نقطة ارتكاز

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب "السياسة الدولية في الشرق الأوسط" للدكتور أنس الراهب

تبرز نقطة الارتكاز في كتاب "السياسة الدولية في الشرق الأوسط" للدكتور أنس الراهب، الصادر عن "دار الفارابي"، في البحث عن النظريات والمفاهيم التاريخية التي أفرزت الفوضى والاتفاقات كقاعدة تأريخية كفيلة للتعمق فيها، أو إظهار ما يستتر خلف مئة عام من الاحتلال وانعكاسات ذلك على السياسة الدولية في الشرق الأوسط للوصول إلى "فهم الوضع الحالي للمنطقة العربية". يبين الكتاب أهمية التاريخ في معرفة الفترة ما قبل "سقوط الإمبراطورية العثمانية وسقوطها، والمؤتمرات والاتفاقيات التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وأثرها في الدول العربية واستقلالها"، والتي قد تضع الأسس والقواعد والتصورات للتقلبات وانعطافات كل اتفاقية تمت على مجريات العصر الحالي، من اتفاقية سايكس بيكو وذيولها التاريخية، إضافة إلى "تقسيم الوطن العربي بين الدول الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومطلع القرن العشرين إلى عدم تطوير منظومة فرعية إقليمية متماسكة ومستقلة". فهل يُعزى التاريخ الحارق للمنطقة إلى مفهوم استراتيجي؟

أوروبا وحالة الضعف الشديد التي خرجت منها في الحرب العالمية الثانية، اقتصاديًا وعسكريًا، والمنطقة العربية، التي نستنتج منها حلم الشراكة الأوروبية المبنية على قوة الاقتصاد، الأكثر حيوية في العالم، "والواقعة في قلب الشرق الأوسط بما تحويه من ثروات وخصائص استراتيجية"، فالحديث عن التطلعات الاستراتيجية والتوسعية يحمل في طياته عودة إلى الماضي، وأن من خلال بسط النفوذ، فالاعتراف السوفياتي بإسرائيل لم يمنعهم من "التوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية التي استقطبتها بالكامل" لينتقل بعدها السوفيات نحو "دعم الدول العربية بدءًا من النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي". فالكتاب يسلط الضوء على المراحل التكوينية للسياسات الخارجية في الشرق الأوسط، والأهداف التي ارتسمت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، ومما زاد التغلغل السوفياتي في المنطقة هو الصراع العربي، وما بين الأدوار والسياسات، تراجعت مكانة فرنسا الاستعمارية في المنطقة العربية، خصوصًا أن سياسة فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية تميزت بعدم الاستقرار، وبدا ذلك واضحًا في موقفها من قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، ثم عدم اعترافها بإنشاء دولة إسرائيل سنة 1948، إلى أن تم ذلك سنة 1949. كما شهد اضمحلال الدور الفرنسي مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر.

ويبدو أن الدكتور أنس الراهب يبسط كف التاريخ لقراءة خطوط التاريخ المعاصر وإعادة ترتيب العناصر التي تحدد أولويات السياسات الاستراتيجية للدول الكبرى في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية التي نلمس نتائجها الآن. من الصعود الروسي البارز إلى تراجع الأدوار الأخرى، العدوان الثلاثي على مصر وذهنية الإسقاط الثقافي ونقطة الانطلاق، ومحورية العداء للرئيس جمال عبد الناصر والتحولات السياسية الجديدة التي فرضت نفسها مع ديغول، والاسترداد السياسي والاقتصادي، ليتبلور الدور الأوروبي في قضايا الدول العربية "باتخاذ موقف سياسي موحد من القضية الفلسطينية". يحقق الدكتور أنس الراهب عبر مساحة التاريخ دورًا نقديًا للتاريخ ليستوحي القارئ من الأحداث معالم خارطة جديدة هي ترجمات للكثير من التفاصيل التاريخية التي تستكمل بعضها البعض، والفترات الحاسمة في الخمسينات والستينات، "التي أدت إلى تحولات كبيرة في مستقبل الدول العربية، من خلال علاقات الدول العظمى بها"، منها نجاح مصر في صياغة سياسات خارجية وتمسك بعض الدول العربية بجانب من استقلالها، والكثير من المحاولات في إقامة تحالفات عسكرية في المنطقة العربية التي أدت إلى "التطور السريع والحاسم لمجريات الشرق الأوسط ولما وصلت إليه في تاريخنا الحالي". فما هي البؤرة المركزية للمنظومة الفرعية القائمة بين البلدان العربية في الخمسينات من القرن الماضي؟ وهل هناك مؤثرات للتحالفات التي جرت بعد ذلك؟

ما يلخصه الكتاب التغيرات الأربعة: العسكري المباشر، والسياسي من خلال الأقطاب المتصارعة، والاقتصادي من خلال الحلم الأوروبي، والأهم من ذلك الإرهاب وتفاصيله وقدرته على تحقيق مارب الغرب في المنطقة، وهو القديم الأزل وليس بالجديد. فمنذ عهد السلطنة العثمانية والتواجد الإنجليزي أو البريطاني في منطقة الخليج والسيطرة على ممر حيوي، والعودة إلى الاتفاقيات والمعاهدات وتأثيرها على الشرق الأوسط ومراحل الحروب العالمية الأولى والثانية والمؤامرات التي أدت إلى رسم جديد لبلاد الشام، واختصارات كان من شأنها قيام المؤامرات على المنطقة العربية، ووعود بلفور لإنشاء دولة صهيونية، بتصورات هدامة للمنطقة العربية التي تشهد حاليًا تجاذبات في السياسة الدولية التي بدأت تتصدر فيها روسيا دورًا، والصعود الذي شكل تصحيحًا للصورة العربية السابقة وما آلت إليه الصراعات الحالية على منطقة الشرق الأوسط. فما هو مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستكمل ويتجلى في كتاب الدكتور أنس الراهب؟

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.

يتناول كتاب "السياسة الدولية في الشرق الأوسط" للدكتور أنس الراهب العلاقات الدولية في المنطقة الشرق أوسطية ويقدم تحليلاً شاملاً للتطورات التاريخية والسياسية التي شكلت الوضع الحالي للشرق الأوسط. يركز الكتاب على دراسة النظريات والمفاهيم التاريخية التي ساهمت في تشكيل الفوضى والاتفاقات في المنطقة، بالإضافة إلى تأثيرات الأحداث التاريخية مثل سقوط الإمبراطورية العثمانية واتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

الكتاب يعكس أهمية النظر في التاريخ لفهم السياسات الحالية. يُشير إلى أن السياقات التاريخية، مثل سقوط الإمبراطورية العثمانية وتقسيم الوطن العربي، لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل السياسات الإقليمية والدولية. هذا المنظور التاريخي يعزز الفهم العميق للتطورات الحالية ويبين كيف أن الأحداث السابقة تواصل التأثير على العلاقات الدولية اليوم.

يناقش الكتاب كيف أن القوى الكبرى، مثل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، تفاعلت مع القضايا العربية. يشير إلى أن الاعتراف السوفياتي بإسرائيل لم يمنع من التوجه نحو الولايات المتحدة، التي استقطبتها بالكامل، كما أن دعم السوفيات للدول العربية بداية من النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي كان جزءاً من استراتيجياتها الكبرى. هذا التحليل يعكس كيف أن الاستراتيجيات الدولية يمكن أن تتغير بتغير الظروف والسياسات.

يعرض الكتاب كيف أن التحولات السياسية في الشرق الأوسط، مثل العدوان الثلاثي على مصر، أثرت على السياسة الإقليمية والدولية. يشير إلى تأثير السياسات الفرنسية والإنجليزية والأحداث الكبرى مثل العدوان الثلاثي على مصر، والتغيرات في المواقف تجاه القضية الفلسطينية. من خلال هذا العرض، يظهر الكتاب كيف أن السياسات الدولية والإقليمية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار في المنطقة.

يتناول الكتاب الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط من حيث الموارد الاقتصادية والموقع الجغرافي. يشير إلى أن المنطقة تعتبر نقطة محورية في السياسات الدولية بسبب ثرواتها وخصائصها الاستراتيجية. هذا التحليل يبرز كيف أن القوى العالمية تسعى إلى النفوذ في الشرق الأوسط بسبب أهميته الجيوسياسية والاقتصادية.

يناقش الكتاب التهديدات الأمنية مثل الإرهاب وكيف أنها أثرت على السياسة الإقليمية والدولية. يُبرز الكتاب كيف أن الإرهاب ليس ظاهرة جديدة، بل هو جزء من استراتيجيات أقدم، وكيف أن التعامل مع هذه التهديدات يتطلب استراتيجيات متعددة الأبعاد تشمل التعاون الدولي والمحلي.

يقدم كتاب "السياسة الدولية في الشرق الأوسط" تحليلاً شاملاً للأحداث التاريخية والتطورات السياسية التي شكلت الوضع الحالي في المنطقة. من خلال التركيز على التاريخ والتحولات الاستراتيجية الكبرى، يعزز الكتاب فهمًا عميقًا للتحديات التي تواجهها المنطقة اليوم. إن التحليل الموضوعي للعلاقات الدولية من خلال هذا الكتاب يساعد في فهم تعقيدات السياسة الشرق أوسطية ويقدم رؤى قيمة حول كيفية التعامل مع التحديات الحالية والمستقبلية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol