جورج حران لـ"للواء": "كل دور أؤديه في مسلسل ما، أشعر أني بطل فيه. المهم تأدية الدور التمثيلي بحب وإخلاص."

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

ظهر الممثل والفنان جورج حران في أكثر من ثمانين عملاً فنياً، وهو من الممثلين المحترفين الذين ينتمون لنقابة ممثلي المسرح والإذاعة والتلفزيون. تغلب على تعابيره القوة والجدية في أغلب أدواره التمثيلية، ويسخّر شخصيته لتكون المفتاح الذي يدخل منه المشاهد إلى الدور الذي يقوم به بحرفية درامية يثق بها، ويمنحها كل احتياجاتها، لتكون محافظة على طبيعة وجوده في الحلقة أو المسلسل أو المسرحية، وحتى الفيلم، إن كان بدور صغير أو دور كبير ذي أهمية ما، لأنه يؤمن بحرفيته ويمنح الشخصية التي يتقمصها كل الحب والاهتمام. لا يمكن لجورج حران أن يمر بأدواره التمثيلية مرور الكرام في وجدان المشاهد، لأنه يتلاصق مع المشاهد بطبيعته القريبة من الواقع، والغير متكلفة تمثيلياً، ومعه أجرينا هذا الحوار:

- أطلالات درامية كثيرة تميزت بالاحتراف التمثيلي، إن جاز التعبير. هل تشعر أنه يتم تقييم الممثل المحترف كما ينبغي هذه الأيام؟

قليلون هم الذين يحصلون على حقوقهم المادية كما ينبغي أو كما استحقوا ذلك. لكن محبة الجمهور لهم هي الحق المعنوي الحقيقي لهم. صدقيني، محبة الناس واحترامها واهتمامها بنا كممثلين وفنانين لا تقدر بثمن، وهي الجوهر الحقيقي لي أو الكنز بمعنى أوسع. الجمهور أو الناس لا غاية لحبهم لأنهم يحبون الممثل كشخص يتأثرون به، وبأدواره الدرامية التي ينفعلون معها ويحبون الممثل من خلالها. إضافة إلى أن المشاهد بات يدرك الممثل الجيد من الممثل السيء، أو بشكل أوضح، الممثل المتقن والمحترف من غير المحترف. لأن الممثل المحترف يعشق التمثيل رغم كل الظروف التي يمر بها، وهي من أولوياته في الحياة، فهي في دمه ويتنفس من خلالها.

- الدراما اللبنانية في انطلاقة تصاعدية. هل تظن أننا سنصل إلى عصر ذهبي جديد؟ وأين أنت من أدوار البطولة؟

حالياً، أشعر أننا بدأنا نسير على الطريق الدرامي الصحيح، ولا شيء يمنعنا من العودة إلى العصر الدرامي الذهبي الذي كنا نعيشه في الماضي. من المؤكد أن بعض الأعمال التي لا تصل إلى المستوى الدرامي المطلوب لن تؤثر على الأعمال التي نفتخر بها، وهي التي ترفعنا إلى المستوى المطلوب. لأنه لا ينقصنا الممثل ولا الكاتب، لكننا نحتاج إلى فتح أسواق للإنتاج اللبناني كي يتشجع بقية المنتجين ونزدهر أكثر فأكثر. أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فكل دور أؤديه في مسلسل ما أشعر أني بطل فيه. المهم تأدية الدور التمثيلي بحب وإخلاص. أنا في هذه المهنة منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكل يوم يمضي أعتبر التمثيل هوايتي رغم الاحتراف. أعشق التمثيل لدرجة أشعر وكأني أقوم بشعائر مقدسة. المنتج له حساباته الخاصة فيما يخص الاسم الذي يحصد نسبة عالية من المشاهدة وهذه قناعتهم. ربما لهذا لم أقم بأدوار البطولة حتى الآن، لكنني سأكمل الحلم ولن أشعر باليأس أبداً.

- شخصية تاريخية تحلم بأداء دورها درامياً، ما هي؟

للحق، ما من شخصية محددة. أحب الغوص في أعماق أي شخصية تاريخية، وأفضل الشخصية المثيرة للجدل أكثر أو المعقدة والمركبة وليست الطبيعية والبسيطة كي تظهر قدراتي التمثيلية وإمكاناتي بشكل أفضل.

ماذا تقول للرجل بشكل عام؟

لأني رجل ولست ذكراً، أقول: ابقَ شامخاً مثل الجبل، واترك الطفل القابع داخلك يعيش فيك وتعيش معه. لأن كل شعرة بيضاء في رأسك تذكرك بوجعك وبصبرك ويانكسارات العمر وهزائم القدر وقساوتها التي أحنت ظهرك. حافظ على الصفحة البيضاء التي ستلقى بها ربك يوماً ما.

- جورج حران بعيداً عن التمثيل، بماذا يؤمن وكيف يرى الطفل داخله؟

أعيش حياتي كالوردة التي تمتلك العطر الجميل، أسقيها من طيبة القلب ومن نور الأمل ومن بسمة الشفاه ومن السعادة ما يجعلها تنبض كالقلب المؤمن بالحياة. من يتعرف على جورج حران بعيداً عن التمثيل يتفاجأ بروحي المرحة وعدم التكبر والتواضع الذي أفتخر به. ربما الصورة التي كونوها عني المشاهدون هي الجدية، لأنني أوحي بهذا، لكن من يضحكنا من خلال أدواره حين نبحث عن شخصيته في الحياة نجد أنه غالباً تعيس وجدي بشكل كبير في أدواره، هو مهضوم أو بالأحرى يمتلك روح الدعابة. أنا شخصياً أتمنى أن أكون سبباً لسعادة الكثيرين من حولي، ولا أكون سبباً للوجع، لأني لا أحب الأذية لأحد ولا الوجع لأحد ولا الزعل. أمتلك من السلام الداخلي ما يجعل الطفل الذي يحيا بي يبقى. أخجل من الله حينما يهديني يوماً آخر لعمري دون أن أنتفع به أو أنفع غيري به.

- ما هي معاناة جورج حران الفنية بعد مسيرة العطاء الذاخرة بالأعمال؟ وما هي أحب الأعمال لقلبك؟

هي قصة الخوف من الغد، لأن مهنتنا ليست ثابتة. أحياناً نشتغل أكثر من ثلاث مسلسلات في نفس الوقت، وأحياناً نبقى لسنة بلا عمل. كل ما نطلبه كممثلين هو ألا نتبهدل في آخرتنا، أن نحصل على حقوق ضمان الشيخوخة. أبي رحمه الله دائماً يقول: "الله يستر آخرتنا"، وأغلب اللبنانيين لديهم هاجس الخوف من بكرا. نسمع عن ضمان الشيخوخة من وقت طويل، ولم ينفذ حتى الآن. كل الأعمال التي اشتركت فيها أحبها ولو لحلقة واحدة، لكن من المؤكد أن بعض الأعمال المميزة عند الجمهور لأنها انطبعت بذاكرتهم، مثل مسلسل "غنوجة بيا" وهو من كتابة منى طايع التي تمتلك نكهة خاصة بما تكتبه من مسلسلات.

- تميز الممثل اللبناني واستطاع المنافسة في أعمال مشتركة، ما رأيك؟

ترك الممثل اللبناني بصمته في الكثير من الأعمال المشتركة وبنكهة خاصة. لا ينقصنا شيء، صدقيني، ونرفع رؤوسنا بالكثير من الممثلين، بل ونفتخر بهم. في بدايات الأعمال المشتركة كان الممثل اللبناني يأخذ الأدوار الكبيرة، ومن ثم أصبح يشارك بأدوار البطولة بنفس القدرات، وبنفس مساحة الدور، بمعنى أصبحنا نشاهد مسلسلات مشتركة أبطالها من كل الدول العربية وبنفس المستوى.

من خلال الحوار معه نكتشف أنه مثالاً رائعاً للفنان المحترف الذي يحمل في طياته مزيجاً من الجدية والعاطفة، القوة والضعف، الواقعية والفنية. يمكننا تقسيم تحليلنا إلى محاور مختلفة للتفصيل في جوانب متعددة من شخصيته وتقديم رؤية متكاملة حوله. إذ يظهر في الحوار كفنان يعتز بحرفته ويعبر عن حبه العميق للتمثيل بطريقة عاطفية وصادقة. يبدو من خلال حديثه أنه يعيش التمثيل كأنه جزء من كيانه، كما لو كان كل دور يلعبه هو تجسيد لحلم أو شعيرة مقدسة. هذا الشعور العميق بالالتزام والتفاني يظهر جليًّا في كلماته، مما يضفي عليه هالة من الجدية والإخلاص التي تجعل من تعبيراته أكثر مصداقية وقوة.

عند النظر إلى مسيرته الفنية، نجد أن جورج حران قد صنع لنفسه مكانة بارزة في عالم الفن بفضل تعدد أعماله وتميزه فيها. تصف شهادات زملائه والجمهور أنه من الممثلين القلائل الذين يتسمون بالاحترافية العالية والقدرة على جذب الانتباه بأدوار متنوعة. يناقش حران في حواره قضايا مهنية تتعلق بتقييم الممثلين وضمان الشيخوخة، وهو ما يعكس فهمه العميق لمتغيرات المجال الفني والتحديات التي تواجهه.

يتجلى في حوار حران شعور عميق بالقلق والخوف من المستقبل، وهو ما يعكس طبيعة حياته الفنية غير المستقرة. هذه المشاعر تتجلى من خلال تعبيره عن الخوف من فقدان حقوقه ومستقبله المهني، مما يكشف عن جوانب إنسانية عميقة تتجاوز مجرد كونه فناناً. من جهة أخرى، يعكس تعبيره عن سعادته بجعل الآخرين سعيدين حبه للخير وتقديره للجوانب الإنسانية في حياته. كما يجسد حران صورة الفنان المتفاني الذي يضع كل قدراته في تقديم أدوار تعكس حقيقة التزامه بالفن. يُظهر قدرته على أداء أدوار مختلفة بشكل متقن، وهو ما يعزز من مكانته كأحد أبرز الفنانين المحترفين. يمتلك حران القدرة على تجسيد شخصيات معقدة ومركبة، وهو ما يتضح من تأكيده على تفضيله للشخصيات المثيرة للجدل والمعقدة. هذا التفضيل يكشف عن طموحه في استكشاف أعماق الشخصيات وتجسيدها بأقصى درجات الإتقان.

يبدو أن جورج حران يمتلك قدرة كبيرة على التعبير عن الواقع من خلال تمثيله، حيث أنه لا يتنكر لمشاعره الشخصية وتحدياته. تصريحه بأن كل شعرة بيضاء تذكره بالتجارب والآلام يعكس عمق فهمه لواقعية الحياة. يمزج حران بين الواقعية والفنية بمهارة، مما يجعله قادراً على جذب المشاهدين وإيصال الرسائل بشكل مؤثر وواقعي. يعد جورج حران مثالاً للفنان الذي يجمع بين التزام فني عميق وإحساس إنساني متجذر. تعبيراته الصادقة وشغفه بالتمثيل يعكسان صورة فنية نابضة بالحياة، تجعله قادراً على التواصل بفعالية مع الجمهور والتأثير فيهم.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol