هذه الحرب تستهدف الذكور

قراءة في رواية "عروس الخضر" للروائي إلياس العطروني

ضحى عبدالرؤوف المل

تموت المدن وتحيا كما الإنسان في رواية "عروس الخضر" للروائي إلياس العطروني، الصادرة عن دار الآداب. وهي تعكس النفي الإيحائي الذي يعتمده إلياس العطروني في رواية امتلأت بالرموز من سريالية وانطباعية، وكأنه يستخرج تفاصيل الأحداث من زوايا الأماكن التي تتكرر في كل زمان تلقائيًا، وبعفوية الإنسان المولود على ميزة الحضور دون الغياب: "عندما عاد إلى مكانه وزمانه، فكر في ذلك وفي المدة التي أمضاها خارج الكوخ". وما المدة إلا فواصل تاريخية يشحنها من الذاكرة التي فرّ منها، ويستجمع من حضورها الفجائي ما يبني فيه الصور الجمالية في رواية انتشر فيها جسد الصرصار في مساحة أكبر من حجمه. فهل آلة الحرب والدمار التي تقتل الإنسان تشبه الدوسة والفقشة الواضحة؟ وهل يوسف فعلاً يختلف عن كل من مرّوا؟ أم أن الحكمة الروائية في "عروس الخضر" يستكملها "أبو الجماجم" ويوسف حاليًا، وذكر شمس باسمه الغريب؟

الشخصيات الأساسية في الرواية مركبة بحركة الأسماء المستعارة المستخدمة في الحروب، أو بالأحرى الأسماء الحركية الرمزية في إشعال الصور التعبيرية التي تعصف بمخيلة القارئ، وكأنه في ساحة حرب وليس في رواية تشكلت فيها الجملة بصياغة مرنة موزعة في بنية روائية اشتدت حبكتها وفق دلالات تثير الغرابة في النفس: "يوسفون عديدون يرتدون الألبسة المختلفة". وما بين الحقيقة الوجودية واللاوجودية تبقى ذهنية الرواية وكيانها تضيف إلى وجود الشخصيات نكهة موضوعانية كثفها بواقعية الحرب التي نلملم ذكرياتها بذاتية الذاكرة، وما شحنته المشاعر والأحاسيس فارتسمت منه التخيلات التي تشكل الساحة الحقيقية للإنسان الذي يعيش تفاصيل المقاتل، وما يحيا من معاناة تجسد المحور الأساسي في هذه الرواية: "كأن المقاتل هنا مفتاح حرامية، يفتح كل الأبواب، يقاتل ويؤمن العبور والغاز، ويرسم مستقبل البلد إذا كان له من مستقبل". هل من رهانات يستعرضها العطروني من خلال متغيرات الزمن الذي خرج منه أبو الجماجم ودخل إليه يوسف عبر كيان واحد؟

يحاول الراوي، الذي لم يستقل عن عارف، فهم نفسه أو ذاتية الذاكرة الروائية المحبوكة بمشاهد تعيد إحياء المبادئ كمعنى الشهادة، وهي: "قمة البذل في سبيل الغير، أي في سبيل إفادتهم". مع مزيج من التلميحات ذات النبض الواعي المؤدي إلى خلق استثارات حثية تعبر بالقارئ صعودًا إلى التخيلات المتناقضة بين الأقوياء والضعفاء في الحروب، وبين الشهيد والسارق للشهادة، وبين من يقدم الدم ويقدم الأوامر وفق ماهية التسلسل الروائي المتقن في معرفة تتصف بالمصداقية الحسية التي تتسرب إلى القارئ الذي يتجاذب معه المراحل الروائية التي تكتنز بمعرفة القيمة المشهدية التي يبنيها من المقاتلين. والتواصل الحميمي إن شئنا التعبير بين الأطراف المتقاتلة، لنكتشف كيفية الصراع وأسراره في الحروب الأهلية التي تكرست بمسؤول الجهة الأخرى الذي أرسل إكليل الزهر دون وضع اسمه على القبر، ولنتأمل الضوء الأبيض وجمالية الوضوح في ارتسام المعنى المتمتع بالخيال والواقعية للخروج بديناميكية الواقع الروائي الشبيه بحلم اليقظة.

يوسف أو أبو الجماجم، عبد الله أو السفاح، وتفاوت بين الأسماء والألقاب والأحداث، كأن التحولات المشهدية في رواية "عروس الخضر" وهذا الاهتمام في إظهار التخفي وراء الأسماء الذي يستخدم بقوة بين المقاتلين، لابراز التحولات النفسية التي تحدث في الصفوف التي تشكل لنا نوعًا من الغموض. إذ يفكك العطروني الخطوط الأساسية في الصراعات كالتصفيات الكبرى، والقتال على الأرض الصلبة وتقاطعاتها المنتمية إلى جغرافيا الزمن الهارب منها يوسف والداخل إليها ذكر شمس. فالمدلولات الواضحة تجعل من قوة التأثير عند القارئ الذي انتمى إلى جبهة يرى فيها كل ما يتشكل فيها من معطيات قاسية على من يبقى على قيد الحياة، ومن مات، وما الذي يتكىء على الشاهد وهو يمج ويتأمل كيف تبرق النجوم إلا الأموات الأحياء الذين يتخذون من الهروب صفة الإدمان والانفصام الذي يعم البلد أو الهستيريا الجماعية، مسلطًا الضوء على الأثر النفسي ومزاياه في حروب الشوارع وما يجري خلف كواليسها.

ما بين عارف والراوي تداخل نوعًا ما ومبادئ تصويرية في مدينة تشبه بالضبط حالة بركان أنثى. فالتقريرية تؤرشف أحداث الحرب الأهلية في شوارع بيروت، وما كان مستهجَنًا أثناء الصراع الطاحن الذي تذوقته المدن آنذاك، ترك أثره على السرد الروائي وعلى الزمن ومجرياته بين الأحداث الاقتتالية على أرض تصارعت عليها كل الفئات ضمن نسيج ارتبط بالمؤلف والسرد الفني ضمن البناء الفني والمشهدي والتنامي في النص ووحدة البناء التي اتصلت بالمؤلف وتركت أثرها على القارئ، وفق حساسية تعطي الكثير من الأبعاد على العنوان "عروس الخضر".

برؤية أخرى بعد نشر المقال عنها في الصحف بسنتين كتبت مرة أخرى

رواية "عروس الخضر" للروائي إلياس العطروني هي تجربة سردية تستحق التأمل العميق لكونها تجمع بين رمزية سريالية وانطباعية في معالجة موضوعات الحرب والذاكرة. تأتي الرواية كعمل فني يطمح إلى التعبير عن التجارب الإنسانية عبر عدسة مشوهة ولكن مكثفة، مما يعكس الوضع المتناقض والحالة النفسية للأفراد في ظل النزاعات المسلحة. تستخدم الرواية تقنيات سردية متعددة تتراوح بين الأسلوب الواقعي والسريالي، مما يعزز من تعقيد النص ويجعل القارئ يغوص في أعماق الأبعاد النفسية والرمزية. السرد لا يتبع تسلسلًا خطيًا تقليديًا بل يتميز بالتقلبات الزمنية والتلاعب بالذاكرة، مما يخلق تجربة قراءة تشبه التحليق في عالم من الضباب والغموض. هذه التقنيات تضيف إلى قوة النص من خلال تقديم تجسيد غير تقليدي للتجارب الإنسانية في الحرب.

العطروني يتقن استخدام الصور الرمزية لخلق مشهدية نابضة بالحياة ومبهمة في ذات الوقت. الرواية تعمد إلى تصوير المدن والأماكن كما لو كانت كائنات حية، ما يعكس فكرة أن المدن، مثل البشر، تتعرض للولادة والموت. هذا التصوير الجمالي يعزز من دلالة الرواية على أن الأزمات والحروب يمكن أن تكون بمثابة لحظات مفصلية تؤثر على كل شيء من حولنا.

الشخصيات في "عروس الخضر" لا تُعرض على أنها كيانات مستقلة بقدر ما هي تجسيدات للأفكار والمشاعر المعقدة. الشخصيات مثل يوسف وأبو الجماجم، والرموز مثل الصرصار، لا تمثل فقط شخصيات فردية بل هي تمثيلات رمزية للحالة الإنسانية في سياق الحرب. التحولات النفسية للأبطال تعكس التوتر الداخلي والمشاكل التي يواجهها الأفراد في الأزمات.

الرواية تتسم بثراء الرمزية، حيث يتم استخدام الأسماء المستعارة والألقاب لتعزيز الدلالات والطبقات المعنوية للنص. الأسماء مثل "أبو الجماجم" و"عبد الله السفاح" ليست مجرد ألقاب بل هي تعبيرات عن الوظائف الاجتماعية والأدوار التي يلعبها الشخصيات في الحرب. هذا الاستخدام للألقاب يعزز من الشعور بالعزلة والغموض حول الهوية الفردية في زمن النزاع.

أحد الموضوعات الأساسية في الرواية هو صراع الهوية والتساؤلات حول المعنى في ظل التدمير والفقدان. الرواية تستعرض التناقضات بين الحياة والموت، الحقيقة والوهم، الصراع والسلام. العطروني يستخدم الحرب كخلفية لتسليط الضوء على الصراعات الداخلية، والبحث عن الأمل في ظروف صعبة.

الأسلوب الأدبي في "عروس الخضر" يتميز بالمرونة والقدرة على التلاعب بالزمن والذاكرة بطريقة تضيف إلى عمق النص. العطروني يعمد إلى استخدام أسلوب سردي متنوع يُثري النص ويجعله أكثر تعقيدًا وجاذبية. اللغة في الرواية تجمع بين الفصاحة والانسيابية، مما يسهم في نقل الأحاسيس والمشاعر بشكل مؤثر.

رواية "عروس الخضر" هي تجربة أدبية تسبر أغوار تعقيدات النفس البشرية وتسلط الضوء على الأبعاد الرمزية للحرب والذاكرة. بتقنياتها السردية المتقدمة ورموزها الجمالية العميقة، تقدم الرواية لوحة فنية معقدة تعكس تأثير الصراعات على الأفراد والمجتمعات. إلياس العطروني ينجح في تقديم نص أدبي يمزج بين الواقع والخيال، ويستفز القارئ للتفكير في الأسئلة الكبرى حول الحياة والوجود.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol