نحو عالم اللاشعور
قراءة في كتاب "معالم الأدب السريالي" للدكتور ياسين الأيوبي
ضحى عبدالرؤوف المل
يعتصر الدكتور ياسين الأيوبي ما جاء في الكتب والمراجع السريالية ومذهبها في بحث استجمع فيه كل إيجاز لفكرة وضعها في كتابه "معالم الأدب السريالي"، الصادر حديثًا عن "المؤسسة الحديثة للكتاب"، ليضيء من زيت التعريفات حواراته الذهنية مع القارئ، بعد أن تفاجأ بنمط من الشعر الغريب. كما يقول متجهاً إلى الغرب حيث "نشأت السريالية من الرومانسية التي سارت تدريجياً إلى احتقار معنى القصيدة المفهوم". وربما وجد في بعض المراجع التي اعتمد عليها، ككتاب السريالية لإيف دوبليس، نوعًا من البراهين التي تفيد نظريته التي نشأت من لحظات استغراب وصلت إلى حد التحفظ والرفض، بعد تنقيب وقراءة في شعر محمد زينو شومان والمذهب السريالي الذي استكمل به الدكتور ياسين الأيوبي سلسلة كتبه التي تناول فيها المذاهب الأدبية. مما جعله يغوص إلى مظان الأدب الفرنسي وما كتب بخاصة عن الشعر السريالي وأعيانه ونقاده، فالغني البحثي في هذا الكتاب هو مقدمة.
ليتجمع لديه الحصاد الوفير، فيحصد غماره ويدرسه على بيدر النقد والتحليل، فلا تخرج لفظة أو كلمة من أي شاعر إلا ويستخرج الغث من السمين. وما بين التعريفات في الفصل الأول ونسيج الأدب السريالي ومكوناته في الفصل الثاني، إلا ارتكاز شديد على كتابين بشكل أكبر هما "السريالية" لإيف دوبلاس و"عصر السريالية" لوالاس فاولي، مقتبسًا خلاصة ما كتب. ومن أكثر ملامح هذه الحركة أصالة وطرافة قولها إن الفن ليس غاية في حد ذاته، وأن على الإنسان ألا يقف عند النظريات الجمالية والتأمل الفلسفي أبدًا. فهل من سريالية أغرب من معالم السريالية التي اتضحت في كتاب الدكتور ياسين الأيوبي؟
رحلة بين مقتطفات أولية من أدب السرياليين نثراً وشعراً ومختارات من الشعر السريالي الغربي يطالعنا فيها الدكتور ياسين الأيوبي على عدة وجوه من التعبير السريالي ووجوهه ومعانيه، وما لا يستساغ إلا من قراء قد وجدوا فيه ما يحاكي أذواقهم ورغباتهم. فما حكاه بريتون وما قاله بول إيلوار تجسيد لهوية الأدب السريالي التي يسعى الدكتور ياسين إلى إيضاحها، ومنحها المعايير الأدبية والتذوقية النابعة من الاستكشاف في التفاوت بين الضبابية وسريالية خرجت عن المألوف والمنطق، وعن كلام صيغ بما خطر على اللسان، لا الفكر والخيال. أي هناك نوع من التداعي الكلامي الذي لا يخضع إلى رقابة، ولا حتى مجرد نظر من بعيد، متسائلاً: "هل نرفضها أم نتقبلها، مستأنسين بغرابة مخلوقات لا حول لنا فيها ولا شأن في تكوين خلقها؟" مستعرضًا بعد ذلك بيان بريتون السريالي وتعاطف أنسي الحاج معه. كما أشاد لأمانة أدونيس بترجمة النص بلغة لا تكاد تختلف بشيء عن نص بيير إيمانويل وقصيدة "أين إلهك" وجرأة الشاعر بقول ما قال.
وأكثر ما اعتمد عليه الأيوبي من ترجمات للقصائد هي للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، متناولًا مختلف الأساليب الشعرية والنثرية في السريالية. لتكون نهاية الخاتمة في الباب الثاني: "إن الأدب والشعر بوجه خاص، هما نتاج المعاناة الوجدانية والصراع المتلازم ما بين الإنسان وعالمه، تمامًا كمجاري الأنهار والجداول، كل له ينبوعه ومصبه، وطرائق تدفقه." فهل تدفق السريالية من عالم اللاشعور هي حركة شعرية غريبة؟
إنه اعتصار فعلاً لمعالم سريالية تخللها إظهار العديد من الإنتاج السريالي لكثير من شعراء الغرب والعرب، لنرتوي من أثر الأدب السريالي الغربي في شعرنا العربي المعاصر. راصدًا بذلك الذين تسربلوا في قصائدهم بحيادية وموضوعية، وبحث دؤوب في الألفاظ والتعابير ومعانيها، ومنطقها الذي يحكم على قدرتها الغرائبية في الاستئناس إليها أو رفضها. إذ تأمل وشرح معاني القصائد عند أدونيس وأميل كابا وغيرهما، التي شرحها وعالج فيها الكثير من المسارات، متسائلًا في ختام تحليل الكثير من الكلام الذي جاء في قصائد لأدونيس: "هل قصد بذلك تغير رياح الحياة من غنائية إلى ما يشبه الريح الصرصر العاتية؟" لنتذوق بعد ذلك من خلال مجموعة يوسف الخال الكاملة ما تضمنته الخمسة دواوين المجدولة بإيقاع متئد، مظهراً عدة صفات شعرية في صفحات لا بأس بها من هذا الكتاب، والجنوح السريالي الذي تفوق به نذير العظمة عن رواد الأدب السريالي وجهابذته، بما صاغه من لغة حروفها عربية ومرموزاتها عالم من جيولوجية لم تحط به علوم الجغرافية والتاريخ. فهل أظهر قبح السريالية وخللها أم جمالية السريالية وأدبها التي تحتاج لتوخي الدقة وعدم الجنوح الفكري والتصوري الذي يأخذنا إلى متاهات لا تورثنا إلا البلاهة؟ فهل يكشف الدكتور ياسين الأيوبي أمامنا قيمة معادن الأدب عند الأدباء والشعراء؟ أم أنه يعري الشوائب ليفتح البصائر على الحقائق الشعرية؟
أهداف هذا الكتاب، كما يقول الأيوبي، "تعرية بعض النتاج الشعري المغرورب، المعجوج، المتسربل، من غير أصالة إبداعية وحضور شعري محكم، وفضح أصحابه المتربعين على عروش وهمية من الرفعة والخيلاء، الخاوية الوفاض." وفي هذا سلخ لكل سريالية مرفوضة في الأدب. فللسريالية برأي الدكتور ياسين احتكام للمنطق بعيدًا عن حمى البصيرة المشوشة غير القادرة على التمييز، ولا يسعني في هذا المقال أن أختصر كل الشعراء الذين تناولوا في قصائدهم معالم السريالية أمثال جبرا إبراهيم جبرا، سعدي يوسف، وشوقي أبو شقرة، ومحمد العبد الله، وهدى النعماني وسواهم. موضحًا الفروق الكبيرة التي جاءت بها أشعار السرياليين العرب، من شطح لا حدود له، ومن تطرف في الهلوسة وهيمنة النوازع السديمية الهابطة على نتاج كثير منهم، دون تحفظ أو مراعاة. ليكتوي القارئ أو الباحث في صفحات خلاصة ما سبق التي تتركه الدهشة أمام المعالم السريالية وقيمتها النقدية المنطقية المقنعة، ممسكًا "بناصية النقد المسؤول" الذي يجعل من كل خطوة شعرية الميزان الحقيقي الذي يجب أن يرافقها في جميع المذاهب الأدبية. لأن معالم السريالية في كتاب الدكتور ياسين الأيوبي أظهرت فروقات الصح والخطأ في هذا المذهب السريالي وغرائبه.
في رؤية جديدها كتبتها بعد سنتين
في كتابه "معالم الأدب السريالي"، يعمد الدكتور ياسين الأيوبي إلى إلقاء الضوء على مجال أدبي مثير ومعقد، يجسد التناقضات والمفارقات في عالم السريالية. يبدو أن الدكتور الأيوبي ينطلق من رغبة عميقة في تقصي الظلال التي تحيط بالسريالية وتقديم نقد موسع يلامس جوهر هذا المذهب الأدبي، محاولاً كسر الطلاسم السريالية والولوج إلى أعماقها عبر قراءة مستندة إلى مراجع أساسية وتجارب نقدية مستفيضة.
يمكن اعتبار "معالم الأدب السريالي" سعيًا حثيثًا لإبراز البُعد النقدي في قراءة الأدب السريالي، لكنه ليس مجرد سرد تاريخي أو تحليلي للأدب السريالي. يُقدّم الدكتور الأيوبي في هذا العمل رؤية جديدة تجمع بين التفكيك والتحليل، حيث يسعى إلى تقديم تفسير شامل للسمات المميزة لهذا المذهب الأدبي وما يحمله من مفاهيم غير تقليدية. لكنه يتجاوز المألوف من التحليل ليغوص في الأبعاد النفسية والثقافية التي تشكل نسيج السريالية، موضحًا كيف أنها ليست مجرد تجريب فني بل تعبير عميق عن صراعات وجودية وإنسانية.
من خلال تحليل الأيوبي، يظهر أن الكتاب لا يقتصر على تقديم سرد تاريخي أو تفسير تقليدي للسريالية، بل يقدم أيضًا استكشافًا فنيًا وجماليًا. الأسلوب النقدي في الكتاب يتسم بالابتكار، حيث يُعرض السريالية ليس كنوع أدبي منغلق، بل كحالة إبداعية تتطور باستمرار. يتناول الأيوبي السريالية من زوايا متعددة، مقدماً قراءة تتجاوز حدود النصوص لتغوص في أعماق الممارسات السريالية وتفسيراتها النفسية والاجتماعية.
يسهم الأيوبي في تقديم تحليل دقيق لمكونات الأدب السريالي، حيث يركّز على التفكيك البنيوي للنصوص السريالية والرموز المستخدمة فيها. يتميز التحليل بالقدرة على كشف الطبقات المتعددة للمعاني، بدءًا من الرمزية والميتافيزيقيا وصولاً إلى التأثيرات الثقافية والاجتماعية. يقدم الكتاب أيضًا نقدًا حادًا لبعض الجوانب الغامضة والمشوشة في السريالية، مما يعزز من قدرة القارئ على فهم تعقيدات هذا المذهب الأدبي بشكل أعمق.
"معالم الأدب السريالي" ليس مجرد مراجعة أدبية، بل هو محاولة جادة لإعادة تقييم السريالية في سياق الأدب العربي والعالمي. الكتاب يساهم في تعزيز الفهم النقدي للأدب السريالي، ويقدّم أدوات تحليلية تساعد القراء والنقاد على تقويم النصوص السريالية وفق معايير جديدة. كما يعيد الأيوبي النظر في تأثيرات السريالية على الشعر العربي، مقارنًا بين السياقات الأدبية المختلفة، مما يفتح المجال أمام نقاشات جديدة حول الأثر الإبداعي للسريالية.
من خلال "معالم الأدب السريالي"، يُعنى الدكتور ياسين الأيوبي بتقديم نقد مُعمق ومبتكر للتيارات السريالية، مُجسّدًا مقاربة جديدة تجمع بين التحليل الجمالي والنقد الثقافي. الكتاب ينجح في تقديم نظرة جديدة تجعله ليس فقط مرجعًا مهمًا في دراسة السريالية، بل أيضًا منصة لإطلاق نقاشات أدبية وثقافية حول تأثير هذا المذهب على الأدب المعاصر. من خلال قراءة الأيوبي، نكتشف كيف أن السريالية ليست مجرد تعبير عن اللاشعور بل هي تجربة إنسانية معقدة تحتاج إلى فهم نقدي متكامل.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol