثة. يستخدم الفحم لخلق تأثيرات ضوئية وملمسية، بينما يجسد التباين بين الأبيض والأسود بأسلوب يبرز التوازن والتضاد. يُظهر الفنان اهتمامًا بالغًا بالتفاصيل والأبعاد، مما يمنح أعماله عمقًا إضافيًّا. توظيف الأشكال والأحجام المختلفة يعكس إلمام الفنان بمبادئ التكوين الفني ويعزز من التأثير البصري للأعمال.
تثير أعمال "لونغو روبرت" مشاعر من التأمل والتساؤل. يمكن أن يُشعر المشاهد بالدهشة أو القلق من الغموض الذي يحيط باللوحات. التباين بين الألوان والظلال يعكس حالة من الصراع الداخلي والتوتر الذي قد يعكس الحالة النفسية للفنان نفسه أو يثير في المتلقي مشاعر متباينة. تعزز هذه الأعمال من قدرة المشاهد على استكشاف أعماق النفس والتفاعل مع أبعاد اللوحة المختلفة على مستوى عاطفي.
يستفيد "لونغو روبرت" من تقنيات قوية لخلق تأثيرات بصرية لافتة. يبرز استخدامه للفحم والظل في إضفاء درامية على اللوحات، مما يعزز من الإحساس بالعمق والحجم. الأسلوب الذي يتبعه في رسم التفاصيل وإبراز التباين يساهم في خلق تأثير بصري متماسك يعكس مهارته في إدارة العناصر البصرية بشكل متقن. يتميز بأسلوب مشهدي يُظهر بوضوح التأثيرات البصرية للأشكال والإضاءة.
من حيث الجماليات، تعمل أعمال "لونغو روبرت" على جذب العين وتثير الإعجاب بتكويناتها الفريدة وتباين الألوان. التجربة الجمالية التي يقدمها هي تجربة مكثفة بصريًّا، حيث تخلق اللوحات تأثيرات درامية وجمالية تتسم بالوضوح والحدة. البساطة في استخدام الألوان والتفاصيل المعقدة تعزز من قيمة العمل الفني وتساهم في إبراز جماليات الشكل والإضاءة والظل.
تنقل أعمال "لونغو روبرت" رسائل قوية تعكس مزيجًا من المشاعر والأفكار. الأسلوب الذي يتبعه يعبر عن عمق وتجارب شخصية، مما يجعله قادرًا على التواصل مع المتلقي على مستوى عاطفي. الأشكال القوية والتباين الشديد بين الأسود والأبيض يساهم في التعبير عن مشاعر التوتر، الغموض، والإثارة، مما يجعل كل عمل فني مصدرًا للتعبير عن حالة ذهنية أو عاطفية معينة.
تقدم أعمال "لونغو روبرت" تجربة فريدة من نوعها عبر استخدام تقنيات الفحم والأسلوب المشهدي. التباين بين الألوان وتفاصيل الأشكال يخلق تأثيرات بصرية مكثفة تعزز من إدراك العمق والحجم. التلاعب بالضوء والظل يعزز من التجربة البصرية ويوفر للمشاهد تجربة غامرة تجعله يشارك في تكوين المعاني وإعادة تفسيرها.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol