المشهد الواقعي رغم سريالية الرؤية في تتر مسلسل "لآخر نفس"
ضحى عبدالرؤوف المل
نفضت "كارين رزق الله" في مسلسل "لآخر نفس" الغبار الاجتماعي عن العلاقات والأنماط الإنسانية التي تتقيد بمفاهيم لا تمت بصلة إلى الحقائق المنطقية التي يجب أن تتوازن في الحياة، لتكتمل صورة المجتمعات عبر ترسيخ القيم والمفاهيم الاجتماعية أو تصحيحها أو حتى إلغائها، بل! وصورة العائلات من الداخل حيث تبرز قوة مشكلاتها، ليتكون الواقع الدرامي من لب المعاناة التي تطرح عدة مواضيع مختلفة. وهو من تأليف وسيناريو وحوار "كارين رزق الله" التي تتقمص أيضًا دور هازار، المرأة الهادئة والرصينة التي تتمسك بالكتاب والثقافة رغم انشغالها واهتمامها بالعائلة. ورغم الفروقات النفسية والسلوكية بينها وبين زوجها الذي تعيش معه منذ أكثر من عشر سنوات مضت، فالرتابة والروتين وحساسيتها الرومانسية التي لم يرعها زوجها، وانتقاده اللاذع أحيانًا دون التفكير في تحديث علاقة تحتاج إلى إعادة الحياة لها.
هذا إضافة إلى مواضيع أكثر أهمية من ذلك، منها مشكلة الشاب الفلسطيني الذي واجه فشل علاقة سابقة بسبب هويته المفقودة في بلد ولد وترعرع فيه، وهو الذي عشق الطب برغم أنه لا يحق له ممارسة المهنة لأنه فلسطيني، وذلك بطرح هادئ امتد على الحلقات التي تميزت حتى الآن بالواقع اللبناني، إن لم أقل عربيًا نوعًا ما، فالمجتمع البيروتي بفروقاته الاجتماعية والسلوكية القوية عن بقية المناطق، ما زالت المرأة فيه هي أم هازار التي منحتها "كارين رزق الله" صورة تستفز المشاهد مع رندة كعدي التي أثارت المشاعر وزادت من تفاعل الأحاسيس معها ورفعت من قيمة التعاطف مع امرأة كبيرة في السن تشعر بالوحدة، وتصبح كالعبء الثقيل على أفراد عائلة قدمت لها كل التضحيات. فهل يمكن للمرأة أن تكون غير أم تعيش وتموت في بيت زوجية فقد حرارة الحياة؟
اعتمد المخرج "أسد فولادكار" على بساطة المشهد الواقعي رغم سريالية الرؤية في التتر الذي نجح "رامي عياش" في منحه جمالية مختلفة من حيث الصوت الممسك بقيمة الواقع الذي لم تهرب منه هازار برغم محاولاتها للهروب من علاقة مع "غسان"، مدير جريدة التقته صدفة على مقاعد الطائرة دون رمزية لحلم أو ربما لانتقال مصيري! لأن السفر هو انتقال من مكان إلى مكان والهروب يكمن في الالتصاق الذي يهدف إلى التملك كزوجة غسان التي تتمسك به باللاوعي دون الاهتمام بالمحيط الذي تعيش فيه من الأولاد إلى الزوج إلى الأخ الذي يمارس نوعًا من الابتزاز العاطفي المؤذي، والمؤثر على أولاد أخته التي تتصف بشخصية جافة غير قابلة للتغير. وما بين البيئة وقيمة الكتاب ومشكلة الصحافة ومشاكل الشيخوخة والانتقادات الاجتماعية المتعددة التي تطرحها كارين في مسلسلها بدت علامات التعجب تظهر على الحلول في الحلقات الأخيرة التي تتضح فيها رؤية المرأة اللبنانية بشكل خاص في مجتمعها المنتفض على التقاليد التي لا ترتبط بالأسس والمفاهيم التي تؤدي إلى البناء السليم في العلاقات الزوجية خاصة والإنسانية عامة.
استطاع أبطال مسلسل "لآخر نفس" من كارين رزق الله وبدير أبو شقرا ورودني حداد مع رندة كعدي وريتا عاد وغيرهم، ملامسة حس المشاهد بروح جدية وفكاهية ما بين المواقف السلبية والإيجابية، والانتفاضات على الحلول التي تخنقها المجتمعات. لأنها تشكل بعض الخلل الذي لا يمكن معرفة خلفياته بشكل كامل، مثل موضوع إنجاب طفل دون أب وجدليته الحارقة، بتشويق من فنانة تشكيلية تبث روح الفكاهة بين مشكلاتها المختلفة من الرسم إلى عدم الزواج. إضافة إلى رغبتها في الإنجاب أو بالأصح رغبتها في تربية طفل ينمو في أحشائها، فالقصص المحبوكة في سيناريو حافظ على التوازن بين الحلقات التي فتحها المخرج "أسد فولادكار" على اتساع متوسط رغم كثرة المشاهد الداخلية المليئة بجماليات اختلفت معاييرها، إلا أنه جذب المشاهد بصريًا، فلم يخنق حركة الكاميرا، بل! تركها تحاكي كل تفاصيل المشهد بشكل بصري أتقن إخراجه، ليصل إلى المشاهد كأنه حقيقة يراه من نافذة المخيلة التي تنظر إلى الواقع المر الحلو في آن.
ما بين عادات مختلفة عن عاداتنا وتقاليد تروض الأم بناتها عليها نقع فريسة التشويق للقضايا التي تطرحها كارين ببساطة تعتمد على النهوض بالحياة الزوجية أو حياة الأسرة التي تتأذى لسوء العلاقة بين الأم والأب، لتهتم بالقضايا الأخرى ومعالجتها بفهم وضعت المرأة فيه بين ربة المنزل والموظفة والصحفية والفنانة التشكيلية والأرملة بمواجهة مع العشق الذي ينضج، وقد يفاجئ الإنسان في مراحل العمر المتقدمة. فهل نخاف من صورة المرأة أن تهتز دراميًا على شاشاتنا؟ أم نعالجها كما هي في الواقع الذي نستنكره وهو موجود بكل تفاصيله التي نوافق عليها أو نرفضها؟
لا يمكن الوقوف عند بعض الثغرات البسيطة التي لم تؤثر بقيمة نص هو حبكة من واقع قد يراه البعض سرياليًا بتفاصيله التي يستنكرها ويتقبلها. إن بمنطق أو تعاطف أو عقلانية أو وجدان تعلق بقصة حب بدأت بين امرأة متزوجة ورجل متزوج، وبين مفهوم الخيانة والحق الإنساني تتذبذب هازار، ويقع المشاهد فريسة لمتابعة حلقات مسلسل "لآخر نفس" الذي ينتمي عقليًا ولا ينتمي عاطفيًا إلى المجتمع الإنساني الرافض لحق الإنسان في التعايش بسلام مع أحاسيسه بصدق مع الذات قبل التفكير في الأنانية والتضحيات وما إلى ذلك من مفردات تؤدي إلى القلق النفسي والمعاناة. فهل نجحت "كارين رزق الله" في خلق جدليات كثيرة في مسلسل كتبته بفاعلية درامية تعتمد إثارة القضايا الشائكة، لتعكس حقيقة يختبئ منها المشاهد؟ وهل لعبت دور هازار لتكشف عن قوة حساسيتها وشفافيتها المرهفة في تقمص الأدوار ببصمة خاصة تحتفظ بها لنفسها؟
برؤية تحليلية تحديثية أخرى بعد سنتين من تاريخ نشر المقال كتبت أيضاً
مسلسل "لآخر نفس" يقدم دراسة عميقة ومعقدة للشخصيات وتفاعلاتها النفسية، مما يعكس التوترات النفسية الكامنة وراء السلوكيات البشرية. شخصية هازار، التي تجسدها كارين رزق الله، تعكس الصراع الداخلي بين المثالية الشخصية والمتطلبات الاجتماعية. تعبر هازار عن قلق المرأة التي تواجه صراعات بين دورها كزوجة وأم ورغبتها في تحقيق الذات، مما يجسد تباينًا نفسيًا غنيًا يشد المشاهدين. الصراع الداخلي الذي تعاني منه هازار يعكس التحديات النفسية العميقة التي تواجهها النساء اللواتي يتعرضن لضغوط اجتماعية وشخصية، مما يجعل الشخصية قابلة للتواصل والتعاطف.
من الناحية الدرامية، المسلسل يقدم حبكة متماسكة تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية معقدة. الحبكة تدور حول صراعات الشخصيات وتطوراتها، مما يخلق توازنًا بين اللحظات الدرامية والفكاهية. الأسلوب الدرامي يعزز من تعقيد الشخصيات وتفاعلها مع القضايا الاجتماعية مثل الهوية الوطنية، العلاقات الزوجية، والفجوة بين الأجيال. الحوارات والأحداث تساهم في بناء قصة متقنة، حيث كل شخصية تمثل بعدًا مختلفًا من الأبعاد الإنسانية، مما يثري التجربة الدرامية.
المخرج "أسد فولادكار" يبرز براعة في استخدام العناصر الإخراجية لتجسيد الأبعاد النفسية والفنية للشخصيات. استخدم المخرج تقنيات تصوير وإضاءة تساهم في تعزيز الطابع السريالي والواقعي للمسلسل. التصوير يساهم في خلق أجواء تعكس حالة الشخصيات وتطوراتها النفسية، مع التركيز على التفاصيل التي تبرز الصراع الداخلي والخارجي. إضافة إلى ذلك، الموسيقى التصويرية، التي قدمها "رامي عياش"، تعزز من الأجواء العامة وتدعم المشاهدين في فهم وتقدير السياق العاطفي والدرامي.
الجماليات في المسلسل تعكس تأثيرًا بصريًا قويًا يعزز من التفاعل العاطفي للمشاهدين مع الأحداث والشخصيات. التصميم الداخلي للمشاهد يعكس التباين بين عالم الشخصيات والواقع الخارجي، مما يعزز من تجربة المشاهدة. استخدام الألوان والإضاءة يساهم في تعزيز الأجواء الدرامية، بينما تعبيرات الوجه ولغة الجسد لدى الممثلين تضيف عمقًا إلى التجربة البصرية. الأداء التمثيلي، خصوصًا من كارين رزق الله ورندة كعدي، يعكس أداءً تعبيريًا متقنًا، مما يضفي صدقية وقوة درامية على الشخصيات.
من منظور درامي، "لآخر نفس" يعكس معالجة متقنة للقضايا الاجتماعية والشخصية من خلال الحبكة والشخصيات. النص يتميز بعمق درامي حيث يتم تقديم الشخصيات بأسلوب يعكس الصراعات والتحديات التي تواجهها. الإخراج يعزز من هذا العمق من خلال استخدام تقنيات التصوير والإضاءة التي تساهم في تعزيز الأبعاد النفسية والدرامية للشخصيات. التوازن بين اللحظات الدرامية والفكاهية يعكس القدرة على تناول القضايا بطرق متعددة الأبعاد، مما يخلق تجربة مشاهدة غنية وشاملة.
مسلسل "لآخر نفس" هو عمل درامي متكامل يجمع بين القوة النفسية والتعبيرية والفنية. من خلال تسليط الضوء على التحديات الاجتماعية والنفسية، ينجح المسلسل في تقديم تجربة مشاهدة مؤثرة ومعبرة. أداء الممثلين والإخراج والتقنيات الفنية تساهم في بناء حبكة درامية غنية، مما يجعل المسلسل إضافة قيمة إلى المشهد الفني الدرامي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol