الإنسان الخالد في حلمه المطلق
قراءة في كتاب "كان هذا سهوا" للشاعر "أنسي الحاج"
ضحى عبد الرؤوف المل
يختلف الشاعر "أنسي الحاج" مع العقائد ويتفق مع الإيمان لتشكل ميتافيزيقية الدين في كتابه "كان هذا سهوا" الصادر عن "دار نوفل هاشيت أنطوان". العودة إلى الرؤية الواضحة أو بالأحرى تصحيح ما لا يمكن رؤيته إلا بعد عدة تجارب، ونظريات تتماشى مع كبلر في خط تتقاطع فيه القوة الناتجة عن فلسفة ماورائية يدمجها مع المسار العكسي للشعر الذي يجعل منه كونا، وفيه نظام الكواكب يتشابه مع نظام المعرفة معتمدًا على التغيرات التي أحدثها كبلر عبر نظرياته الفيزيائية التي أحدثت ثورة آنذاك.
والشاعر "أنسي الحاج" في مقطوعاته لجأ لمنطق الأشياء والبحث فيها لإثبات ما سهى عنه سابقًا واستدركه، أو بالأحرى ما كتبه ومن ثم استخرج جوهره. وهو يخط في مطلع العمر انطباعاته بالمزعجات القدرية التي تدهش المكتشف: "وجود الله" في تلك الأمسية: "جاءني الله، وأنا لا أنتظره، ولا أنتظر شيئًا ولا أحدًا، جاءني ولم يعد يفارقني" متخذًا من المحاكاة مبدأ للجمع بين العلم والأدب وطرائق النظم الحياتية التي تنسخ بعضها البعض، وتعيد الإنسان إلى نهاية البداية. والفعل في الكلمة هو أقصى حالات الشعور الواعي التي تضع المحاورات في الألفاظ الفلسفية كقيمة تؤدي إلى خلق المفاهيم النظرية التي تفضي إلى تحسينات في جودة فلسفة الشاعر وإعادة تصحيح ما سقط سهواً: "الحياة هي هذا الاستعداد للذي قد ينقضي معظم العمر قبل أن يحدث لكنه سيحدث." فهل حاول "أنسي الحاج" الاستعداد الكامل لتصحيح ما كان سهواً في حياته من خلال هذا الكتاب؟
يشيد "أنسي الحاج" بقصور الأديان ويتذمر من الآراء التي تشكل في تطلعاتها نوعًا من الاعتداء على خصوصية الفرد، ومن ثم يلجم هذا التذمر تاركًا للأجوبة فورة التخييل لتسلسل "التاريخ بين اليهودية والمسيحية والإسلام"، ولكن أين الأديان الأخرى؟ وهل ميتافيزيقية الدين في ثلاثية تجمعها خيمة الإيمان تحتاج لهذه النظرة المكثفة والغارقة بالميثولوجيات أو بالتصنيفات البشرية غير الثابتة كما عند اليهود، مستنكرا "الظلم الذي ألحق بالمرأة" ويعتقد أن الفروقات القائمة على الجنس والنوع واللون والفكر هي المنغصات الإنسانية المبنية على التكامل البشري دون أي تفكك أو انفعالات لا تؤدي إلا إلى انقسامات في الأديان، وهي التي يترأسها الإيمان. لنكتشف حقيقة ارتدت على "أنسي الحاج" وتركته في حالة شرح استنتاجي يميل إلى الإدهش في ما يسبب إظهار مقومات الأفكار التي استخلصها دون المس بجوهر العيوب أو باللامعقول المحقق لاستدارة عكسية نحو اللامألوف أو اللامتوقع: "ماذا يحدث إذا تاقت الأشياء، بالعكس، إلى النكوص على ذاتها والتغلغل متقهقرة إلى ضباب الأغوار؟" فمن هو الآخر المتلفي لكل هذه الميتافيزيقية وإشاراتها القابلة للمناقشة بشكل أوسع دون الإصابة بالذهول من فلسفة تساؤلية تميل إلى استخراج الإيمانيات من الأديان لفك طلاسم الحياة وبلوغ اللحظة الأبدية؟
ما بين زخم البدايات وزخم النهايات يحقق "أنسي الحاج" أهدافه في استنشاق المعرفة لانبلاج المفاهيم الفلسفية باعتبارها من معالم الرؤية أو البصيرة والارتداد نحو التصحيح: "لأن من يعدّ خطاه لا يعود يمشي". فطبيعة المحاكاة في الكتاب تؤثر على علاقة الكاتب بالقارئ، لتكتسب خصوصية تقوم أساسًا على هذا المزج بين الفروقات الحسية والذات. إذ تأخذ الكلمات منحى ذاتيًا يحاكم فيه الأخطاء بأسلوب أصيل مزروع في الطبيعة الإنسانية: "كنت مكفوفًا ولما تلأمنت، تلأمنت على الأكثر طيبة مني، ودريت وما دريت أني في المواضع الأكبر والمحال الأخطر كنت مخدوعًا ومستعملًا فيما كنت أحسبني عزيز الجانب." فهو يحاكي الذات بالأفعال ويتركها تمج الشقاوة التراجيدية التي تحقق بتأثيراتها تصوير ذكريات يعممها، لتكون لأشخاص تذوقوا الانتقال من حال إلى حال: "أو نعرة غيرة أذكرها هي يوم رأيت طفلًا، أن الكبار يكذبون، وأنهم يكذبون أفضل مني" دون الانتهاء من الأسئلة والتساؤلات دون أن يتوانى عن إعادة الفكرة إلى أولها أو إلى الذات وميتافيزيقية الطبيعة.
يؤلف فيما بين الأفكار ويجمع خلاصة الأقوال في الحياة والموت والدين والخلق والسياسة وما إلى ذلك. فالحبة الصادحة والحبة الصارخة هي التذبذب بين الرحيل والبقاء، وربما "هي فرط من يوهم النفس بأنه لن ينتهي أبدًا من هذه اللعبة." فخبرة الحياة تمنح الحكمة لمن يمتلكون الشعور المطلق بالوجود والعدم، والقادرين على فك الغموض بالغموض الأكثر مرارة ليواجهوا كل الحياة بالحياة التي استحدثوها، وجعل منها استراحة كما يقول أرسطو عن أمبيدوكليس لتشكل الكلمات نوعًا من التوالد الفكري أو البحث في الأدب عن تساؤلات ما زالت تشكل تحفيزًا: "قال الموت لفكتور هوغو: 'كل ما أقوله لك هو هذا: كن أوديب حياتك وأبا هول قبرك.'" فهل يحاول "أنسي الحاج" نبذ الواقع بالتنافر أو استقصاء مراحل الحياة التي يتشكل منها الأدب والفن والذات والحب؟
نشأة الكون وعلة الذات ومفهوم الكلمة المندهشة من اختلاف الأفكار والتصورات والعقائد واليقين بالجزء والكل والرحيل والبقاء والموت والحياة، وكل ما من شأنه أن يولد شرارة التنافر والتجانس والإلغاء والقبول، واليأس الاجتماعي أو كل ما من شأنه تحريك المشاعر سلبًا أو إيجابًا. وهو الاضطرام ما فوق طبيعة الإنسان التي عاشت وأدركت وهمية مسار الزمن وفق كبلر ونظرياته الفيزيائية التي شكلت ثورة على كل ما جاء قبله. ليستخلص نظرية خضوع "الأشياء لغيابها لا لحضورها. تجربة الانقطاع، للتأكد من أن الوجود هو أكثر من عادة." فهل ما كان سهواً هو الخروج عن المألوف بالفكر الفلسفي الخالص لمسيرة حياة بكاملها؟
اليوم، بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.
في عالم الأدب والشعر، يحتل الشاعر أنسي الحاج مكانة متميزة، فهو كوكب مضيء في سماء الإبداع العربي، يسبر أغوار النفس البشرية ويحلق في فضاءات الميتافيزيقا بفكر يعانق الفلسفة والتجربة الحياتية. كتابه "كان هذا سهوا" يمثل مرآة صافية تعكس تجاربه وتصوراته حول الإنسان والعالم، وتمثل رحلة بحثية في متاهات الروح وتحديات الفكر.
يكتب الحاج كمن ينسج خيوطًا من نور وظلال، يرسم بأقلامه الأزرق والأبيض مشهدًا يمتزج فيه الوجود بالعدم. يلتقط الشاعر من خيوط الفجر المتوهجة رؤى فلسفية، فيحيل الأحلام إلى واقع ملموس عبر الشعر. في "كان هذا سهوا"، يمتزج الغموض بالوضوح، والخفي بالظاهر، فالشاعر يعيد صياغة الكون كقصيدة موزونة على إيقاع الوجود والتجربة. قصائده تعكس حوارًا دائمًا بين العقل والقلب، بين العلم والإيمان، ليلتقي مع الفلسفة في نقطة تقاطع تتجاوز حدود اللغة.
يقدم أنسي الحاج في "كان هذا سهوا" نصًا يعكس تطور الوعي الأدبي ويتناغم مع تطورات الفكر الفلسفي. فالشاعر يتناول مواضيع معقدة مثل الإيمان، والفلسفة، والميتافيزيقا، بأسلوب يتميز بالرمزية والتجريد. النصوص تتسلق قمة الجبال الفكرية، مستعرضة تطور الفكر من التجربة الشخصية إلى النطاق الواسع للكون. يُظهر الحاج براعة أدبية في استخدامه للصور البيانية والرموز، حيث يقارب بين الفلسفة والشعر، ليوصل القارئ إلى تأملات عميقة حول الكون والوجود.
يُعتبر "كان هذا سهوا" نموذجًا بارزًا في استخدام الصور البلاغية والتراكيب اللغوية المبتكرة. أسلوب الحاج يتسم بالقدرة على خلق توازن بين السرد الشعري والمفاهيم الفلسفية. اللغة عنده ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وسيلة لتحقيق التأثير العميق على القارئ. من خلال استخدام الاستعارات والتشبيهات، يجعل الحاج من الكلمات كائنات حية تتفاعل مع القارئ، وتجعل من النص تجربة حسية وفكرية في ذات الوقت. الشاعر يوظف التناقضات بين الحضور والغياب، الواقع والحلم، ليجعل القارئ يتنقل بين عوالم متعددة تتقاطع فيها الأبعاد.
إن قراءة "كان هذا سهوا" تترك القارئ في حالة من الدهشة والتأمل العميق. يشعر القارئ وكأنه يغوص في بحر من الأفكار المتدفقة التي تتداخل فيها تجارب الحاج الروحية والفلسفية. الكتاب يبدو وكأنه مرآة تعكس أعماق الروح البشرية، تبحث عن معنى في كل تجربة وفي كل لحظة. الشاعر يضع القارئ في موقف استبطاني، حيث يواجه نفسه بعمق في كل نص، مما يجعل من قراءة الكتاب تجربة تأملية متجددة. التفاعل بين الكلمات والأفكار، وبين الروح والنص، يخلق نوعًا من الخلق الفني الذي يعيد تشكيل الوعي الإنساني بطرق جديدة ومبتكرة.
يُظهر "كان هذا سهوا" قدرة أنسي الحاج الفريدة على دمج الشعر مع الفلسفة، والعلم مع الإيمان، ليخلق نصًا يتجاوز حدود الكتابة التقليدية ويصل إلى أفق جديد من التجربة الأدبية. الشاعر يظل في رحلة مستمرة بحثًا عن الحقيقة والجمال في عالم مليء بالظلال والألوان المتباينة، ويأخذ القارئ معه في هذه الرحلة اللامتناهية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol