أما للرضى أو للخيبة

قراءة في رواية "في إثر غيمة" للروائي "حسن داوود"

ضحى عبدالرؤوف المل

يوقظ الروائي "حسن داوود" في روايته "في إثر غيمة"، الصادرة عن "دار الساقي"، الحس الإنساني الهادف إلى اكتشاف الذات من خلال العلاقات المتشابكة بين شخوصه الروائية في رحلة تهدف إلى خلق اكتشافات اجتماعية تؤثر على التطلعات الحياتية التي ترتبط بالعمر. فالعلاقات غير المتناسبة قد تكون أكثر بكثير من تلك التي يكون فيها الطرفان متعادلين ومتساويين، بتعبير روائي فني يميل إلى إظهار الأزمات النفسية التي يتعرض لها الرجل، وإلى ما يعتريه من مخاوف وهواجس، ومراقبة للتغيرات التي تطرأ عليه جراء التقدم في السن. "كنت أرجع ذلك إلى بلوغي مرحلة في العمر يضعف فيها التركيز." حيث يستجيب "حسن داوود" لمعطيات النص الروائي، فينساب معه بذاتية وموضوعية، لينفتح المشهد نحو رحلة في باخرة من المؤكد أنها ليست التايتنك. إلا أن أهمية الصورة في حياة الإنسان برزت في المقدمة، بوصفها تمنح الصورة قيمتها القوية والمؤثرة إعلامياً من حيث الجمال، ومن حيث الإعلان الذي شده وتأثر به، وجعله يتخذ قرار القيام برحلة بحرية تسبقها رحلة بالطائرة، ليجمع بين رحلات الإنسان العمرية من الشباب إلى الكهولة. فالشيخوخة التي تخيف بوقائعها الإنسان. فهل تختلف العلاقات العاطفية في تطوراتها عند الوصول إلى شيخوخة جسدية لا علاقة للروح بها أبداً؟ أم أن "حسن داوود" أراد أن نبحر معه في رحلة افتراضية وهمية، ما هي إلا رحلة الأحلام التخيلية التي تبقى في الذاكرة حيث الوحدة أبرز صفاتها النهائية؟

علاقة الرجل بالمرأة وما يعتريها من مخاوف تتخذ في أبعادها عدة مسائل اجتماعية يطرحها "حسن داوود" ببساطة روائية بوصفه، أي الرواي، الكيان المستقل في الرحلة التي تجمع الكثير من الشخوص، بوعي ذهني يخدم به اتجاهات الشخصية وأهدافها. إذ تجسد الرحلة حالة العزلة التي يأوي إليها الإنسان في مرحلة عمرية تفرض نفسها عليه، بأسلوب يعكس من خلاله دلالاته وإيحائه التوق السيكولوجي الهادف إلى خلق اكتشافات نفسية عميقة تتعلق بالعاطفة المرتبطة بتشكيل ثنائيات ينقل من خلالها الوقائع والتعبيرات المتخيلة التي تدور حول طبيعة الرحلة وأهدافها، من منظور سيكولوجي يساعد في اكتشاف التفاصيل والعناصر الروائية، القائمة على سردية غنية بالحس الفني التصويري المصاحب لمفارقات بين لمى وسالم، حيث تتراءى قيمة الأحلام عبر مستويات الحوار، والخصائص التي استرسل معها "حسن داوود" ليجمع بين منطق الذاتية والموضوعية في رواية لا يمكن تتبع أثرها لأنها أشبه بالحلم العابر في حياة الإنسان.

يكشف الروائي "حسن داوود" في روايته عن قوة أسلوبية لوصف تحليلي مبني على مراحل وزعها بتأنٍ، ليلقي الضوء على واقع متخيل يستقصي من خلاله حدود النفس في مقاربات تحليلية ذات سمات بارزة في استقصاء، ومتابعة الشخوص عبر خطها المستقيم دون التفاف إلى العودة نحو البداية، وكأن الزمن الروائي يسير مع الرحلة. لتستقر تفاصيلها في الذاكرة وتطوراتها المرافقة لأحداث هي امتداد للشخوص الذين التقى بهم بطل القصة، مشيراً إلى الأسلوبية الفردية أو النفسية التي تحتفظ بالتفاعلات الروائية بين القارئ والكاتب، وكانهما ضمن نقاشات مفتوحة بصمت فكري يؤدي إلى إثارة ذهنية تؤدي أدوارها في متابعة الرحلة حتى النهاية. فهل الرحلة البحرية في رواية "في إثر غيمة" هي من باخرة أم من أجل امرأة؟ أم من أجل الغوص في ماهية المشاعر التخيلية بجماليتها وخاصيتها التي تقود إلى الحب الذي يبقى طيلة العمر؟

هواجس روائية محشوة برحلة ما بعد الانقطاع عن العمل أو رحلة الاستجمام الأخيرة، حيث يجمع فيها سالم من ذكرياته ما يلملمه من الواقع. ومن لحظات جمعها هي لحظات البغض، ولحظات الكراهية، ولحظات التباهي، وما يسبقها من مشاعر تشتد وتسترخي ليصوغ هويات اجتماعية لكل اثنين ما عدا هو. لينفرد بمشكلة الاكتفاء الذاتي في أعمار كهولية تدل على وهن النفس التي قطعت شوطاً كبيراً في الحياة حتى باتت غير قادرة على التأقلم والمشاركة مع الآخرين. فالصراعات النفسية التي عاشها سالم أسهمت في خلق تصورات إضافية عن المجتمع الذي يحيا به، دون إغفال أهمية وظيفته أو ميوله الكتابية وصدق التمثيل الروائي الذي تجسد مع سالم، وهي طريقة تكشف لنا عن معادلات تصويرية لمشاهد انطباعية تميل إلى إظهار الانقسامات الاجتماعية في القبول والرفض لموروثات ومفاهيم كثيرة نعيشها، ولا نستطيع الاستغناء عنها، لأنها كالخبز اليومي في حياتنا، أو بالأحرى لا نشعر بها، لأنها ضمن الروتين الحياتي لمجتمعاتنا التي ترحل بنا نحو الأحلام أو بالأحرى تجبرنا على خلق العوالم التخيلية، كرحلة بحرية قام بها "حسن داوود" بأسلوب أشبع رغباته به دون المساس بشخصية سالم. فهل استطاع "حسن داوود" التكييف مع البنية السردية النفسية في هذه الرواية التي تعتمد على تلاحم النسيج الداخلي؟

برؤية أخرى أو بعد قراءة ثالثة في عام يليه رواية "في إثر غيمة" تُقدّم عبر منظور سردي يجمع بين الذاتية والموضوعية، مما يعكس عمق التجربة الإنسانية التي يرغب الروائي في نقلها. السرد في الرواية يتحرك بين الحاضر والماضي، مما يخلق بنية زمنية غير خطية تعكس التوترات والتقلبات النفسية التي يعيشها البطل. هذا الأسلوب يتيح للقارئ الانغماس في الأحداث والتفاصيل النفسية للشخصيات، حيث تُعد الرحلة البحرية وسيلة لاستكشاف الذات وتفاعل الشخصية مع محيطها.

تتمحور الرواية حول شخصية سالم، التي تمثل تجسيدًا للأزمات النفسية والوجودية التي يمر بها الإنسان في مراحل عمره المختلفة. في الرواية، يُصوَّر سالم كشخص يعاني من صراعات داخلية تتعلق بالشيخوخة والعزلة، مما يخلق صورة متكاملة لحالة نفسية تتسم بالضعف والوهن. تظهر مخاوفه وهواجسه بشكل واضح، مما يعكس الصراع بين الرغبة في الاستمرارية والتحديات المرتبطة بتقدم العمر.

علاقة سالم بالمرأة، سواء كانت عبر الذكريات أو التجارب الحالية، تتسم بالتعقيد، حيث تُعتبر مصدراً للألم والتوتر، مما يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية التي قد تكون غير متكافئة ومعقدة في أوقات مختلفة من الحياة. تسلط الرواية الضوء على كيفية تأثير هذه العلاقات على الصحة النفسية للشخصيات وكيفية تعبيرهم عن مشاعرهم وأحلامهم.

أسلوب حسن داوود في الرواية يتسم بالغنى والعمق، حيث يدمج بين الوصف الدقيق والتصوير الفني، مما يساهم في خلق مشهد سينمائي داخلي للقارئ. الاستخدام المتقن للصور الفنية والأوصاف الحسية يجعل الرواية تجربة جمالية ثرية، حيث تبرز التفاصيل الدقيقة والرموز التي تضيف بعدًا إضافيًا للأحداث والشخصيات.

الرحلة البحرية التي يقوم بها سالم ليست مجرد حدث سردي، بل تُستخدم كرمز للتجربة الإنسانية الداخلية. يُبرز حسن داوود من خلال هذا الرمز أهمية الرحلات الداخلية والتأملات الذاتية التي تتجاوز التجارب الحسية المباشرة.

تتميز الرواية بأسلوب سردي يدمج بين الحوارات الداخلية والخارجية، مما يعزز التجربة الروائية. الأسلوب المتبع يعكس مهارة حسن داوود في بناء شخصيات متعددة الأبعاد وتجسيد مشاعرها بصدق. الرواية أيضًا تُظهر قدرة على استخدام اللغة بشكل يعكس التعقيدات النفسية والتوترات الداخلية.

التفاصيل الوصفية في الرواية تلعب دورًا كبيرًا في بناء المشهد الروائي. من خلال الوصف الدقيق للمكان والأحداث، يخلق حسن داوود تجربة حسية للقارئ، مما يعزز فهمه للمشاعر والأزمات التي تمر بها الشخصيات. الوصف ليس مجرد عنصر إضافي، بل هو جزء لا يتجزأ من بناء الشخصية والتعبير عن حالتها النفسية.

رواية "في إثر غيمة" تقدم تجربة روائية غنية تجمع بين السرد الفني العميق والتحليل النفسي الدقيق. تُمثل الرحلة البحرية رمزًا للتجربة الإنسانية المعقدة، وتُعرض الشخصيات بطرق تُعزز من فهم القارئ لتجاربهم النفسية والجمالية. الأسلوب الفني وحساسية الوصف يجعل الرواية تجربة متكاملة تسلط الضوء على التحديات الوجودية والعاطفية التي يواجهها الإنسان.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol