ابتكارات تعكس صيغة النحت الروسي والواقعية التعبيرية
ضحى عبدالرؤوف المل
مقدمة
يرتبط الفن بالنظرة الخاصة للفنان والتطورات الزمنية المتعلقة بالأدوات والخامات وما إلى ذلك. إلا أن للحس الفني اتجاهاته الجمالية النابعة من المدرسة الفنية المتأثر بها، مما يجعله يحقق الكثير من الأفكار في أعماله الفنية وتفاصيلها المستفزة للحس الإنساني، الذي يؤرخ لحقبات إنسانية ترخي بظلالها على التكوينات النحتية التي نحن بصدد الكتابة عنها من خلال الفنان اللبناني "بيير كرم"، إذ يتخذ من النحت الروسي الذي أرّخ للثورة والجمال عبر ثلاثة قرون الواقعية والتعبيرية التي ازدهرت زمن القياصرة الروس خلال القرون الثلاثة التي يصعب دخولها فيها عبر هذا المقال لأنها تحتاج لأبحاث ومراجع كثيرة. إلا أن منحوتات الفنان "بيير كرم" هي من القوة ما يجعل منه حفيد النحت الروسي بتماثيله ومنحوتاته الموجودة في ساحات بلدة "عمشيت" التي تقع شمالي لبنان وغيرها من المناطق اللبنانية. وما نحته من وجوه لرجال دين أو لفنانين وأدباء وبعض من الوجوه الاجتماعية. أضاف على أبرز صفاتهم الخارجية الروح التعبيرية التي يمتلكها، والمشحونة بالانسجام الكلي مع الأشخاص الذين ينحت أشكالهم على المادة الخام التي يستخدمها دون الإحساس بوطأة المادة الجامدة وطبيعتها التي يستخدمها للنحت. محتفظًا بالتركيبة المهيمنة على مبادئ النحت الروسي الذي يتصف بالواقعية التعبيرية وشدة ما يحتفظ به الإنسان من مشاعر تنعكس على الشكل الخارجي. واتجاهاته المرتبطة بالمتأثرات الشكلية والتوجهات الفكرية للإنسان. بحيث تنفصل كل منحوتة عن الأخرى من حيث الفكرة أو نقطة الانطلاقة التعبيرية التي تتميز بها هذه المدرسة النحتية الكبرى التي تشكل بصورها الجمالية تطور الإنسان عبر التاريخ.
العناصر النحتية التي يمتلك مفاتيحها النحات اللبناني "بيير كرم"
تجسد المنحوتات الحالية للفنان اللبناني "بيير كرم" ابتكارات تعكس صيغة النحت الروسي والواقعية التعبيرية التي تلتقط من الحس ما يجعلها في صياغة تعتمد على بنية التكوين للمادة، والشكل في النحت المرتبط بالقيم الإبداعية، لفن هو بمثابة مادة فنية تشكل القدرة على تحديد الخط في مساحات ضيقة، وضمن إيجاد امتداد لفراغات تترجم التلاحم بين العناصر النحتية التي يمتلك مفاتيحها النحات اللبناني "بيير كرم" لإبراز التكوينات، وقوتها الخاضعة لتفاصيل حسية يمدها بالحركة التعبيرية المعتمدة على مصادر الإضاءة وأهميتها للإيحاء بالعمق الذي يشتمل على مفهوم الظل والضوء، وفضاءات العمق التخيلي في الواقع التعبيري المصقول برؤية جوهرية للقطعة الفنية التي يقدمها النحات. وفق انطباعات نلمس منها الكثير من التضاد في الملمس والجزئيات الشكلانية، المترجمة للانفعالات الثنائية بين النحات وما تمثله المنحوتة من حس أدركه مع الشخصية التي ينقل تفاصيلها إلى المادة، باشتغالات متنوعة في التفاصيل الجسدية التي يمدها بالتعبير الحسي الداخلي. ويضفي عليها من روحانية النحت ما يجعلها تنسجم مع الرؤية الخارجية وقوة مؤثراتها من حيث الظل والضوء، واتخاذ العمق المناسب للاستقطاب البصري وبطبقات متجانسة تمثل العامل المهم في امتصاص تعابيرها وصقلها. لنشعر بالأطوال الموجية المختلفة في المنحوتة نسبةً للعمق الضوئي الذي يتخذه خطًا متحركًا في كل منحوتة وما يتناسب معها كمنحوتة الفنان "مارسيل خليفة" ومنحوتة الكاتب "جورج الشامي" أو الفنان "زكي ناصيف".
والمنحوتة هي تجسيد لحظة تكوينية جمع النحات تفاصيلها
بما أن النصب التذكارية أو التماثيل الفنية ليست مجرد أشكال للذكرى فقط، إنما تحمل في طياتها من المقاييس النحتية ما يمنح البصر رؤية واسعة عن النسب الشكلية، وقدرتها على إظهار التعبير المتناسب مع الفكرة الأساسية التي انطلق منها النحات لتشكيل منحوتته، لأن الإنسان يتغير عبر الزمن، والمنحوتة هي تجسيد لحظة تكوينية جمع النحات تفاصيلها في منحوتة هي تعبير عن واقع أو لحظة عاشها الإنسان وتركت في أعماقه ما يمكن التقاطه من نحات قادر على الخلق الفني، وبفهم عميق للتعبير عن روحانية النفس الإنسانية في داخل المادة التي انبثقت منها المادة النحتية، بأسلوب دقيق الصياغة في إظهار ملامح الإنسان، وبفن نحتي انبثق عن المدرسة الروسية وقدرتها على الاحتفاظ بالمكنون التعبيري إن شاء التعبير. وما منحوتة المعماري "حبيب سلامي" إلا ترجمة لما نقرأه في لوحات الفنان "بيير كرم" والتفاوت التعبيري المرتبط بالحس الزمني الذي تشكلت فيه كل منحوتة. إذ يلتقط تعبيرات الوجه الداخلية ويظهرها مزيلاً الأقنعة ليعكس قيمة الإنسان الداخلي القابع داخل جسد مصنوع من مادة صلبة جامدة تحركها التعبيرات الحركية التي تكشف عن قيمة الإنسان الداخلي، وما تشكله الخطوط في وجهه من أهمية، أي الخطوط القصيرة منها والطويلة والغائرة والنافرة، وكأنها قصيدة إنسانية توحي بجمالية الخلق الإنساني، وما يحمله الشكل من نسب ذهبية يحافظ عليها الزمن في الإنسان. كما يحافظ عليها النحات في لحظة تكوينية نابعة من إحساسه بعظمة هذا الكائن المخلوق من مادة بث فيها الروح، وجعلته ينطق بالحياة، وما النحت إلا الأثر المهم في تطور الإنسان على مر العصور، ليشكل مادة تاريخية تحتفظ بالمقاييس المختلفة في نشأة المنحوتة وقوتها وصلابتها وتعبيراتها المرنة أو القاسية أو تلك الممزوجة بروحانية خاصة، كما في منحوتة "حبيب سلامي" المتأمل والممسك بيده نقطة توازن الجمال كله فيها مع الاحتفاظ بالتعرجات الخارجية للجسد والوقفة الخارجية الثابتة والداخلية المتحركة بتعبيراتها التي تختزن ألف سؤال وسؤال.
فلسفة نحتية يؤمن بها الفنان "بيير كرم"
يجمع من خلالها الحالات الإنسانية المختلفة، من حالة بنائية إلى تعبيرية إلى نفسية إلى تراجيدية تمثل حالات مختلفة من التأمل للحزن، للتفكر للابتسامة يستعرض من خلالها قوته في خلق التعبيرات التي يتميز بها كل من شخوصه المنحوتة. فيضفي عليها من الحس النحتي ما يكشف عن عدة جوانب في الوجه والجسد، وكأن المنحوتة مصفاة للروح التي تخرج منها هذه التعبيرات، وتشكل اختلافات جمالية يبني عليها تطلعاته النحتية. مما يشكل عدة عناوين للحياة تعكس المكنون الحركي أو التعبيري الذي يشكل بوابة المعرفة بالإنسان الذي ينحته، وبخاصية العلاقة بين الخطوط في الوجه وشدة العضلات وتراخيها، والتقسيمات للخطوط التي يوزعها "بيير كرم" في التكوين، لالتقاط قوة التعبير وحدتها في إيجاد العناصر الفعالة للحفاظ على المحاكاة وقوة التأثير البصري.
الرؤية والمضمون والتوازن الفراغي في منحوتة جبران خليل جبران
اتزان داخلي يتميز بالرؤية البصرية في منحوتة "جبران خليل جبران" التي تتميز بقوة الرؤية والمضمون، والتوازن الفراغي القائم على دراسة التقسيم والتوازن الكلي والجزئي والتلاعب بينهما، ليوحي بقوة الميزان الفكري الذي يحمله "جبران خليل جبران" في الحياة التي تشكل الفراغ بالنسبة له أو روحانية عرفانية تضفي على الإنسان جمالية الثوب الذي ترتديه الروح، وهي الجسد الذي يترجم داخل الإنسان بتعابيره وتفاصيله، وقوته في سبغ صفاته ومنحها الجمالية الخاصة التي تميزه عن سواه دون مبالغة في خلق التعبيرات المتوائمة مع الشكل والمعنى أو الرؤية والمضمون. إذ يتخذ المسار الفكري منطلقًا لمسارات العين المتأثرة بلغة الجسد أو لغة التعبيرات والهندسة الإنسانية في نحت واقعي تعبيري وما يحمله من قيم جمالية تستحوذ على المتلقي. قامات إنسانية يصوغها نحتياً في طابع إنساني شكلي يحتوي على عبارات هندسية مخفية في مقاييسها المدروسة، والقادرة على الاحتفاظ بالنسب الذهبية المثيرة بصريًا، والجاذبة للحس البصري، والتكامل الفني المحقق بجماليته متعة بصرية يحققها الفراغ بين اليدين في منحوتة "جبران خليل جبران" كنظم نحتية موزونة يعتمدها. لتتوافق التعبيرات مع الشكل وانسيابه بشكل متوافق مع الفراغ الذي يشكل البعد الحقيقي دون اختلال بين الأحجام المختلفة في تفاسيم الجسد والوجه، لهذه المنحوتة بغض النظر عن الكتلة وحيويتها المعتمدة على نقطة التوازن. مما يسمح بتكوين انطباعات تستند على التوازن، وتقنية التكييف النحتي مع المادة والكتلة والفراغ ووحدة الترابط بين الكل والجزء والعكس صحيح، والتأصيل البنائي الحافل بالمعاني الجمالية في الشكل الإنساني عند منحوتة "جبران خليل جبران" ومنحوتاته الأخرى ضمن عدة نواحي فنية داخلية منها وخارجية، وبتقنيات تخضع للوعي النحتي الذي يمارسه "بيير كرم" والذي يعتبر الأهم في المدرسة الروسية النحتية التي يتمسك بها وتنطبع على منحوتاته بشكل عام.
في رية تحديثية من خلال تحليل أعمال الفنان "بيير كرم"، الحديثة بعد نشر المقال يمكن ملاحظة تأثره العميق بالمدرسة الروسية في النحت، التي تجمع بين الواقعية والتعبيرية بطرق تبرز التأثير العاطفي والإنساني في أعماله. النحت الروسي التقليدي يتسم بالدقة في تقديم التفاصيل الواقعية، بينما يدمج في الوقت ذاته تجسيداً عاطفياً يعبر عن الروح الإنسانية. هذا التأثير واضح في منحوتات "بيير كرم"، التي تدمج بين تفاصيل دقيقة وأبعاد تعبيرية تبرز الشعور الداخلي للشخصيات.
2. استخدام المواد والتكوين
تظهر منحوتات "بيير كرم" براعة في استخدام المواد والخامات، مما يعكس اهتمامه بجوانب النحت الروسي. فهو ينجح في تحويل المواد الخام إلى قطع فنية نابضة بالحياة، مما يبرز التباين بين صلابة المادة ومرونة التعبير. يتضح ذلك من خلال تقديمه للتفاصيل الدقيقة في كل منحوتة، ما يجعلها تتفاعل مع الضوء والظل بطريقة تعزز العمق والتأثير البصري.
3. الرؤية الجمالية والتعبيرية
تستند رؤية "بيير كرم" الجمالية إلى مبدأ النحت الروسي الذي يدمج الواقعية بالتعبيرية. حيث يعكس تعبير الوجوه والتفاصيل الجسدية في أعماله لحظات عاطفية معقدة، ويجسد عمق المشاعر الإنسانية. هذه القدرة على نقل المشاعر من خلال الشكل والتفاصيل النحتية تعزز من تأثير أعماله على المتلقي، مما يجعله يعيش تجربة فنية غنية تتجاوز مجرد الشكل الخارجي إلى العمق الداخلي للشخصيات.
4. التأثير والتكامل الفني
المنحوتات التي يقدمها "بيير كرم" تعكس قدرة على خلق تكامل فني يربط بين الشكل والمضمون. تأثره بالنحت الروسي يظهر في استخدامه للأبعاد الجمالية التي تعزز من التعبير الشخصي والتفاعل مع المتلقي. يعكس كل شكل نحتٍ تقديمه لحالة إنسانية معينة، سواء كانت لحظة تأمل أو تعبير عن الحزن أو الفرح، مما يعكس تنوع الإحساس والتجربة الإنسانية.
5. التوازن والتكوين الفراغي
في منحوتات "بيير كرم"، نلاحظ اهتماماً خاصاً بالتوازن والتكوين الفراغي، وهي عناصر مهمة في النحت الروسي. يعبر هذا الاهتمام عن قدرة النحات على تحقيق توازن بين الأجزاء المختلفة للمنحوتة، مما يعزز من قدرتها على جذب الانتباه وتقديم رسالة بصرية متكاملة. التوازن بين الكتلة والفراغ في أعماله يعكس دقة في التعامل مع المادة ويظهر فهماً عميقاً للتكوين النحتي.
6. النحت كوسيلة للتعبير عن الإنسان
يستفيد "بيير كرم" من أساليب النحت الروسي لتقديم رؤيته الخاصة للإنسان والمجتمع. من خلال تفاصيل دقيقة وتعبيرات معبرة، ينجح في تجسيد جوانب متعددة من التجربة الإنسانية، مما يجعل أعماله وسيلة للتواصل بين المتلقي والعمل الفني. هذا التوجه يعكس قدرة النحت على التعبير عن الإنسان بأبعاده المختلفة ويبرز تأثيره كوسيلة للتعبير العميق والتفاعل الشخصي.
في النهاية او الخلاصة منحوتات "بيير كرم" من منظور النحت الروسي، يتضح تأثير المدرسة الروسية على أعماله، سواء من حيث التقنيات أو التعبير. يتميز عمله بالقدرة على دمج الواقعية بالتعبيرية، مما يعزز من عمق المشاعر والتجارب الإنسانية في أعماله. التوازن بين المواد والتكوين الفراغي والتفاصيل الدقيقة في منحوتاته يظهر احترافية عالية واهتماماً عميقاً بجوانب النحت الفنية والجمالية.