الشاعر يوسف المسن للواء: "المسرح الشعري من أصعب المسارح على الإطلاق؛ لأنه ليس مسرحًا هزليًا لكي يُضحك الجمهور." حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يطل الشاعر يوسف المسن من نافذة الشعر العامي أو المحكي أو اللبناني على عالم فسيح، لكن هذه النافذة لا تتسع كثيرًا ليقول ما يجول في مخيلته من أفكار. ويقول في هذا: "أنا لا أقرأ الشعر المحكي لكي أتثقف، بل مطالعاتي هي بالفصحى." بنى بيته الشعري على أنقاض بيوت شعر لها زمانها. في شعره، لا تسأل الأغصان عن جذورها؛ إنها تتطلع إلى فوق، إلى فوق. تتميز قصائده أحيانًا بشعر حكمي وفلسفي وانتقادي نظرًا للبيئة التي احتضنته؛ قصيدة "نواطير الكرم" قصيدة انتقادية لاذعة لأنه رأى كيف تسود شريعة الغاب في الوطن الصغير، وكيف القوي يأكل حقوق الضعيف. فتكونت بلسان الشاعر رؤية انتقادية بلغة شعرية تفيض بالأسس الجمالية للغة الشعر وصوره الخلاقة. ومع الشاعر يوسف المسن أجرينا هذا الحوار.

- تمتلك مفاتيح الشعر وتستعمل بعضها، أين المفتاح الأخير في الشعر؟

أمتلك عدة مفاتيح شعرية كما تقدمت، والمفتاح الأساسي هو مفتاح النزعة التشاؤمية التي صُبغ بها شعري، فلقبني أصدقائي "بشاعر العتم". وأما المفتاح الأخير الذي سأركز عليه فهو مفتاح الغزل الذي يمتلكني في هذه الأيام، ومواده حاضرة في مخيلتي. أنني أسمع غصون شوقي تتلو قوانينها أمام هذا المارد العظيم الذي يُسمى الحب. في مجموعتي الشعرية قصائد غزلية كثيرة، ولكن لم يكن الغزل يومها همّي الوحيد. اليوم أرى شعري بحاجة إلى قصيدة واحدة، هي القصيدة الغزلية.

- أجزم بأن في قصائدك تأوهات زمنية، لكل منها ميزة زجلية أو لغة محكية أو لغة نظم شعري سلس. كيف يتفجر كل هذا، ومتى تحاول أن تضع له الحدود؟

السلاسة في نظمي الشعري تعود إلى البيئة التي ترعرعت فيها. أنا من منطقة تكثر فيها الينابيع وأحراج الصنوبر والسنديان والحور والوزال. حتمًا سينعكس جو هذه البيئة على شعري دون أن أدري. أما التأوهات في قصائدي فهي لأنني أشعر وكأنني شريد في هذا العالم، أجرّ أحلامي ورائي وأنا في نفق مظلم؛ وأرى الشمس أحيانًا كتلة حارقة فقط وغبارًا ضوئيًا لا نفع فيه ولا تدفئني حرارته من صقيع أحلامي وأوهامها، وأرى المدى أمامي مقفلًا بحائط من الإسمنت السميك. أنا أكتب مثلما أشعر، وأرى أن هذا النمط الرمادي سيبقى يرافقني مدى الحياة.

- بات الشعر المحكي على كل لسان في عصر انعصرت فيه اللغة، إلا أن الشعر المحكي في لغة يوسف المسن حافظت على المستوى الشعري، بل تحدت الهزال الشعري الذي نعاني منه حاليًا. ما رأيك؟

الشعر المحكي هو لغة الشعب ويدخل إلى القلوب دون جواز سفر، ولغته مفهومة من الجميع ولا يحتاج هذا الشعر إلى ثقافة واسعة كالشعر الفصيح. معظم شعراء الزجل غير مثقفين. أما أنا، فأركز على الثقافة أولًا، فهي العامل الأساسي لكتابة قصيدة راقية تلفت نظر المثقفين وتعيش أكثر. أنا مشكلتي الوحيدة هي الكلمة "أخاف منها وأخاف عليها". ولا أريد أن أقول: انظروا ما لدي من دواوين، بل أقرأوا ما كتبت في هذا الديوان. هناك كتب زجلية تُصدر كل سنة بالآلاف، ولكن الكمية لا النوعية. وهنا أقول: أين دور نقابة شعراء الزجل؟؟ همّها الوحيد هو توزيع دروع تقديرية ورفع تماثيل. خطرت على بالي هنا خاطرة؛ حسب بعض الإحصاءات الزجلية، يوجد في لبنان ثلاثة آلاف شاعر زجلي، تصوروا إذا أُقيم لهم ثلاثة آلاف تمثال، نكون قد أصبحنا في بلد التماثيل.

- مسرحيات شعرية لكبار الشعراء تنتظر المسارح، والتمويل الجيد لهذا المسرح الغنائي بات في كتب الشعراء فقط. فأين أنت منها؟

المسرح الشعري من أصعب المسارح على الإطلاق؛ لأنه ليس مسرحًا هزليًا لكي يُضحك الجمهور. إنه مسرح فكري إبداعي ليس له مردود مادي نظرًا لتدني عدد الحاضرين، مما يؤثر سلبًا على المنتج. أنا بحثت مع أحد المنتجين والمخرجين الكبار لكي يمسرح مسرحيتي "يهوذا"، لكنني رفضت لأنه سيضعف النص، ويُدخل عليه بعض الحواشي التي لا معنى لها. هناك مسرحيات تُقرأ ولا تُمثل، ومسرحيات تُمثل ولا تُقرأ.

في هذا الحوار، نجد فرصة للتعرف عن كثب على الشاعر يوسف المسن فالشاعر يوسف المسن يعبر بوضوح عن رؤيته العميقة للشعر، وخاصة الشعر المحكي. يُظهر أن لديه فلسفة خاصة في استخدام اللغة والتعبير، مما يضيف بعدًا آخر إلى فهمنا لشعره. تصريحاته حول فصاحة الشعر المحكي مقابل الشعر الفصيح تعكس اهتمامًا جادًا بتأثير الأدب على الجمهور. تعبيره عن تشاؤميته وميله للرمادي يعكس وجهة نظره الشخصية العميقة ويضيف أصالة إلى عمله الشعري. يشعر الشاعر وكأنه يعيش في عالم مظلم، وهذا الشعور يتجسد في أعماله، مما يعكس تأثيرات البيئة النفسية والشخصية على الإبداع.

الشاعر يدافع بوضوح عن الشعر المحكي، مؤكدًا أنه لغة الشعب والتي تصل إلى القلوب بسهولة أكبر من الشعر الفصيح. يؤكد على أهمية الثقافة في كتابة شعر راقٍ، وينتقد الهزال الشعري الذي يراه منتشرًا، وهو يلفت الانتباه إلى الفرق بين الكم والنوعية.

يوضح المسن التحديات التي تواجه المسرح الشعري، ويشير إلى الصعوبات المرتبطة بتمويل وعرض المسرحيات الشعرية. يعبر عن مخاوفه من أن التعديلات التي قد تُدخل على نصوصه يمكن أن تضعفها، مما يعكس حرصه على جودة العمل الفني وعدم المساس برؤيته الإبداعية.

يُظهر نقده لنقابة شعراء الزجل وبعض الممارسات المرتبطة بها جانبًا من الاستياء تجاه الوضع الحالي للشعر الزجلي. يشير إلى أنه يرى هذه المؤسسات كمحور للجوائز دون أن تقدم دعمًا حقيقيًا للأدب.

الحوار معه يقدم صورة واضحة عن الشاعر يوسف المسن، ويعكس بصدق مواقفه وتوجهاته الأدبية. يعبر عن اعتزاز عميق بفنه وتقديره للشعر المحكي، ويطرح قضايا مهمة تتعلق بالتحديات التي يواجهها الشعراء في عصرنا الحالي. الأسلوب في الحوار يعكس صدقًا وشفافية، مما يتيح لنا فهمًا أفضل لموقف الشاعر ورؤيته الشخصية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol