المتن الحكائي وتخوم السرد العربي

قراءة في رواية "الشيطان يحب أحيانًا" للروائية "زينب حفني"

ضحى عبد الرؤوف المل

يبلغ ضعف الإنسان ذروته بعد إصابته بالأمراض التي تنهك جسده، وتترك الفكر يتقد في حسابات زمنية تمر كالشريط السينمائي في مادة حكائية ذات متون مدوية لأبطال البيت الواحد، ولمواضيع اجتماعية طرحتها الروائية "زينب حفني" في روايتها "الشيطان يحب أحيانًا"، والصادرة عن "دار نوفل" أو "هاشيت أنطوان"، بهواجس وأحلام، وملامح سردية تصف من خلالها عائلة بشخصياتها تعيش في أعماق تربة اجتماعية امتدت إلى مصر بأصولها العربية، المتمسكة بالعادات والتقاليد، لتنتقد ذلك. ولكن بالتصاق عربي لم يفارقها رغم معارضتها للمبادئ الإنسانية التي انتهكها مالك، ولم يتنبه لها سراج إلا في نهاية الرواية القائمة على غدر مالك بإخوته واستئثاره بمال العائلة له وحده. لتكون الرواية مبنية على خطأ اجتماعي في التربية لم يكن للواقع فيها، إلا ما ارتسم مع الحكاية التي بدأت من غرفة مالك وهو على فراشه الأخير بعد إصابته بجلطة ثالثة جعلت منه الرجل العاجز بعد وفاة زوجته التي خانها أكثر من مرة، وهي من عشقت الشاب المصري ولم تتزوجه. لتلتقي به في المتن الحكائي وتخوم السرد العربي الثري بالعادات والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بالنسق السردي ومستوى الإشكاليات وأساليب معالجتها مع سراج الابن الذي قرر البدء بإعادة الحقوق لأصحابها. لتكون مسيرة حياته بعد أن ضاع نصفها مرتبكة وغير واضحة من جوانب عديدة أوضحتها "زينب حفني" لتتوارى خلف آلية الصياغة الروائية من خلال أسرة امتدت جذورها إلى بلدان أخرى.

فطنة اجتماعية حساسة وانتقادية في صياغتها الممتزجة بالدور الأسري المهيأ لمشاكل وحلول وقضايا عالقة في بطن السرد السريع، وتوصيل المفاهيم عبر غواية الرجل المتعدد العلاقات، والخيانات ذات الخلفية المرضية ورفدها بتعلق الأم المرضي بالابن، وتأثير ذلك على مساره الحياتي، بتفاطعات تخللها الكثير من الزيجات الفاشلة التي اكتسبت مرضًا نفسيًا ارتبط بالأم وأسلوبها التعاملي مع الابن الذي تعلقت به. لتعويض نفسي أصيبت به نتيجة خيانات زوجها المتكررة وحبها لرجل لم تتزوجه لأسباب اجتماعية أيضًا. وخلال مسيرة مالك الحياتية تنامى المضمون الروائي بأسلوب تحليلي وحدس تأويلي شاركت به القارئ ببسط الهموم العائلية المتوالية، وبارتداد نفسي عكسي نتج عنه الإحساس بالذنب، ومدلولات تتيح لزينب حفني العودة إلى التقاليد الأسرية، والتقيد بها وإن طال الزمن، للإحاطة الاجتماعية بجزئياتها وتركيباتها الحكائية ضمن شخصيات سلبية وأخرى إيجابية. لكنها تتعايش في الواقع الروائي الذي لم يخرج من العادات والتقاليد إلا بالخفاء، وإن اعتمد على شخصية مالك كأساس بنائي تحول من الشباب إلى الشيخوخة فالموت، منتزعة منه بذلك اعترافات هي تخيلات محشوة باتهامات زادت من تأنيب ضميره لفراغ أسري أصيب به أيضًا.

شخصية مالك والحدث الساخن في صفة ارتكبت الإثم وأخفت الكثير من النزعات الدونجوانية بمواقف امتعضت منها الأم ولم تواجه بها الزوج. لكنها كانت تدرك خياناته المتكررة بعد الحب الأول الذي بنى على امرأة تكبره وهي أم لصديقه وفارقها بعد ضغوطات عائلية جعلته في صراع استمر طيلة حياته وانتقل إلى ابنه سراج المدرك بعد أكثر من فشل لزواجه أنه المخطئ مع زوجات طلقهن، ولكن تراكم الإحساس بالخطيئة يؤدي إلى أمراض نفسية تبلغ ذروتها في صنع المأساة العائلية التي وقع بها مالك، ومن ثم سراج الذي قرر إعادة الحقوق إلى أصحابها بعد وفاة والده ومحاكمة ذاته لانتشالها من البؤس والوحدة وللاسترجاع المشهد تلو المشهد الذي أودى به إلى كل ذلك.

رواية اجتماعية تعالج القضايا الإنسانية بأسلوب حكائي مع شخوص تعددت صراعاتها الداخلية، ونجم عنها صدامات أخلاقية وأخرى مادية، ومن يتعمق بالمضمون يجد أنها لم تفارق اجتماعيًا عادات البلاد العربية ونظرتهم الاجتماعية، فالرؤية والحدث والمتغيرات في السلوكيات برزت بمنطق الحكاية العائلية، والداخل الأسري الذي ما برح يعالج المتناقضات في المجتمع، ومأساوية الشباب ومعاناتهم في التدخل المباشر بقضاياهم الحياتية ومستقبلهم في بناء الأسرة. ليبقى السرد ضمن التقاليد وسيطرة الأب والأم. إذ يبرز الفعل النفسي كأهم الأوجاع التي يتعرض لها الشباب والمرأة بشكل خاص. إذ يبدأ مشوار سراج من النهاية، وبتصحيح أخطاء الماضي والاهتمام بالأسباب التي أودت إلى مقاطعات عائلية أبرزها مع عمه وعمته. فهل تمثل رواية "الشيطان يحب أحيانًا" للروائية زينب حفني خلاصة الرؤية العائلية في المجتمعات العربية؟

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة الصباح العراق ، أعدت قراءة الرواية وكتبت عنه برؤية جديدة.

تجذب رواية "الشيطان يحب أحيانًا" القارئ منذ الصفحات الأولى بتأملاتها العميقة في العلاقات الإنسانية والأسرية. تنبض الرواية بمزيج من التوتر والتعقيد العاطفي، مما يخلق تجربة قراءة مكثفة وثرية. تسلط الرواية الضوء على الانقسامات والصراعات الداخلية التي تعاني منها شخصياتها، مما يتيح للقارئ التعاطف مع أبطالها وتفهم دافعهم وتناقضاتهم.

موضوع الرواية يدور حول مفهوم العائلة والصراع الداخلي والخارجي الذي ينشأ من خيبات الأمل والخيانة والتقاليد الاجتماعية. تركز الرواية على علاقة مالك بزوجته الراحلة وسر العجز الذي يعيشه بعد إصابته بجلطة. تتناول الرواية أيضًا تأثير القيم الاجتماعية والتقاليد على الأفراد والعلاقات الأسرية، مما يعكس تناقضات وتحديات العصر الحديث في ظل الثوابت الثقافية القديمة. شخصية سراج، الابن، تمثل جسرًا بين الأجيال، حيث يسعى لإعادة الحقوق وتصحيح الأخطاء بعد وفاة والده.

تستكشف الرواية بعمق النفس البشرية من خلال تصوير الشخصيات المتأزمة نفسيًا. شخصية مالك، على سبيل المثال، تعاني من ضغوط نفسية شديدة نتيجة خياناته وزواجه غير المستقر. هذه الضغوط تترجم إلى أزمات نفسية تؤثر على علاقاته مع الآخرين. شخصية الأم التي تعاني من تعلق مرضي بالابن والتأثير النفسي لخيانة الزوج تعكس تعقيدات الصدمات النفسية وكيفية تأثيرها على حياة الفرد. الرواية تقدم صورة واضحة عن كيفية تأثير الصراعات الداخلية والخارجية على الصحة النفسية للفرد وتقديره الذاتي.

تستخدم زينب حفني تقنية السرد المزدوج بين الماضي والحاضر لبناء الحكاية بطريقة تعكس التحولات الزمنية والتطورات الشخصية. تبدأ الرواية بنهاية حياة مالك، ثم تنتقل عبر فلاشباك لاستكشاف حياة الشخصيات وماضيها. هذا الأسلوب يعزز من فهم القارئ للأسباب وراء تصرفات الشخصيات ويساهم في بناء التوتر الدرامي. كما أن الرواية تستفيد من التنقل بين وجهات نظر الشخصيات المختلفة لتعميق الفهم للشخصيات وتنوع تجاربها.

، تتميز الرواية بأسلوب سردي يوازن بين الوصف العاطفي والتفاصيل الدقيقة. تعتمد زينب حفني على لغة أدبية ثرية وتفاصيل حسية لخلق مشاهد حية وواقعية. التصوير الجمالي للمشاعر والصراعات يضفي عمقًا على الرواية ويعزز من تجسيد الشخصيات وتجاربها. تميل الرواية إلى استخدام رموز وتلميحات تبرز جماليات النص وتضيف بعدًا فلسفيًا للأحداث.

تسعى الرواية إلى التعبير عن الصراعات العاطفية والفكرية من خلال لغة تعبيرية قوية، مما يعكس عمق المشاعر الداخلية للشخصيات. استخدام زينب حفني للأوصاف الدقيقة والتعابير المؤثرة يعزز من قدرتها على نقل المشاعر وتجارب الشخصيات بشكل مؤثر. التركيز على تفاصيل الحياة اليومية والصراعات الداخلية يعزز من التفاعل العاطفي للقارئ مع النص.

توفر رواية "الشيطان يحب أحيانًا" تجربة قراءة متكاملة تجمع بين التحليل النفسي العميق، السرد البارع، والجمال الأدبي. تسهم الرواية في تقديم رؤية متعددة الأبعاد للعلاقات الأسرية والتحديات النفسية، مما يجعلها عملاً أدبيًا يستحق التأمل والتفكير.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol