الأوهام البصرية والمفهوم النفسي للأشكال تتصدر لوحات الفنان عبدالحليم حمود

ضحى عبدالرؤوف المل

يستكشف الفنان عبدالحليم حمود الجنون الإنساني أو قضايا الوهم والخوف والتدليس والشك عبر فن كاريكاتوري يتصل بالمرافق الحياتية التي يصورها من زوايا هشة تضع الانتهاكات العشوائية لحقوق الإنسان في لوحة مصقولة بالوهم الممتزج مع الحقائق بتقنية سريالية قائمة على الأوهام البصرية والأبعاد السيكولوجية للوحدة الصورية. والمفهوم النفسي للأشكال يتصدر فن التلاعب بالذات، وبجنون العظمة الذي يستدعي الصور المتعددة من بواطن النفس. ويخلع عليها حالة سريالية تستهدف السيطرة على الشكل وتكوينه تبعاً للحالة النفسية التي تترجم الأحاسيس والمشاعر التي تتوخى إظهار مكنونها بوضوح، تاركاً للتركيب الغريب وللمتناقضات والمفاهيم التي تتخذ صفة الجنون أو الوهم النفسي في التشكيل البصري المتعدد الوجوه إشارتها الملغزة. لتكون لوحات عبدالحليم حمود محاكاة لأزمات داخلية تنعكس على الخارج الذي لا يدرك قيمة الروابط العقلانية في تفسير الظواهر الخارجية من أحداث مختلفة، فتوقعات الحدس تدمج الشكل بازدواجية لا يمكن تفسير الصورة الناتجة عن ذلك إلا من خلال النفس الأخرى، وبهذا تكون البارانويا الفنية حالة جنون لا عقلانية لحالة أخرى منطقية تتجزأ تلقائياً داخل الفنان، إما ساخراً ومثوراً، وإما باستهزاء ناتج عن جنون العظمة التي تصيب الريشة القادرة على خلق غرائب مثيرة تهدف إلى تحقيق الرضا البصري وتدمير الواقع لخلق استنكارات يصعب فهمها، وإن استمدت من اللون والخط والشكل لغة تشكيلية تعتمد عليها في بناء اللوحة.

لوحات تخيلية غرائبية لتحفيز المعايير الاجتماعية على إيجاد الصورة المناسبة، لأنها تمثل الهروب النفسي من الحقائق لانعكاس انضباطي وآخر خارجي يتحكم بشكل جدي بسلوك يتمثل بالمساحة المحيطة التي يتركها للتلاعب البصري، والفراغات المحاكية للذات أو لربط العلاقات الوهمية المغمسة بالأساطير أحياناً أو بالرموز النفسية المتأرجحة بين المعقول واللامعقول التي تقود إلى عدة تفسيرات يتيه معها الحس الوجداني، وتعصف بالذهن لتوليد التفسيرات الإيجابية والسلبية. ومهما امتزجت التناقضات في لوحاته، إلا أنها مليئة بالانتفاضة على الواقع الذي يخفيه بحالة الجنون السريالية وفق وجهات نظر مختلفة انبثقت من مفارقات محسوسة ورؤية انتقادية اجتماعية سياسية وما إلى ذلك.

تتذبذب الأساليب الفنية في أعمال الفنان عبدالحليم حمود، إذ يتخذ الأسلوب الكاريكاتوري نوعاً جمالياً مختلفاً، وإن احتفى بهذا المعرض باللغة التشكيلية وعالم اللون وكثافته ووهج الألوان وسطوعها وإشراقها. إلا أن الفن النقدي والساخر حافظ على الموضوعية وإن أخرج موضوعاته تحت مسمى بارانويا. لكنه دياليكتيكي في تطلعاته الفنية المصحوبة بتمرد يمتزج مع الجنون الداخلي المنضبط والمحافظ على رسالة يحتفظ فيها بمضمون يعكس قيمة الصورة السريالية التي تتفجر وفق تخيلات تجذب المتلقي نحوها محاولاً تفسيرها، لأنها تواكب ما يدور في محيطه أو ما يدور في يوميات الحياة من أخبار يتمنى لو كانت مفارقة للواقع. وهي ما تثري خيال الفنان عبدالحليم حمود وتدفعه نحو بارانويا خلاقة تضفي على المشاعر الأطر المؤثرة بالمعنى والمضمون الذي استبطنه وجعل منه هلوسات لرموز حية. ليقف المتلقي حائراً ومنجذباً لمفردات جنونية مصبوغة بالانفعالات النفسية والواقع المطلق الذي يرصد الخصائص الغريبة ويرسمها بسريالية للكشف عن ماهيتها تحت مسمى حالة جنونية.

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة اللواء، أعدت قراءة لوحاته وكتبت عنه برؤية جديدة."

لوحات الفنان عبدالحليم حمود تستدعي استجابة انطباعية قوية. أول ما يلفت الانتباه هو الفوضى البصرية التي تخلقها الألوان والأشكال المتباينة. هذا الإيقاع البصري المركب يُحدث تأثيرًا مفاجئًا على المشاهد، مما يجعله يشعر بالقلق والتوتر، وهي مشاعر تتماشى مع موضوعات اللوحات التي تتناول الجنون والوهم. التباين الشديد في الألوان والأشكال يعكس حالة نفسية متأزمة، مما يجعل كل لوحة تجربة بصرية ووجدانية فريدة من نوعها.

الفنان عبدالحليم حمود يتناول موضوعات عميقة تتعلق بالجنون، الوهم، والخوف من خلال تقنيات فنية سريالية وكاريكاتورية. الألوان والخطوط تُستخدم لخلق تأثيرات بصرية تعزز من فهم القضايا النفسية والاجتماعية التي يتناولها. هذه اللوحات تعكس صراع الإنسان الداخلي وتجاربه الشخصية، مما يجعلها ذات طابع نقدي اجتماعي. التلاعب بالأشكال والألوان يعكس انتقادات فنية لحقوق الإنسان والجنون الإنساني، مما يتيح للمشاهدين فرصة للتفكر في معاني أعمق وراء الصور.

تعكس أعمال حمود حالة من الانفصال عن الواقع والتشتت الداخلي. الألوان القوية والتشويهات البصرية تعكس حالات عقلية مضطربة، مثل الجنون والبارانويا. الإيقاع البصري المتنوع يعكس تعقيد المشاعر الداخلية والآثار النفسية للضغوطات والمشاكل الشخصية. الفن السريالي والكاريكاتوري يتيح للفنان التعبير عن صراعاته النفسية بطريقة غير مباشرة، مما يجعل المشاهد يواجه جوانب من النفس البشرية ربما لم يفكر فيها من قبل.

يستخدم حمود تقنيات متنوعة لخلق تأثيرات بصرية قوية. الألوان القوية والتباين في الخطوط والأشكال تسهم في خلق إيقاع بصري يعزز من الرسالة الفنية. التقنية السريالية تعزز من عنصر الخداع البصري، بينما يضيف الأسلوب الكاريكاتوري طابعاً نقدياً وساخراً. العمل الفني يتطلب من المشاهد أن يتفاعل مع التكوينات غير التقليدية، مما يجعله تجربة فنية مليئة بالتحفيز والتفكير.

جماليات اللوحات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإيقاعها البصري، حيث يقدم عبدالحليم حمود جمالاً متناقضاً ومضطرباً. الألوان القوية والخطوط غير المتوقعة تخلق جواً من الجمال المضطرب الذي يعكس الصراعات الداخلية. التباين بين الألوان الداكنة والفاتحة يعزز من التجربة البصرية ويضفي عمقاً على التكوينات السريالية.

التعبير الفني في لوحات حمود هو تعبير مكثف عن مشاعر القلق والتوتر. التقنيات السريالية والكاريكاتورية تعكس حالات نفسية معقدة من خلال تمثيل الأشكال والألوان بطريقة تعبيرية. التعبير عن الجنون والوهم يظهر في الأشكال المتشوهة والألوان المتباينة، مما يمنح المشاهد فرصة للغوص في عمق التجربة الإنسانية.

الإيقاع البصري في أعمال عبدالحليم حمود يُمثل تلاعباً معقداً بين الألوان والأشكال والخطوط. التباين الشديد والأنماط المتكررة تشكل إيقاعاً بصرياً يعزز من قوة التعبير الفني. هذا الإيقاع ليس ثابتاً بل يتغير باستمرار، مما يعكس الديناميكية النفسية والداخلية التي يعبر عنها الفنان. تنوع الإيقاع البصري يعكس الصراع المستمر والقلق، مما يجعل كل لوحة تجربة بصرية متعددة الأبعاد.

تقدم لوحات عبدالحليم حمود تجربة بصرية غنية ومعقدة تجمع بين الأبعاد النفسية والفنية والجمالية، مما يجعلها أعمالاً تتطلب تأملاً عميقاً واستجابة متفهمة من المشاهد.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol