خريطة الطريق وعثراته
قراءة في كتاب "الرماد الثقيل" للمؤلف حسين شاويش
ضحى عبدالرؤوف المل
يؤكد المؤلف حسين شاويش في كتابه "الرماد الثقيل"، الصادر عن "دار الفارابي"، على كشف الغش الفكري وإزالة الحجب عن البضاعة المغشوشة، لأنه يعتبرها عملية خداع علني. والمثقف يفعل ذلك لأن جوهر عمله هو البحث عن المعنى، أو بالأحرى "التابو الذي كان يحيط بتداول المسائل الطائفية". فمجموعات القضايا التي يتناولها بموضوعية، دون تطرف في الآراء والأفكار الرئيسية التي يحددها باختصار تشريحي، يعززها بالمفاهيم البسيطة. ونظراً لأن الفكر الطائفي بضاعة مغشوشة، والجميع يعترف بذلك، وكأنها تجارة تُقدَّم إلى الزبائن "على أنها حرب من أجل العدالة الطائفية"، وتشكل العاطفة والمشاعر أحد أهم السلوكيات التي تثيرها الانتماءات القائمة على أسس انفعالية ومؤثرات يستجيب إليها مشتري تلك البضاعة، التي يضعها المؤلف حسين شاويش تحت خانة التجارة، محاولاً تفكيك أسسها الذهنية لكي نفهم معه ما سر نجاحها. وبهذا سندخل في جدلياتها المادية والتاريخية من "خلال سلوك الفرد وتفكيره". فالغوص في الكتلة الاجتماعية التي ينتمي إليها الإنسان يحتاج بطبيعة الحال إلى الدفاع عنها عند الإحساس بالخطر الذي قد يواجهها، لكنها بذلك تكون هوية النوع وليست الهوية الإنسانية التي من شأنها الإبقاء على توازن المنطق الإنساني في ظل الأخطار التي تحيط به دون العودة إلى تجارة الربح التي فيها خسارة الإنسان والوطن. فما هي أولويات النضال في كتاب زاد من وزن الرماد؟
تعددت الهويات والتجارة واحدة، والمسارات التي تتخذ من التصارع أزمة حقيقية تميل إلى استبعاد الهويات، وبالتالي البقاء على حالة الصراع الطائفي الذي يحبط المجتمعات ويبعدها عن الاستقرار والنمو، وانتماءات التصنيف والأهواء الهزيلة في الفهم، مما يؤدي إلى تهميش أو قمع أو حتى إلغاء طرف لطرف آخر. فالدخول إلى التاريخ من الباب العثماني في كتب حسين شاويش هو إعادة النظر إلى الديانة نفسها، مما يزيد من شدة الإحساس بالاضطهاد. لتتميز هويات عن هويات أخرى، أو حتى التمييز في الهوية نفسها، "لعل تاريخ سوريا الحديث خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي يعطينا مفتاحاً جيداً لفهم الدور"، إذ تتوسع حدقة الرؤية في الشرح الذي جزّأه إلى عدة عناوين اكتظت بالطائفة والطائفية، وكأنها الوباء الذي يغسله بالإقناع من خلال بسط الأفكار بسلاسة تاريخية تؤدي دورها الاستطلاعي في سراديب التاريخ التي تكون منها هذا الحاضر الأليم الذي يعيشه العالم العربي.
إن تعزيز الهوية الوطنية هو إصلاح لجأ إليه الاستعمار الفرنسي ليصحح الخطأ التاريخي كما يعتبره المؤلف حسين شاويش، إلا أن "علاقة واحدة ما بين تجذر الهوية الطائفية والخدمات الفعلية التي تقدمها الطائفة للفرد". وكان العشائرية ما بعد الحداثة هي دور القبيلة القديم، وهذا يؤدي إلى تراجع على كل الأصعدة الاجتماعية والسياسية وغيرها. فالعقدة في كل العوامل التي يضعها بين يدي قارئه هي مجموع الحلول التي وزعها بعد أن دخلنا إلى شمال العراق، وبخاصة الموصل، ومعضلة البيئات المعززة بالصداقة أو تلك التي تميل إلى تبني المواقف المشابهة، أو المواقف التي من شأنها أن تتخذ منحى الدفاع في سبيل بقاء الطائفة. إذاً، العلاقة بين الطائفية والعشائرية قائمة على عمق مشترك و"الأقرب إلى الذاتية والعاطفية"، وبتحليل آلية التطييف والبنية العشائرية وخريطتها وعمليات الأدلجة وتحولات الهوية والحديث عن مكر التاريخ واللحمة الرمزية، وما إلى ذلك من مجموع المفردات التي تشبه الخلايا الرمزية المحشوة بمضامين معرفية، لكل منها شروحاته التي لا تنتهي. فهل الرماد الثقيل هو احتراق الطوائف، أم إبراز العلل لإيجاد الدواء الشافي لها؟
اليوم، بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.
يستعرض النص كتاب "الرماد الثقيل" للمؤلف حسين شاويش، الذي يعالج قضية الطائفية ويكشف عن ما يسميه "الغش الفكري" المتعلق بالفكر الطائفي. من خلال تحليله، يبدو أن المؤلف يعارض بوضوح تجارة الطائفية ويشدد على أنه يجب تفكيك أسسها لفهم أسباب نجاحها.
يصف المؤلف الفكر الطائفي بأنه "بضاعة مغشوشة" ويشير إلى أن الطائفية تُقدَّم على أنها "حرب من أجل العدالة الطائفية"، وهو وصف يوضح كيف تُستخدم الطائفية كوسيلة لتضليل الجماهير تحت غطاء العدل والحقوق.
يبدو أن المؤلف يركز على كيفية استخدام العاطفة والمشاعر لبيع هذا "المنتج الطائفي"، مشيرًا إلى أن الصراع الطائفي ليس سوى تجارة تستفيد من الانفعالات الفردية والجماعية. إذ يشير النص إلى أن الطائفية تؤدي إلى تهميش أو قمع أطراف أخرى وتثبِّت صراعًا دائمًا بين المجموعات. هذا يفسر كيف يمكن للطائفية أن تعيق الاستقرار والنمو الاجتماعي، وتحافظ على حالة من الصراع المستمر الذي يحبط المجتمعات . كما هناك تأكيد على أن التصنيف الطائفي والعشائري يؤدي إلى تفكك الهوية الوطنية ويزيد من التوترات بين الجماعات، مما يؤثر سلباً على التنمية السياسية والاجتماعية.
يناقش النص كيف أن دخول التاريخ من "الباب العثماني" يمكن أن يكون وسيلة لفهم الطائفية بشكل أفضل. يشير إلى أن فهم التاريخ، مثل فترة الاستعمار الفرنسي، يمكن أن يساعد في الكشف عن جذور الطائفية والاضطهاد. يبدو أن المؤلف يستخدم تاريخ سوريا كنموذج لفهم كيف يمكن للطائفية أن تؤثر على المجتمعات وتزيد من الانقسامات.
يشير الكتاب إلى أن تعزيز الهوية الوطنية كان جزءًا من إصلاحات الاستعمار الفرنسي، وهي محاولة لتصحيح الأخطاء التاريخية. لكن يبدو أن المؤلف يعارض ذلك، ويعتبر أن الهوية الطائفية لا تفيد الفرد بل تؤدي إلى تراجع اجتماعي وسياسي. كما يشير إلى أن العشائرية، التي تعتبر بديلاً للقبيلة القديمة، تسهم في تراجع على جميع الأصعدة، بما في ذلك الاجتماعي والسياسي.
يُعد النقد الذي يقدمه المؤلف حول "الغش الفكري" محاولة لتفكيك استخدام الطائفية كأداة للسيطرة والتلاعب. هذا النقد يسلط الضوء على كيفية استغلال العاطفة والتباين الطائفي لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية.
يعكس الكتاب وجهة نظر مفادها أن الطائفية تقيد التقدم وتؤدي إلى إعاقة النمو الاجتماعي والسياسي. هذا التحليل يعتبر الطائفية عائقًا رئيسيًا أمام التنمية المستدامة ويشير إلى أن الحلول يجب أن تتجاوز الصراعات الطائفية لتعزيز التماسك الاجتماعي. استخدام التاريخ كمفتاح لفهم الطائفية يعكس أهمية السياق التاريخي في تحليل الأزمات الاجتماعية والسياسية. المعرفة بتاريخ الطائفية وكيفية تطورها يمكن أن تساعد في إيجاد حلول فعالة لمشاكلها الحالية.
نقد المؤلف للهوية الطائفية واستبدالها بالهوية الوطنية يعكس رغبة في تجاوز الانقسامات الطائفية وتعزيز التماسك الاجتماعي. هذا التحليل يتماشى مع الفكر الذي يرى أن الهوية الوطنية يمكن أن تكون أساسًا للوحدة والاستقرار بدلاً من الانقسامات الطائفية. الكتاب يعكس محاولة جادة لفهم كيفية تأثير الطائفية على المجتمعات والسياسة. النقد الموجه للطائفية كمنتج مغشوش يعكس رغبة في كشف التلاعب والتضليل المرتبط بها. التوصيات التي يقدمها المؤلف، مثل تعزيز الهوية الوطنية وتفكيك الأسس الطائفية، تسعى إلى تحقيق استقرار اجتماعي وسياسي مستدام.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol