فن اختيار اللحظة المناسبة
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "حفيد سندباد" للروائي "حبيب عبدالرب سروري"
يضَعُنا "حبيب عبدالرب سروري" في روايته "حفيد سندباد" بين وحدات الزمن المختلفة، مُرتكِزًا على الحفيد سندباد، وكأن تتابع الحياة من حكاية إلى حكاية ما هو إلا تحديث لمراحل الحياة التي تتراجع ضمن الأسلوب الحياتي المتوارث والشبيه بالأسطورة أو الميثولوجيا. إن ذاكرة تاريخية مفتوحة على مداها ضمن تواريخ زمن الحاضر ما هي إلا انتحار للعقل الإنساني الذي يبحث في ملفات الماضي عن الإرث في كل الميادين والزمن الجيني لعلم ذهني حركي يتم تحديثه كل جزء من ثانية. لحواسيب إلكترونية تُرمى وتتجدد، فيكتفي الإنسان بحقيبة شخصية ترافقه وكمبيوتر محمول فقط. كالسندباد في ترحاله من مدينة إلى مدينة يكتشف فيها التنوع الإنساني النابع من التطور الزمني الذي يشدد عليه "حبيب عبدالرب سروري"، الصادرة عن "دار الساقي"، وأول ما أثار الرواية "خارطة قارات مذكرات نادر" وهو حرصه على أرشفة يوميات حياته ليبدو هذا العالم العجوز في الرواية متناقضًا مع وجود القارئ الزمني. مستخدمًا الكثير من المفردات الحاسوبية الحديثة التي تنتمي لجيل العقل الإلكتروني، ولجينات الحواسيب الإلكترونية التي تتطور بسرعة رهيبة، لا يمكن للإنسان أن يتطور مثلها. فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك العواطف والانفعالات، إلا أنه استطاع تصنيف المفردات وفق الأزمنة مثل برنامج عمل ثوري وخيانة طبقية وسكان الحاسوب، وكتابة البرمجيات، وببساطة وسلاسة تقنية اتصفت بها روايته السندبادية العالقة بين أنياب الماضي رغم تاريخها الاستقرائي لزمن هو الذي سيعود بنا إلى نهاية العالم الحاسوبي بعد تطور سريع نحو العودة إلى بدائية الإنسان.
يبدو أن "حبيب عبدالرب سروري" وضع نفسه مع القارئ في الإطار التفاعلي الروائي وفق المنظومة الرياضية في العودة إلى الزمن، ليتماشى معه، كأنه يكتشف المستقبل وفق الخيال العلمي المبني على التحليل والرؤية والتشريح الزمني للبشرية، "لا سيما أن تقنيات البرمجيات التفاعلية لم تكن على الصعيد التكنولوجي في منتصف التسعينات من القرن العشرين إلا في مراحها الجنينية، قبل أن تتطور بشدة في بداية القرن الحادي والعشرين فقط." وهذا الأسلوب الاستقرائي للزمن في الرواية يجعلنا نستقرأ كل زمن يقدمه في الرواية مع الأحداث الخاصة به، دون أن ينسى البلاغة العربية العتيقة التي يشتاق لها فجأة. فهل "حفيد سندباد" هو بهلول يمنح الدفء للإنسان الذي بات يعيش مع التكنولوجيا العصرية وبقوة؟
ما هو خارج تصنيفات الإنسان منه المعروف كالرجل الآلي، لأنه اختراع الإنسان الذي بات يحتاجه حتى في أزماته العاطفية التي تضفي عليه الدفء، معطيًا للأسماء وحدة تجمع الذكورة والأنوثة بين حيدر وكارمن، الاسم الذي أراده الرجل الإلكتروني في الرواية الذي يشبه الإنسان من جيل آخر. فالبرمجيات الإلكترونية لها أجيالها، وهي تتجدد أسرع مما يتجدد الإنسان رغم أنها اختراعه، وما بيان حقوق الروبوتات المؤنسنة إلا حقوق الإنسان عبر التاريخ التي تاهت من جيل إلى جيل، كما حقوق المدن التي تغيرت فيها كل المعالم من الاسم إلى اللغة. فتقلبات "أسماء المدينة مثل تاتارستان الروسية، حيث كانت اللغة التتارية تكتب بأحرف عربية حتى عام 1924" هي رحلة تاريخية سندبادية استكشافية تعيد للتواريخ أهميتها مثل 12 أكتوبر، يوم اكتشاف كريستوفر كولومبس للعالم الجديد، أهم يوم في تاريخنا المعاصر. فاكتشافات حفيد سندباد للأزمنة هي إضاءة لما ستؤول إليه الكرة الأرضية وما عليها في ظل السباقات العلمية في عالم البرامج الحاسوبية.
استطاع "حبيب عبدالرب سروري" في روايته جمع تراجيديات الكرة الأرضية، موحيًا بصورة البيانات العملاقة، لوجه الأرض الزمني المقبل الآتي كالجحافل الذهنية الشبيهة بأعاصير التجدد المتناقض مع مذكرات نادر التي تعصف بالرواية المستسلمة لبهلول، وللمذكرات تاركًا للقارئ ثنائية الاستكشاف القائم على عقليتين علمية وكهنوتية، تتعايشان اليوم "هوسهما المشترك هذا الفضاء الشاسع الذي يحيط بنا من كل الجهات". إذ تتجلى سوداوية الإنسان وتبدو ناتجة عن استنتاجات تؤدي إلى توقعات زمنية تحليلية قائمة على الكثير من الدراسات، وربما تشبه إشارات كمبيوترات بهلول التي يغذيها الإنسان بالمعرفة أو يشحنها بالذكاء الصناعي. فاستسلام الإنسان للتحليلات والتوقعات يضعه في دوامة عبثية الحياة دون أن ننسى جمالية النص الروائي، وقدرته على خلق الصور الفنية الجميلة والشاعرية في الكثير منها، محتفظًا بالذاكرة التاريخية ومتانتها، وبالوسائل العلمية التي توضح قيمة الزمن والاهتمام بالمنظومة الإنسانية المتطورة وأهميتها في تقديم تاريخ الإنسانية من سندباد إلى حفيده دون الـ التعريف التي جعلت من حفيد سندباد شخصية تتماشى مع كل زمان ومكان، وتتوالد وتتجدد في اكتشافها تواريخ المدن ومتغيرات العالم التي أراد "حبيب عبدالرب سروري" رصدها وفق رؤيته السياسية والاجتماعية والتاريخية الموشاة باللغة الروائية وجمالية النص الاستكشافي الذي يحمل في طياته الكثير من الرؤى لاستكشاف مجريات التواريخ وأهميتها حول العالم.
برؤية جديدة عندما أعدت قراءتها عام 2020 عدت فكتبت
تُعد رواية "حفيد سندباد" تجربة روائية مثيرة تجمع بين الواقعية والخيال، وتعكس التفاعل العميق بين الإنسان والتكنولوجيا. يبرز من الرواية شعور بالقلق والدهشة إزاء تطور التكنولوجيا وتأثيرها على الإنسان والمجتمع. تصوّر الرواية عالمًا يتسم بالتجدد السريع والتطور التكنولوجي الذي يتناقض مع الذاكرة التاريخية والأبعاد الإنسانية القديمة.
تدور أحداث الرواية حول رحلة سردية متسلسلة تعكس تطور الزمن والتكنولوجيا من خلال شخصية الحفيد سندباد، الذي يتنقل بين مختلف العصور والأماكن. يستند السرد إلى عنصر أساسي في الأدب الروائي، وهو استخدام الزمن كأداة لتعكس تطور الشخصية والمجتمع. الرواية تشتمل على تداخل بين الحاضر والماضي، مما يعكس الصراع بين التقليد والتحديث.
تتميز الرواية بأسلوب سردي مبتكر يجمع بين الواقعية المفرطة والعناصر الخيالية. يستخدم حبيب عبدالرب سروري تقنية السرد المتعدد الأبعاد لتقديم صورة شاملة عن تأثير التكنولوجيا على الإنسان. الأسلوب الفني يعكس التفاعل بين الإنسان والحاسوب، ويعزز من تسليط الضوء على التناقضات بين الذكاء الاصطناعي والقدرات الإنسانية الفطرية.
تُظهر الرواية براعة في توظيف اللغة والتشبيهات التي تعكس الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات. يُبرز النص التباين بين التكنولوجيا الحديثة والتقاليد القديمة بأسلوب تصويري غني. تتسم اللغة بالثراء والتنوع، مما يضيف عمقًا للأحداث ويعزز من تأثير الرواية على القارئ.
السرد في الرواية متسلسل ولكنه متداخل، مما يعكس التعقيدات الزمنية والتكنولوجية التي تتعامل معها الرواية. هناك تداخل بين الأزمان، حيث يتم التنقل بين الحقائق التاريخية والخيال العلمي بسلاسة، مما يخلق تجربة سردية مشوقة. التقنية المستخدمة في السرد تعزز من تجربة القارئ وتزيد من تعقيد الأحداث، مما يدفع القارئ للتفكير في العلاقة بين الزمن والتكنولوجيا.
من منظور نقدي، تقدم الرواية تساؤلات عميقة حول الهوية الإنسانية في عصر التكنولوجيا. تستعرض الرواية مسألة مدى تأثير التكنولوجيا على العواطف والتفاعل الإنساني. تقدم الرواية أيضًا نقدًا اجتماعيًا وثقافيًا يتناول التناقض بين التقدم التكنولوجي والتمسك بالقيم التقليدية. كما تعكس الرواية الصراع بين الأجيال والتحديات التي تواجه الإنسان في محاولة التكيف مع التغيرات السريعة.
رواية "حفيد سندباد" هي عمل أدبي يتسم بالابتكار والعمق، حيث تمزج بين الخيال العلمي والتاريخ بأسلوب سردي يثير التفكير. تتناول الرواية موضوعات معقدة حول تأثير التكنولوجيا على الإنسان والمجتمع، وتعرض بشكل جميل التناقض بين الأبعاد الإنسانية والتكنولوجية. تعكس الرواية مهارة حبيب عبدالرب سروري في خلق عوالم أدبية مثيرة وتقديم رؤى جديدة حول العلاقة بين الإنسان والآلة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol