مستقبل ذلك الصعود: قراءة في "كتاب الحضارة" للبروفيسور نيال فرغسون

ضحى عبدالرؤوف المل

يعزز البروفيسور نيال فرغسون العصف الذهني في كتابه "الحضارة"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، بتساؤلات يتركها للقارئ ليستخرج من مراحل الكتاب كافة تحديات الحضارة التي هيمنت على الشرق والغرب. يعتبر التساؤل أحد أبرز التحديات التي تناولها المؤلف، وهو بمثابة نظريات يمكن اعتمادها في تحديد الأحداث القادرة على إبراز حضارة الغرب بشكل متفوق في رحلة توثق لكل مراحل بناء هذه الحضارة المثقلة بنقطة بدء منها، وهي "تدمير مركز التجارة العالمي" وقلب نظام وتغيير الأنظمة في دول "محور الشر". لنقرأ قبل تعرض وهم القوة الأمريكية المفرطة للانكسار صياغة كلمة "صيميركا" والتلاعب بالألفاظ مع كلمة "chimera" التي تعني الوهم، وسذاجة التصورات وفقاعة الإسكان. إن ما يريد إظهاره في هذا الكتاب هو "ما يميز الغرب من بقية أنحاء العالم، وبالتالي القوى المحركة للقوة العالمية" لخصها في عناوين ليستبق الأمر قبل أن يتساءل القارئ عن الأوجه السياسية، ونجد الجواب في العناوين الاستثنائية أو الفرعية مثل العلوم وحقوق الملكية والطب والمجتمع الاستهلاكي وأخلاقيات العمل. فما هي النقطة الحاسمة في الفرق بين الغرب وبقية أنحاء العالم؟

"لا يتعلق التاريخ بكيفية دراستنا للماضي وحسب، بل بكيفية دراستنا للزمن ذاته". وزمنية كتاب "الحضارة" نشأت على فكرة الزمن وتحديد الأولويات في إبراز النقاط التي من شأنها وضع الأسس المستقبلية التي تتطلب "قفزة من خلال الزمن تكون واسعة الخيال"، إذ "كل تاريخ هو تاريخ فكر، لكن المعنى الحقيقي للتاريخ يتولد من تراصف الماضي والحاضر"، مما يعكس عدة فوائد بحثية تستحق فرض معايير وجهات النظر التي تتغذى من قرائن الزمن الماضي والعودة إلى النشوء. "إن الماضي الذي يدرسه مؤرخ ما ليس ماضياً ميتاً، لكنه ماضٍ مستمر بالعيش في الحاضر بمفهوم ما". فهل ماضي فلسطين هو وجودها المستقبلي عبر الشكل والآثار والوثائق النضالية بكيفية دراسة الزمن ذاته؟ أم أن الحضارة الإسلامية التي ذكرها من ضمن الحضارات الخمس هي حضارة عبرت الزمن؟

لا أريد في هذا المقال بث المزيد من الأسئلة والتساؤلات، لأن البروفيسور نيال فرغسون ترك الكثير من التساؤلات والأسئلة المتميزة بقدرتها على تحليل الرؤية والطرح الموضوعي مثل "كيف هيمنت حضارة الغرب على الشرق والغرب؟ هل حدث ذلك أثناء جولتي الأولى بمحاذاة السد المائي في شنغهاي التي قمت بها في العام 2005؟ هل سنستطيع تقديم توقعات لمستقبل ذلك الصعود؟ هل يعني ذلك حقاً نهاية عالم الغرب، وقدوم الحقبة الشرقية الجديدة؟ هل انتهى التفوق الغربي؟ أم أن فرقاً ثقافياً غامضاً هو الذي أهل الأوروبيين لأن يسبقوا نظراءهم الشرقيين؟

لا يمكن أن تنتهي الأسئلة ولا التساؤلات في كتاب "الحضارة" لأنه يغوص في عمق التاريخ، ليستخرج منها نواة كل حضارة متسائلاً مجدداً "كيف يمكن لنا أن نفهم تفوق الشرق؟" وما يعادل جزءاً واحداً من القصة لا يعني أن القصة برمتها هي حضارة هيمنت وأخرى اندثرت. تفاوت الحضارات عبر التاريخ يؤكد أن لكل جواد كبوة، وربما! كبوة الشرق ستنعكس على كبوة حضارات أخرى لتولد حضارة ما زالت في مرحلتها الجنينية، وقادرة على الظهور في أي لحظة يقودها الزمن عبر التاريخ المشبع بالحقائق الذي يبرزها البروفيسور نيال فرغسون من خلال حضارة الابتكارات والاختراعات والأبحاث بكل اختلافها، مسترجعاً تواريخ الاختراعات التي يعود فضلها في الأغلب للصين. "لكننا نعرف أن سو سنغ أضاف في العام 1086 ترس نوازن للساعة فابتكر بذلك أول ساعة ميكانيكية في العالم"، ليكون كل ما تم تحقيقه في الصين من إنجازات تقنية يسمح بإطلاق لقب "كل ما هو تحت السماء" على سيد العالم الإمبراطور يونغل. لنشهد على أحداث جرت بعد موت الإمبراطور واتجاه الصين "للانكماش نحو الداخل". وهنا تبرز مسألة التمدد عبر البحار، كما هي مسألة التمدد عبر الفضاء في عصرنا هذا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل التمدد في البحر والفضاء أو رحلات الاستكشاف هي العنصر المساعد في بقاء الحضارات؟

لا يمكن أن تقرأ كتاب "الحضارة" دون أن تطرح الأسئلة لتجد إجاباتها في صفحات قادمة، وتتفاجأ بأسئلة أخرى تطرح نفسها ولا تجد لها إلا اجتهادات تكونت من زمن قراءة الكتاب. فما هو موجود في الصفحات الأولى تستكمله النتائج في الصفحات الأخرى، وكأن الكتاب ذاته حضارة فكرية هيمنت على الرؤى التحليلية لحضارات العالم، رافعاً الحصار عن صدامات تتكرر بين الغرب والشرق، وينتج عنها سؤال آخر بعد تعداد الفتوحات الإسلامية وما صدر عنها من نتاج علمي وفكري وأدبي، ليقول: "إذاً كيف تخلف العالم الإسلامي عن الغرب في ميدان العلم؟". لنعود عبر الزمن إلى أكثر من ثلاثة قرون إلى الوراء، أي إلى آخر مرة تمكنت فيها إمبراطورية إسلامية من تهديد أمن الغرب بصورة جدية، وتحديداً إلى عام 1683 حيث "تمكن الجيش العثماني مجدداً، كما في العام 1529، من تهديد مداخل فيينا". فهل يعود العدو إلى الانتصار فعلاً؟ أم أن فساد انضباط الأخلاق هو أحد أبرز الانتصارات في الصراعات التي تدور بين أي طرفين؟ لتنتمي التساؤلات الأخرى إلى تكوين حضارة مكتملة الأركان وتبحث عن أهمية الإنسان المتطور تاريخياً مع الزمن.

تتابعت الاكتشافات بعد الفترة الزمنية التي حددها نيال فرغسون، وبدأت مرحلة الاكتشافات سواء بالطباعة أو النشر أو الكم المعرفي المتداول من تلك المنشورات أو العكس، لتكون ملاحقة الساحرات هي ثمرة كريستوفر مارلو والتي عرضت عام 1592. كما تمكن توماس هوك من بعد مرور سبعين عاماً فقط من نشر كتابه "ميكروغرافيا"، بالإضافة إلى المناظير والاختراعات التي صنفها وتحدث عنها من الهدارة حتى الأسلحة المتطورة. وبالعلم والعقل والمنطق، بدأ الغرب التطور بجميع أشكاله. "إن العلم والحكومة في الغرب دخلا في شراكة، كان أفضل من جسد منافع تلك الشراكة هو فريدريك الكبير، إمبراطور بروسيا، الذي كان صديقاً لفولتير". إن أبرز ما تعمق فيه البروفيسور نيال فرغسون هو التاريخ الذي تنامت فيه المعرفة العلمية في مجال القوة العسكرية وتوسع بروسيا مقابل الانكماش العثماني وظهور الفلاسفة. فالقواعد العقلية هي الأسس التي انطلق منها الغرب باتجاه تطوير الحضارة، بينما كانت الإمبراطورية العثمانية محكومة بقانون الشريعة، وامتلك الأوروبيون قوانين وقواعد مستمدة من العقل والمنطق. فالتاريخ العثماني الحافل بالانتصارات في المعارك بات بعد فترة من الزمن غير قادر على معرفة تطور المعرفة عبر الزمن. "فعقدة التفوق المزمنة كانت عقبة أخرى أمام الإصلاحات العثمانية". وبدراسات دخلنا من خلالها إلى الصين وبروسيا وبريطانيا وألمانيا وتجارة العبيد، وكيف قامت أمم وتخبطت الأمم الأخرى، إلى الاكتشافات العلمية والطبية وأسبابها، متعجبين من وجود "نسبة كبيرة من طلبة العلوم والهندسة من النساء" وهو يقصد في إيران. فالكتاب هو رحلة تاريخية تنمو من خلالها المعرفة في حضارة، والمبدأ الأساسي فيها دون الاعتماد على التفرقة أو العنصرية، أو "الحضارة التي تسبب تبصر رجال دولتنا وشجاعة جنودنا ومستكشفينا في تقديمها لنا". هذه انطباعاتي عن كتاب "الحضارة" لنيال فرغسون، الذي قرأته أكثر من مرة، وفي كل مرة أشعر وكأني في أدغال التاريخ التي تحمل في طياتها الكثير من المفاجآت والمعلومات والمعرفة المستبصرة بعالم ننتمي إلى حضارته ولا يمكن حصر الأفكار والأسس والمبادئ والاستنتاجات التي توصل إليها فرغسون وجعلته يقول: "هذا هو امتحان الحضارة، فماذا يمكنني أن أضيف؟"

اليوم، بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.

تعد دراسة "الحضارة" للبروفيسور نيال فرغسون مساهمة هامة في فهم تطور القوة العالمية وتفوق الحضارات عبر الزمن. يعالج الكتاب بإسهاب كيف أن الحضارة الغربية قد هيمنت على باقي الحضارات، مقدماً رؤية تحليلية معمقة تعكس التفاعل بين القوة السياسية والابتكار والاقتصاد والثقافة. سأقدم هنا تحليلاً من منظور سياسي دبلوماسي يبرز الأبعاد الاستراتيجية لتفوق الغرب، مع التركيز على الأسس التي تستند إليها هذه الهيمنة والتحديات المستقبلية.

الأسس الاقتصادية والعلمية: فرغسون يشير إلى أن تفوق الحضارة الغربية يرجع جزئيًا إلى الابتكارات العلمية والتقنية، مثل اختراع الساعات الميكانيكية، ودور الثورة الصناعية في تعزيز القوة الاقتصادية. من منظور سياسي دبلوماسي، يمكن تفسير ذلك على أنه انعكاس للاستراتيجيات الغربية التي ركزت على الاستفادة من الابتكارات التكنولوجية لتعزيز النفوذ العسكري والاقتصادي. هذا التفوق العلمي سمح للدول الغربية بتوسيع نفوذها عبر الاستعمار والسيطرة الاقتصادية.

النظام السياسي والقانوني: يُظهر الكتاب كيف أن الدول الغربية طورت نظمًا سياسية وقانونية تستند إلى العقلانية والمنطق، مثلما يتجلى في القوانين الأوروبية مقارنة بالقوانين العثمانية التي كانت تستند إلى الشريعة. من منظور دبلوماسي، يمكن أن يُفهم هذا على أنه تفوق استراتيجي: الأنظمة القانونية الحديثة ساهمت في تعزيز الاستقرار الداخلي، ما انعكس على القدرة العسكرية والاقتصادية للدول الغربية في الساحة الدولية.

التفاعل مع الحضارات الأخرى: فرغسون يستعرض كيف أن الغرب هيمن على الشرق والغرب، مما يعكس استراتيجيات دبلوماسية مركزة لتعزيز السيطرة عبر التحالفات العسكرية والتجارية. التفاعل مع حضارات أخرى، مثل الصين، يظهر كيف أن الغرب كان قادرًا على استغلال الاختراعات والتطورات في هذه الحضارات لتعزيز تفوقه.

التحديات المستقبلية:

التحولات الجيوسياسية: التغيرات في القوى العالمية، مثل صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية جديدة، تشكل تهديدًا للهيمنة الغربية. من منظور دبلوماسي، يتطلب ذلك استراتيجيات تكتيكية جديدة تتضمن تعزيز التعاون الدولي، وتطوير استراتيجيات اقتصادية مرنة، والاستجابة للتغيرات في موازين القوى العالمية.

الأزمات الداخلية: يشير الكتاب إلى كيف أن الإمبراطوريات الغربية قد تواجه أزمات داخلية مثل التفاوت الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي. هذه الأزمات قد تؤثر على قدرتها على الحفاظ على هيمنتها. يتطلب ذلك تحليلًا دقيقًا للإصلاحات الداخلية وتعزيز الاستقرار لضمان استمرارية التأثير الدولي.

التكنولوجيا والمستقبل: التحولات التكنولوجية الحالية، مثل الذكاء الاصطناعي والتطورات في الفضاء، تقدم فرصًا وتحديات جديدة. من منظور دبلوماسي، يتطلب ذلك استراتيجيات مبتكرة للتعامل مع هذه التحولات، بما في ذلك التعاون الدولي في مجال التكنولوجيا وتطوير استراتيجيات دفاعية جديدة.

كتاب "الحضارة" للبروفيسور نيال فرغسون يقدم رؤى عميقة حول كيفية تفوق الحضارة الغربية عبر الزمن ويشير إلى التحديات المستقبلية التي قد تواجهها. من منظور سياسي دبلوماسي، يوفر الكتاب إطارًا لفهم الاستراتيجيات التي قادت إلى الهيمنة الغربية وكيفية الاستجابة للتحديات الجديدة. إن التحليل الاستراتيجي والتكتيكي الذي يقدمه فرغسون يعتبر أداة هامة لفهم الديناميات الحالية والقدرة على تطوير استراتيجيات فعالة للمستقبل.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol