تظل مجرّد فرضيات: قراءة في رواية "رجل واحد لأكثر من موت" للروائي محمد جعبتي
ضحى عبدالرؤوف المل
تطفو السمات الإنسانية في رواية "رجل واحد لأكثر من موت"، الصادرة عن دار الفارابي، للروائي محمد جعبتي، الذي يعطي الجوانب الحياتية قيمتها الروحية. رغم الوهن الاجتماعي والعبثية السلوكية، والتخبط الذي يدفع المرء نحو خلق حيوات هي من صلب تكوينه الاجتماعي، ببصيرة روائية ذات تقنية تتجاوز التعقيد، وإن بدأها بسريالية تشابكت مع ضرورة استدعاء لشخوص تشكل عدة مسارات؛ لأنها تستند على مفاهيم نفسية وتمثل دهاليز النفس. لتشمل الأفكار والاستنتاجات للمرأة والطفل والرجل، وحتى التجانس بين مكونات الأفراد الاجتماعية وصولاً إلى الحيوانات وفروقات محبتها أو كرهها أو الفوبيا منها. لتدخل بهدوء في حبكة موثقة مشدودة إلى المضمون والأسلوب، وبمقاربات فكرية وانتقاد تفاعلي غير مركب، وإنما أضافت الرواية نكهة الواقع الثقافي أو الواقع الروائي، وأيضاً إبراز معاناة الروائي أو صاحب القلم. ليبرهن أن الفن أقوى من الموت.
الموت أو العودة إلى البصيرة والفهم الكامل لمسيرة وضعها في المستقبل أو المتوقع، المتأرجح والمتغذي باليقينيات التي تزدحم في نفس تواظب على القراءة وحب الكتاب، وحتى على خلق حياة في حياة أو خلق قصة من قصة أخرى. أي كتابة الرواية بحد ذاتها هي الدخول إلى عوالم وحيوات لفهم الذات التي تبرز في مكانها الخاص أو حيث تلجأ إلى اكتشاف نفسك وأنت تكتب وتبتعد عن العالم، بل! وتتكور كالخائف من مشهد رسمه محمد جعبتي بجمالية سردية لا تخلو من سيكولوجية يستميل من خلالها القارئ لجذبه نحو غموض الشخصيات وأفكارهم المختلفة وتنوعهم النفسي بين سوداوية ورومانسية وفوبيا الحيوانات وميثولوجيات نؤمن بها ونتعلق بقشور التوقعات. كل ذلك في حبكة لا تصيب القارئ بالملل، وإنما تشعره بالواقع وملامسة الأوجاع والأفراح، بتشويق فني تتبلور من خلاله خصوصية كل إنسان وفق المعايير التي نشأ فيها، وهذا يسمح للقارئ بمعايشة الشخصيات وكأنها قريبة منه أو كأنه معها في الداخل، ويمكنه معايشتها والتمازج معها، إذا وجد التشابه بينها وبين إحدى الشخصيات. فهل استطاع محمد جعبتي تحقيق التكافؤ الاجتماعي في رواية "رجل واحد لأكثر من موت"؟ أم أنه يدخل في لعبة الأزمنة التي يعيشها الإنسان بتتابع متشابه؟
تنطوي الأفكار على دمج موشى بحالات وهمية وأخرى واقعية، ليتشكل النص وفق ازدواجية انغمرت معها حالات الشخصيات بتورية روائية، ليصل إلى أن المعاناة الإنسانية في كل زمان ومكان تحدث مثل ليوناردو ودافني. "لا أدري على كل حال، إنه موجود في الرواية التي أعمل عليها، ويعيش معي طوال الوقت، لكني أعدت خلقه من جديد في عمل فني، ليخرج لنا في النهاية كائناً هجينا، غرائبياً، مزيجاً من واقع وخيال." إذ يتسم الأسلوب بالنقد الذاتي الموجه إلى القارئ الذي يتساءل عن الأسلوب الكلاسيكي المعاصر المركب سيكولوجياً بسريالية تحاكي العوالم التي تنتقد بعضها البعض عبر الحلم والأحداث الاجتماعية وفروقات الحياة بين المرأة العربية والأجنبية، وبين مجتمع يفكر بالفن والأدب وآخر يفكر بالعودة إلى فلسطين دون تخطيط أو خلق لمسارات جديدة تؤدي إلى الانتصارات، إن على صعيد النفس أو على صعيد الأرض والوطن. فهل فلسطين هي الحلم والكابوس والمرأة والدار والمنزل وشجرة الزيتون وشجرة الجميز؟ أم حقيقة يقاتل من يقاتل من أجل الدفاع عنها؟
لقد عاش الحرب الصامتة عبر القلم على ورقة ولوحة وعبر الألوان المختلفة للإنسان، كما أنني أعتبر الرواية هي رواية تشبه الحرب الباردة التي تضع القارئ بين المشاهد المنسكبة من تخيلات متأثرة بقصص الجدات والمثولوجيات والأساطير، التي تشبه أيضاً اللوحات في متحف الفن في إيطاليا. ليجمع بين ليوناردو الزمن القديم وليوناردو الزمن الحديث في ما يسمى تشكيل الملامح الإنسانية وإعادة حفظ هوية الشخصيات، لبث الوعي وإطلاق زفرات الوجع الإنساني الذي يهدف إلى خلق معادلات يستنتجها القارئ من قبل كاظم الذي أنهى دوره بلا شيء، وبخطوة لا تتعدى الوصف التخييلي المستنتج من مسار الرواية وتعقيداتها المتلائمة مع الأشكال الحياتية التي استنبطها. ليبدو الإنسان الفلسطيني موجوعاً حتى في غربته المتعلقة بواقع الاحتلال والذكريات والحرمان من الحقوق وانتزاع الحلم. فهل كلنا ضحايا هذا العالم؟
رغبة الخلق والخلود واستثنائيات التفرد والتميز والهموم الروائية التي تستحوذ على الأفكار وعلى الروائي بشكل خاص، ليكون عالمه انضباطياً ومكشوفاً له حين يقوم بعبثية التغيرات القدرية، ليتلاعب بحياة الشخصيات التي تنتجها حبكة الخيوط دون تدخل الراوي، وكأن الشخصيات تسير على خشبة الواقع أو كرسام لأجساد البشر، وما بين دافني وليوناردو كما بين الهموم الفلسطينية والإيطالية أو الفروقات الإنسانية والنزعة العبثية. لتكون الرواية خلطة سريالية بوصفة روائية منتقاة بحنكة فيها من الأسطورة والحب والغرائبية ما يجعلها في دائرة فلسفية أو على مدار تاريخي سعى من خلاله للوصول إلى الرواية الشاملة عبر الثيمات الأساسية في الحياة: الحب والموت والحرب. وكأنه يتنزه في حديقة متخيلة نفسياً أو كالمريض النفسي الذي يرى شريط الحياة كأنه أمام مسرح الدمى الروسية المتحركة، متمسكاً بالحبكة مركزاً على الخيال لإظهار القلق الإنساني المعاصر ومشاكله وأسئلته والبحث عن الهوية وتأثير الماضي على حيواتنا، وتأثير الحرب غير المباشر على الشباب وتطلعاتهم. ليصبح كاظم مكسوراً منهكاً مملوءاً بإعطاب داخلية لا يمكن إصلاحها، لهذا ختمها بمفردة "لا شيء".
بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.
تعتبر رواية "رجل واحد لأكثر من موت" للروائي محمد جعبتي تجربة أدبية معقدة وثرية تعكس تنوعاً كبيراً في استخدام التقنيات السردية والرمزية. من خلال هذا التحليل، سنستعرض العناصر الأساسية للرواية من منظور سردي أدبي، مع التركيز على الموضوعات الرئيسية والأسلوب السردي الذي يعتمده الروائي.
الرواية تعتمد على تقنية السرد غير التقليدي التي تجمع بين السريالية والواقعية. يبدأ جعبتي بتقديم النص من خلال عدسة سريالية، مما يسمح له بإدخال عناصر غير واقعية ضمن حبكة الرواية، وهذا يعزز من تعقيد السرد ويجعل القارئ يتفاعل مع النص على مستويات متعددة. السرد السريالي هنا ليس مجرد وسيلة للتعبير عن اللامعقول، بل هو أداة لفحص الأعماق النفسية والتجارب الإنسانية بطرق غير مباشرة.
تظهر الرواية أيضاً استخداماً مميزاً للرمزية. من خلال تداخل عوالم متعددة، يعكس جعبتي صراعات الشخصية وتجاربها بطرق تتجاوز الحدود التقليدية للأدب الواقعي. الشخصية الرئيسية "كاظم" تتجسد كرمز للصراع الداخلي والبحث عن الهوية، مما يعكس بوضوح تطلعات الفرد في مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية.
تشكل فكرة الموت والخلود محوراً أساسياً في الرواية. يقدم جعبتي الموت ليس كحدث نهائي، بل كعملية تعبيرية يمكن أن تعيد تشكيل الوجود والفهم الذاتي. الرواية تتناول كيف يمكن للأدب والفن أن يكونا قوة تعاكس الموت، وتكشف عن قدرة الإبداع على منح الحياة معنىً جديداً حتى في مواجهة الموت. من خلال الشخصية الرئيسية "كاظم"، يستعرض جعبتي أزمة الهوية والبحث عن الذات. الرواية تستكشف كيف يمكن للإنسان أن يخلق هويته الخاصة من خلال تجاربه ومعاناته، وكيف يتداخل الواقع والخيال في بناء هذا الكيان الفريد.
تدمج الرواية بين الواقعية والسريالية لتقديم رؤية متعددة الأبعاد للواقع. هذا الدمج يساعد في تعميق الفهم للقضايا النفسية والاجتماعية، ويتيح للقارئ اكتشاف كيف تتداخل الأبعاد المختلفة في تشكيل تجارب الفرد.
الشخصيات في الرواية ليست مجرد كائنات ذات أبعاد سطحية، بل تمثل جوانب متنوعة من الوجود البشري. "كاظم"، على سبيل المثال، يمثل تمثيلاً رمزياً للصراع الداخلي والبحث عن المعنى. من خلال تجربته، يعكس جعبتي الألم والفرح، التمزق والتماسك، مما يسمح للقارئ بالتعمق في التحليل النفسي للشخصية. الشخصيات الأخرى، مثل النساء والأطفال والحيوانات، تساهم في توسيع نطاق الفهم لكيفية تأثير المجتمع والبيئة على الأفراد. الرواية تقدم نظرة متعددة الأبعاد للتجربة الإنسانية، مما يعزز من قوتها كعمل أدبي معقد.
تتسم البنية السردية بالرواية بتنوعها وتداخلها. الاستخدام الفعّال للفصول المتقطعة والتقنيات غير الخطية يعكس كيفية تشابك الأحداث والأفكار في حياة الشخصيات. هذا التداخل يعكس واقعاً معقداً حيث تتداخل الأزمنة والأماكن، مما يتيح سرداً غنيّاً متعدد الأبعاد.
تستعين الرواية بالرمزية والميثولوجيا لتقديم طبقات إضافية من المعنى. الرموز، مثل شجرة الزيتون والجميز، تحمل معاني تاريخية وثقافية تعزز من عمق النص. هذا الاستخدام للرمزية يضفي بُعداً إضافياً على الرواية، مما يسمح للقارئ بفتح قنوات جديدة للتفسير والتحليل.
رواية "رجل واحد لأكثر من موت" للروائي محمد جعبتي تقدم تجربة سردية فريدة تجمع بين السريالية والواقعية، وتستعرض قضايا معقدة مثل الموت، الهوية، والواقع والخيال. من خلال أسلوبه المميز واستخدامه للرمزية والتقنيات السردية غير التقليدية، ينجح جعبتي في خلق عمل أدبي متعدد الأبعاد يثير التأمل ويحفز التفكير النقدي. الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي استكشاف عميق للتجربة الإنسانية ومعناها.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol