الروحانية الجمالية المثقلة بالفن وفق شتى أساليبه البصرية والسمعية
ضحى عبدالرؤوفى المل
تداوي الفنانة "زينة الخليل" في معرضها الذي يقام في "بيت بيروت" المكان بصفته الواقع الذي تعرض لشتى ضروب الخراب، فتعيد له الضوء المسلوب الذي يجدد من أهمية المكان للإنسان متخذة من الذاكرة التاريخية انطلاقة فنية، لرؤية تعيد الحياة وتنشرها على بقعة تجسد الأرض البشرية التي نسكنها. لتكون بمثابة الروحانية الجمالية المثقلة بالفن وفق شتى أساليبه البصرية والسمعية معًا، لتمتلئ الحواس بالفكرة الجوهرية لتنشيط ذاكرة التاريخ وإعادة الإحياء لجزء كبير من خلال الفن والموسيقى والشعر. إذ تنبض الأماكن الخراب بروحانية الوجود وجمالية الكلمة والشكل واللحن، لتؤثر إيجابيًا على تنشيط ما دمّرته الحرب سابقًا ووضعه في ميدان الحياة، فيصبح نقطة السلام التي تنشر الفن والضوء والنور إلى ذاكرة تاريخية كانت معتمة، لتضيئها "زينة خليل" بمفهوم الفن والسلام.
إن ذاكرة الوطن لا تطوى ما لم يُعاد لها الحياة والوجه الإنساني الذي حرمت منه، وهذا ما تحمل حقائبه الفنانة "زينة خليل" ليكون الشفاء الكامل لذاكرة الحرب الشرسة المرسومة على الأماكن الخراب الباقية. إذ تتسم الهجمة الشرسة على الأبنية ومخلفات الحروب بما ينعكس على الإنسان بشكل سلبي. لهذا اختارت "زينة الخليل" بيت بيروت ليكون ترجمة للحياة بجمالية العائد إلى الذاكرة التي يجب أن تشفى تمامًا من جراحها، ليكون المستقبل هو بؤرة السلام على مستوى العالم دون التفرد بالمناطقية أو المذهبية. لأن الفن يحاكي كافة الأطياف الإنسانية، كما يحاكي الحجر والبشر والأماكن المهجورة أو تلك التي تعرضت لاعتداءات الحروب. والمسكن حين نمنحه من جمالية الصورة ما يعيد له أوجه الحياة المختلفة والفضاءات التخيلية الفسيحة في خضم المؤثرات الحسية التي اهتمت بها الخليل، وبتوازن حسي مع الكلمة والنغمة واللون، وحتى الحركة البصرية المتوهجة مع ما يعم المكان من أوجاع يمكن تحويلها إلى شفاء تام.
معرض فني يعين على إدراك أهمية إعادة إحياء ذاكرة تنتفض وتنهض من كبوة الخراب إلى البناء البصري على مستوى المفهوم البشري، وبرمزية واستدلال تشكيلي وموسيقي وشعري. لجأت إليه الخليل عبر تكوين هوية الذاكرة المبتورة والمنسية، ووضعها على نقطة جغرافية بمثابة الهوية العالمية للنهوض الثقافي من خلال التكوين المفاهيمي المنغمس فنيًا بالتشكيل وسواه، ليصبح مزارًا للإنسان الذي غاب عنه دون أن تستثني الضوء الذي طمسته مع الأسود، وأعادت نضارته مع الأخضر كرمز للخط الأخضر الفاصل في الماضي، والذي أعادت تصحيحه ليكون رمز الجمال والحياة والبقاء أو خارطة للصعود بالذاكرة التاريخية لبيروت نحو الجمال، وبتقاطع مع الوجوه الفنية والرموز التي جمعتها في بيت بيروت.
إن الفهم لفكرة الفنانة "زينة خليل" وجماليتها في رسم خارطة لإعادة إحياء ذاكرة تاريخية لبيروت هو الالتزام بجمع الخيوط التي نسجتها في هذا المكان، ساعية إلى إبراز وجه الحضارة التاريخية لمنطقة تعرضت لشتى أنواع التخريب، مجددة خطوات البناء الفني، والسعي لفتح ذاكرة تجسد تدفقًا فنيًا نوعيًا وحقيقيًا ينقلنا من مرحلة لم تبقَ دون تصحيح، لتزيل الضبابية التي لفت عدة نقاط تم اقتطاعها، وتراكمت عليها غبار الزمن بالفن والنظرة الحياتية التي تختزن فلسفة الشفاء والسلام، موضحة عدة نقاط مشتركة في بناء الحضارات التي تمثل مرحلة الصحوة بعد الخراب، وبتضاد تفاعلي مع المكان الذي نقلته من المفعول به إلى الفاعل الحسي والجمالي المؤثر في النفس وطبيعتها الباحثة للسلام.
تستند الفنانة "زينة الخليل" على أطر تشكيلية وأخرى بصرية حركية، ومنها سمعية، لتستخلص أهم النقاط الفنية المجموعة في عوامل إيحائية ناشطة في تشكيل ذاكرة تمحو الغياب والخراب وما إلى ذلك، مصاغة برسم مسارات للمكان، وبإيجابية الصورة التحديثية له لإعادته إلى الخارطة الوجودية، وبتحدٍّ نفسي لخلق الوهج الجمالي النابع من إرهاصات فنية ورؤى واضحة في بناء بيئة تساهم ببث الوعي الحياتي والجمالي في إلغاء غير الممكن حتى تحقيق السلام.
برؤية أخرى تحديثية عام 2020 عكتبت مجددا
تلمس أعمال الخليل الأبعاد العاطفية العميقة لإعادة إحياء الذاكرة والتاريخ. يظهر كيف أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للشفاء من الجراح النفسية الناتجة عن الصراعات والدمار. النص يشير إلى كيف أن إعادة إشراق الضوء إلى الأماكن المظلمة تعكس عملية الشفاء الداخلي للفرد والمجتمع، وكيف أن الفن يمكن أن يساعد في تجاوز الصدمات النفسية وتحقيق السلام الداخلي.
يتناول مقالي الذي تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2017 إبداع الفنانة "زينة الخليل" في توظيف تقنيات فنية متنوعة لإعادة بناء المشهد البصري والتعبيري للأماكن المدمرة. يعكس النص كيف يستخدم الفن البصري والسمعي لخلق توازن بين الجمال والروحانية، مستفيدًا من الألوان والأشكال والأنماط الموسيقية لتعزيز الرسالة التعبيرية. التفاعل بين الفن والموسيقى والشعر يتجلى كوسيلة قوية لتحفيز الأحاسيس وتنشيط الذاكرة التاريخية.
يشير المقال إلى تحويل الأماكن المدمرة إلى لوحات فنية نابضة بالحياة والجمال. يسلط الضوء على كيف أن إعادة إدماج الضوء والألوان في المشهد المظلم يعيد للحياة جماليته المفقودة. يُظهر النص كيف أن الجمال يمكن أن ينبعث من خلال إدراك فنّي حساس، حيث تعيد الفنانة تشكيل الأثر البصري للمكان، مما يخلق تجربة بصرية حيوية ومؤثرة.
يعبر النص عن قدرة الفن على نقل المشاعر والأفكار بطريقة تعكس الواقع الحسي والوجداني. يعكس كيف أن أعمال الفنانة "زينة الخليل" تعبّر عن تجارب إنسانية مشتركة من خلال وسائل تعبير فنية متعددة، مما يساهم في إحياء الذكريات وتحفيز التعاطف والتفاهم. يبرز النص قدرة الفن على أن يكون منصة للتعبير عن الألم والأمل، وتحويل التجارب الشخصية إلى تجارب جماعية لها صدى واسع.
يعبر النص عن التناغم بين العناصر المرئية والأيقاع الفني الذي يخلقه الفن البصري في عرض "زينة الخليل". يُظهر كيف يتم دمج الألوان والأشكال والحركات بطريقة تنظم إيقاع المشهد البصري، مما يخلق توازنًا وتدفقًا في التجربة الفنية. الإيقاع البصري هنا هو عنصر أساسي في إعادة تعريف المشهد المظلم وتوجيه الانتباه نحو الجمال الجديد الذي يُبرز في اللوحات الفنية، مما يساهم في خلق تجربة بصرية متكاملة تنقل الرسالة الفنية بشكل فعّال.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol