فترة الترسيخ: قراءة في "كتاب الانتقال العسكري" لـ"نارسيس سيرّا" وترجمة "وفيقة مهدي"

ضحى عبدالرؤوف المل

تتضح مسارات كتاب "الانتقال العسكري" لـ"نارسيس سيرّا" وترجمة "وفيقة مهدي"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، بأنها ليست وصفية أو تاريخية، وإنما هو كتاب معياري، وهو مزيج من عدة اصطلاحات بحثية لإظهار قيمة تطابق المشاكل ومواجهتها باستخدام القوة، وعلى وجه التحديد لتحرير هذا المجتمع من أي خطر قد يهدده. فتقاسم القيم نفسها بين العسكريين والمجتمع جعل الكثير من الدراسات تبحث في وجهات النظر لتحديد ذلك أو حتى إشكالية أن يكونوا مختلفين، ليكونوا كفوئين وبين أن يكونوا أقرب للقيم. وما بين هانتنغتون وجانوفيتش شبه تناقض، معتبرًا أن قول هانتنغتون كان خطيرًا، بينما تبقى معايير جانوفيتش سارية المفعول. ويحاول "نارسيس سيرّا" في هذا الكتاب غربلة وجهات النظر وتبيانها للاطلاع على كل الاتجاهات، من أجل تبسيطها واتباع المعيار الذي كان ذا فائدة في حياتي المهنية، بأن وضوح الأفكار هو أفضل وسيلة للتعامل مع الأوضاع المعقدة. وهذا ما جعل "نارسيس" يبسط النقاط البحثية أمام القارئ قبل البدء بتناول الانتقال العسكري. فالتأملات في النقاط الأساسية نتج عنها قناعات، أهمها "أن كيفية تخطيط وقيادة مرحلة إصلاح عسكري هي عامل جوهري وضروري لنجاحها". فما هي علاقة السياسة بالإصلاح العسكري بالانتقال؟

تحليلات سياسية مبنية على عدة رؤى واستنتاجات من أبحاث لجأ إليها "نارسيس سيرّا" للانتقال والترسيخ لخطوات رئيسية. إذا أضفنا معيار السيطرة إلى معيار الكفاءة، التي يجب اتباعها في أي قطاع من قطاعات الإدارة، فسيكون لدينا هدفان أساسيان للسياسة العسكرية. وربما هذا نموذج بياني لخط سير الكتاب الذي يوضح من خلاله عملية التحول، لنجاح المسعى البارز في السيطرة على نزاعات بدأت مع سقوط الديكتاتوريات، "هناك ديكتاتوريات عندما لا يكون هناك ثقافة ديمقراطية". فالنهوض بالأفكار نحو التطلع إلى نجاح عملية الانتقال يحتاج إلى استخراج النهوج بإحصاء كل ما يمكنه تأكيد القبول على قواعد اللعبة الديمقراطية، رغم أنه لا بديل عنها. فكيف يمكن حماية الحقوق وما هي النقطة المحورية لترسيخ الحقوق؟

برزوورسكي بين نقطة الهدف ونقطة الأصل وتلخيص نقاط طرحها "روبرت دال"، ومثال فنزويلا والحالة الإسبانية وصعوبات تعريف الديمقراطية وحزمة الانتقالات التي اختارها المؤلف للتأكيد على أهمية التأملات حول الإصلاح العسكري والعموميات البديهية، ليست بالاكتشاف، إنما هي تحليل الظاهرة السياسية وإعادتها إلى جذورها أسبابًا ومسببات اقتصادية اجتماعية استعمارية. فسيكولوجية الشعوب لا تختلف كثيرًا بين شعب وشعب. لهذا نرى "نارسيس سيرّا" يبرز إحصاءات وجد فيها أن 39 دولة من أصل 145 كانت تتمتع بالديمقراطية. فهل كل المجتمعات مؤهلة للديمقراطية؟ ومتى يرتفع الوعي الديمقراطي ويتأهل الإنسان بالكامل كي يكون حضاريًا؟ وما هو الإصلاح العسكري؟

إسبانيا وتوطيد السلطة والإصلاح العسكري كنموذج استعراضي لمسار الأحداث، يمكننا أن نبرز أربع خصائص على مدار عملية تعزيز العلاقات بين المدنيين والعسكريين. "فضرورة التقدم يجب أن تكون ناجمة عن إدراك ووعي، لأن الإصلاحات الشاملة بكافة ميدانيها مسألة ضرورية في المرحلة الانتقالية"، ويترتب على تطبيقها رؤية شاملة لخطوات متوازية مع خضوع الجهاز العسكري للحكومة. فوجهات النظر في هذا الفصل تبدو وكأنها نظريات دراسية وأمثال تُعطى لتكون بمثابة النظرية الجوهرية التي تم تطبيقها في دولة ما ونجحت. فهل يمكن للنظريات أن تنجح بشكل عام على جميع الدول؟ وهل يمكن تجاهل قدرات الشعوب وفق مقاييس الجهل والمعرفة فيها؟ أم أن "نارسيس سيرّا" في هذا الكتاب يقدم محاضرة عن الانتقال العسكري مع أمثلة تعزز هذه التأملات حول الإصلاح الديمقراطي للقوات المسلحة؟

لا تترسخ السياسة لأنها تأخذ لبوسًا لكل زمان ومكان، ولأنها كالزئبق أو كائن متحرك بسبب الأطماع والمصالح. أما المهنة العسكرية وسماتها المميزة في هذا الكتاب، فهي تتضمن برنامجًا ومنهجًا وقناعات بأنها مجموعة منفصلة. وبرأي هانتنغتون، إن مشاركة الضباط في السياسة هي التي تضع الألغام في طريق مهنيتهم وتحد من كفاءاتهم، وتضعف المهنة وتستبدل بقيم أخرى غريبة عنها. فالعوامل لتأسيس الجيوش هي سيكولوجية بحتة مع منهج مكتمل النظريات والمضمون، لتتكون القوى العسكرية وتميل للخضوع للسلطة بل مجبرة على ذلك، والانسجام مع المبادئ الديمقراطية التي تشكل تحصينًا للمؤسسات وسبل التعريف في ماهية ذلك اتخذت وجهات نظر كثيرة، لكل منها اتجاهاته دون منح المهنة العسكرية أي تطورات. إنما هي استعراض للأسس والقوانين والمناهج المعروفة، إضافة إلى التدابير المؤثرة في صلب المهنة العسكرية وعقيدتها. هذا إلى جانب السيطرة على مستويات النزاعات. فما هو المزج بين ما هو سياسي وما هو عسكري؟ وما هو النتاج الأدبي مع الكاتب ميغيل بلاتون ومحادثته مع العسكريين؟

لن أقول إن الكتاب يقدم نظريات غنية بالإصلاحات التي تم تطبيقها في بعض الدول، ومنها ما نجح، ومنها ما زال ينتظر، ومنها ما يحتاج للتحديث ليتوافق مع التخطيطات العسكرية ومع مفهوم الديمقراطية ومع التغيرات التي تحدث في بعض الدول ومهام حفظ السلام. أشرت سابقًا إلى أن سياسات الإصلاح المدرجة في إطار هذا المحور غير متجانسة، لكن لا يمنع من تطبيقها بصورة مترابطة. فالإشكاليات كثيرة واستعراضها يقدم المزيد من النظريات التي تحتاج إلى العمل بها والقيام بالإصلاحات التي من شأنها تقديم الدعم العملي أو الفعلي لهذه التأملات، ليبقى على النقاش حول السياسة العسكرية مفتوحًا مع استنتاجات محصورة بقسمين: "القسم الأول يحتوي على اقتراحات ترمي إلى إجراء إصلاحات ضرورية في عملية الانتقال إلى الديمقراطية، أما القسم الثاني فيحتوي على تأملات نسبية حول التحكم المدني بالعسكريين في كل من المرحلة الانتقالية وحالة الديمقراطية الموطدة". فهل يمكن حفظ السلام إن تمت التغييرات في أنماط عمل الجيوش؟ أم أن ما قدمه "نارسيس سيرّا" هي نقاط نظرية غير مدرجة للتفعيل، وإن قدم على ذلك بعض الأمثلة في دول ما؟

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي ، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.

يقدم كتاب "الانتقال العسكري" لـ"نارسيس سيرّا"، وترجمة "وفيقة مهدي"، تحليلًا عميقًا لعملية الانتقال من الأنظمة العسكرية إلى الأنظمة الديمقراطية. يعالج الكتاب موضوعات مهمة مثل العلاقة بين العسكريين والمدنيين، وإصلاح القوات المسلحة، والتحديات المرتبطة بالتحول الديمقراطي في سياقات متنوعة. من خلال قراءة نقدية لهذا الكتاب، سنسعى لتقديم تحليل انطباعي موضوعي وعقلاني منطقي وديمقراطي من منظور إصلاحي.

يقدم الكتاب منظورًا إصلاحيًا يركز على أهمية التكيف مع متطلبات الديمقراطية خلال مرحلة الانتقال. ينظر "نارسيس سيرّا" إلى الإصلاح العسكري كعامل حاسم في هذا السياق، حيث يعتبر أن القيم العسكرية قد تتناقض مع المبادئ الديمقراطية، وبالتالي فإن التعديل في البنية العسكرية وإدماج القيم الديمقراطية فيها هو أساس لتسريع عملية الانتقال. هذا المنظور يعكس الفهم بأن التغيير ليس مجرد عملية هيكلية، بل يتطلب إعادة صياغة القيم والممارسات العسكرية لتتوافق مع القواعد الديمقراطية.

يعرض الكتاب مقاربة متماسكة ومبنية على أسس علمية. يقدم "سيرّا" تحليلات مستندة إلى أبحاث ودراسات سابقة، مما يمنح الكتاب مصداقية علمية. كما أن الجمع بين النظريات المختلفة مثل تلك التي قدمها هانتنغتون وجانوفيتش يعكس حرص المؤلف على تقديم رؤية شاملة حول التحديات والممارسات المثلى في إصلاح القوات المسلحة. هذه العقلانية في التحليل تعزز فهم القارئ لكيفية تحقيق التوازن بين القيم العسكرية ومتطلبات الديمقراطية.

يعزز الكتاب المبادئ الديمقراطية من خلال التركيز على أهمية إصلاح العلاقات بين العسكريين والمدنيين. يؤكد "سيرّا" على أن التمسك بالقيم الديمقراطية ضروري لتأسيس بيئة مستقرة وقادرة على التعامل مع النزاعات. يتناول الكتاب أيضًا كيفية دمج القوات المسلحة في النظام السياسي دون المساس بكفاءتها، مما يعكس التزامًا بنظام ديمقراطي يعزز الشفافية والمساءلة.

الكتاب يوضح المنطقية في تطبيق الإصلاحات عبر استعراض أمثلة من دول مختلفة وتحليل نجاحات وإخفاقات تلك الإصلاحات. يقدم "سيرّا" رؤى مبنية على تقييم واقعي للنتائج، مما يساهم في تقديم صورة موضوعية للمسائل المرتبطة بالانتقال العسكري. الموضوعية في تناول الكتاب تعزز قدرة القارئ على فهم تعقيدات عملية الإصلاح والتحديات التي قد تواجهها. يستعرض الكتاب التباين بين النظرية والتطبيق بشكل فعّال، حيث يسلط الضوء على النظريات المختلفة حول الإصلاح العسكري والانتقال الديمقراطي، ويقدم أمثلة عملية على كيفية تطبيق هذه النظريات في سياقات مختلفة. وهذا يعكس تفهمًا عميقًا لكيفية تجسيد الأفكار الإصلاحية في الواقع العملي.

يظهر كتاب "الانتقال العسكري" لـ"نارسيس سيرّا" قدرته على معالجة القضايا الإصلاحية بفعالية. يعكس الكتاب التزامًا بالإصلاح من خلال تقديم رؤى متكاملة حول كيفية تحقيق التوازن بين القيم العسكرية والمتطلبات الديمقراطية. التحليل الموضوعي للكتاب يبرز الجهود المبذولة لفهم وتعزيز الانتقال الديمقراطي بطرق علمية ومنهجية، مما يجعله مصدرًا مهمًا للباحثين وصناع القرار المهتمين بالإصلاحات العسكرية والديمقراطية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol