هل لبناننا الجميل هذا وطن نهائي؟ قراءة في كتاب "الأمة اللبنانية" للدكتور إسماعيل الأمين
ضحى عبدالرؤوف المل
يخصص الدكتور إسماعيل الأمين في كتابه "الأمة اللبنانية"، الصادر عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، الكثير من الأقوال المنتمية إلى الحكمة وخلاصة القول وما إلى ذلك. إذ يختصر الأفكار ويبتعد عن الفكر الغربي بعد إبراز ما استند إليه من خلال وضع الأمة اللبنانية بين نقطتين: القوة والفعل، وذلك على ضوء منجزات الفكر الغربي حول الأمة عامة والأمم الغربية خاصة. معتمدًا على ثلاث محاضرات منها لأرنست رينان، رغم أن ألمانيا وإيطاليا سبقتا محاضرات رينان إلى الوحدة والتكوين القومي. وذلك بتذويب النقاط التي يناقشها في النتائج وتطورات التفاعل التاريخي، متنقلاً بين الدول الخمس التي نشأت، والتظاهر ضد إعلان دولة لبنان الكبير، لنشعر بسخونة البحث التاريخي الذي يقدمه بسلاسة يعيد من خلالها رسم الأحداث، وبمواصفات ترتبط بالبحث عن الأمة العربية الواحدة ذات المشاكل والعلاقات المشتركة وحتى ذات التاريخ القديم الذي وحدها ووضعها في دول لكل منها سياسته ونهجه وما إلى ذلك.
إذ يبرز السؤال الأهم في بداية الكتاب: "هل من قضايا لبنانية بحتة وملحة لا ترتبط بالعلاقات الإقليمية والدولية، ولا بطبيعة التماس مع القضية الإقليمية الأشد سخونة، أي الاحتلال الصهيوني، ذي الغالبية اليهودية دينًا والغربية الأوروبية أعراقًا، لفلسطين ذات الغالبية الإسلامية دينًا والعربية والفلسطينية أعراقًا؟" ليبدأ القارئ بعد كل هذا التحفيز بالتوغل في الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها والغد الذي يصنف الأمة العربية كأمة تاريخية أصيلة لا يمكن قهرها حتى عبر التاريخ لما تحمله من مواصفات عددها وفق استفزاز نقاشي مباشر مع القارئ وعبر التاريخ نفسه.
من هم مستكشفو صياغة تاريخ المنطقة؟ ومن هم الكتاب الغربيون الذين وضعوا تاريخ شعوب الشرق الأوسط لما قبل الميلاد والدعوة الإسلامية؟ وهل تنفي المحاضرات الثلاثة تاريخ الأمة العربية؟ أم أنها تؤكد على أن الأمة العربية يمكن إعادة أمجادها على ما كانت عليه قبل الإسلام؟ وأين العرق الصافي في العالم المعاصر؟ وما دور الفتوحات الإسلامية في خلق ثورات اقتصادية؟ إن التحولات الدينية في العهود الإسلامية والمد الحضاري شملت الوعي الثقافي والسياسي والاقتصادي، ومن ثم إلى اللغة التي يعتبرها "تشكلات تاريخية لا تشير إلى دماء من يتكلمونها"، لتكون مؤثرات الأطر الفكرية على المستويين المحلي والأوروبي نقطة هامة نغوص بعدها في الاستكشاف الذي يتخلله الكثير من وقفات نهلل لها ونستبشر منها. "للخروج من هذا الهدف لا بد من تغيير الأجيال الجديدة عبر نظام تربوي جديد" ليكتسب الفصل الأول صفة البحث عن تاريخ الأمة العربية والأدوار المركزية لقادة ومحاربين كان لهم الدور الأكبر في تحقيق ما يسمى الأمم الحديثة في أوروبا. فهل فينيقيا تشبه حلم العودة أم أن الفصل الثاني الذي بدأ بمقولة الإمام علي: "دولة الفجار مذلة الأبرار" هو لتحديد سمات الأمة الإسلامية أو التأكيد على الأمة العربية الواحدة في فكر الأمة الإسلامية التي تحدد سلوكيات وسياسات ونظريات وأقوال عن "أشد عناصر تكوين الأمة الإسلامية بنظر دعاتها المعاصرين هو وجود الأمة بمنطق أعدائها"، الأمة التي ترفض إسرائيل هي التي تشكل مطامع الأمم، وربما "يغمرنا شعور بالغبن لدى مناقشة قضايا الإسلام والمسلمين من خلال الفكر الغربي الحيادي الجاهل والمغرض والخبيث" في حين أنه يمثل العدالة. فما هي الهزيمة الحضارية في كتاب "الأمة اللبنانية"؟
مشقة التكوين لأمة يراها الدكتور إسماعيل الأمين بين الفكرين الغربي والإسلامي هي استحالة تكمن في عمق هذين الفكرين. فالامة العربية اليوم وارثة لتراث حضاري غني وواسع يشمل شتى الحضارات التي دخلتها وتفاعلت معها، من مصرية وآشورية وبابلية وفينيقية وغير ذلك. إذن، الأمة العربية في تاريخها ليست عربية صرفة. وما بين الاستثنائيات والأساسيات لا يمكن تصنيف النقاد المهمة، وفصلها عن النقاط الثانوية التي بحث فيها وقدمها للقارئ. لتكون بمثابة يقينيات يؤكد من خلالها فكرته أو النواة التي يريد زرعها من جديد لتولد الأمة العربية صحيحة معافاة من سموم تسربت إلى فينيقيا الجديدة التي تصارع الموت، كما يصورها في كتابه. وما بين الفصل الرابع والفصل الخامس يضيء زيت أفلاطون، كما تبرز مشكاة النور مع قول يسوع: "لا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت"، ليستنتج القارئ أن الأمة العربية القادمة هي أمة عربية.
إقصاء الشوائب من الاستنتاجات التي توصل إليها الدكتور إسماعيل الأمين في خضم اهتماماته بالفكر العربي والأمة التي تحتاج إلى التكاتف لكي لا يزج لبنان في أتون المخاطر التي تنطوي على عدة أسئلة أترك للقارئ استكشافها لأنها بحق تضعنا أمام عدة مفترقات رئيسية أو بالأحرى في متاهة تركها الدكتور الأمين في مهب أفكار ووجدان كمال الصليبي وأمين معلوف، ومن ثم الانتقال إلى وضع العرقية على المستوى السياسي، ومعالجة ذلك بالتفصيل من خلال العودة إلى مفردتي العرق والشعب وفروقات ما بينهما. "إذ يرى توماس هايلاند إريكسن أن الناس يصنعون التاريخ على الرغم من أنهم لا يفعلون ذلك في ظل ظروف من خيارهم." فأنثروبولوجيا الألفية الثالثة واليسار هما في تسابق محموم قبل الخاتمة التي يؤكد فيها "الأمة تولد وتموت بشعب واحد". ولا أدري لماذا اختار الشعب وترك العرق لأعرق الأمم ونقطة على السطر.
حقيقة، كتاب استفزني، وأنا لا أمثل موقفًا في هذا المقال، إنما مجموعة تساؤلات عن قراءة انطباعية اتسمت بحلم الأمة اللبنانية وعظمة فينيقيا، ولكن... جعلني هذا أضع الكثير من الأسئلة التي ناقشها الدكتور إسماعيل الأمين بانسياب ووضوح وموضوعية، ربما! لم يتم مراعاة الخروج من فينيقيا أو الدور الحضاري الذي لعبته دول البحر الأبيض المتوسط، وهذا يحتاج إلى مفاهيم أخرى تدعم ما جاء في هذا الكتاب. إذ لا يمكن للقارئ أن يخرج من أمة "إسماعيل الأمين" العربية دون سؤاله: هل تريد للأمة العربية العودة إلى الدور الفينيقي وإلغاء الحدود وجعلها ممتدة جاهزة لتتنافس مع الأمة الغربية؟
بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس العرب ، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.نوعا ما أو تحديثية
كتاب "الأمة اللبنانية" للدكتور إسماعيل الأمين يعكس محاولة عميقة لاستكشاف الهوية اللبنانية من خلال عدسة تاريخية وفكرية معقدة. الانطباع الأولي الذي يتركه الكتاب هو شعور بالبحث المستمر عن جوهر الأمة اللبنانية ووجودها في سياقات تاريخية وثقافية متنوعة. يقدم الأمين رؤية مركبة للأمة اللبنانية، محاولاً توضيح العلاقة بين لبنان وتاريخه، مع التأكيد على التأثيرات الغربية والإسلامية على تطوره. إذ يبرز الكتاب كمحاولة جادة لإعادة رسم صورة لبنان ككيان فريد يجمع بين عناصر حضارية متعددة، مع تشديد على الحاجة لفهم التاريخ اللبناني بطريقة أكثر تعقيدًا وعمقًا.
يركز الكتاب على تحليل دور لبنان في سياق تاريخي وجغرافي أوسع. الأمين يحاول تقديم لبنان كأمة تتسم بالفرادة التاريخية والحضارية. يتناول الدكتور الأمين العلاقة بين لبنان والتاريخ الغربي، ويستعرض تأثيرات الفكر الغربي على فهم الهوية اللبنانية، ويضع لبنان في مقارنة مع دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا من حيث الوحدة والتكوين القومي.
الكتاب ينظم الأفكار بشكل منطقي، حيث يبدأ بمناقشة الأسس التاريخية للبنان ثم ينتقل إلى تأثيرات الفكر الغربي والإسلامي على تكوين الأمة اللبنانية. تتضح محاولة الأمين في تقديم صورة شاملة ودقيقة، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات محاضرات رينان والأفكار الغربية على الفهم التاريخي للبنان.
يعكس الكتاب التوترات والصراعات الداخلية التي قد يعاني منها الشعب اللبناني في سعيه لفهم هويته الوطنية. يعكس أسلوب الأمين محاولات مكثفة لتفكيك الصور النمطية والقصص السائدة حول الهوية اللبنانية، ويبدو أنه يسعى لتعزيز شعور الفخر والانتماء لدى القراء من خلال استعراض الغنى الحضاري والتاريخي للبنان.
الكتاب قد يثير مشاعر من التحدي والبحث العميق في النفسية اللبنانية، حيث يسلط الضوء على الهويات المتعددة والمتباينة التي تشكل النسيج الاجتماعي للبنان. هذا التوتر الداخلي يمكن أن يكون محركًا للرغبة في فهم أعمق للهوية اللبنانية واستكشاف سبل الوحدة والتقدم.
، يعيد الكتاب النظر في مسألة تكوين الأمة اللبنانية وعلاقتها بحضارات الشرق الأوسط وأوروبا. يقدم الدكتور الأمين تحليلاً تاريخيًا يربط بين الأحداث التاريخية الكبيرة والتطورات الثقافية، ويعتمد على دراسة تفصيلية لمراحل مختلفة من تاريخ لبنان. يشير الكتاب إلى التأثيرات الغربية والإسلامية على التطور اللبناني، ويستعرض دور الفتوحات الإسلامية في التحولات الاقتصادية والثقافية.
الكتاب يعرض لبنان في سياق تاريخي واسع، مما يتيح للقارئ فهم دور لبنان في السياقات الأوسع للأحداث التاريخية وتفاعلاته مع الحضارات الأخرى. يتناول الكتاب أيضًا استراتيجيات بناء الهوية الوطنية والبحث عن دور لبنان في الساحة العالمية، مما يعكس تطور الفكر التاريخي اللبناني من ماضٍ متنوع إلى حاضر معقد.
"الأمة اللبنانية" هو دراسة مكثفة تبحث في جوهر الهوية اللبنانية من خلال التاريخ والثقافة والتأثيرات الفكرية. يقدم الدكتور إسماعيل الأمين تحليلاً عميقًا وشاملاً يعكس تطور الأمة اللبنانية وتفاعلاتها مع الفكر الغربي والإسلامي. الكتاب يجمع بين التحليل الموضوعي والانطباعي والنفسي، مما يجعله مساهمة قيمة في فهم تاريخ لبنان وهويته الثقافية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol