فهم النهج البصري وإشكالية متغيرات الألوان وفق احتياجات الشكل

ضحى عبدالرؤوف المل

يستقر الغموض الحركي في أعمال الفنان رالف سكارلت (Ralph Scarlett) بتأثير لوني مضاعف، يستهدف من خلاله تسهيل فهم النهج البصري وإشكالية متغيرات الألوان وفق احتياجات الشكل في سياق هندسي يحتوي على معالجات يفككها منطقياً، أو بالأحرى رياضياً. ليضعها ضمن قياسات جيومترية يمارس عليها سلطة ريشة تمثل الحركة الضوئية أبرز أسسها في تشكيل المعنى، أو في بناء الأطر الهندسية التجريدية التي تؤدي إلى خلق معايير تشكيلية ذات احتياجات فكرية تسمح بتحديد المساحات المسطحة في لوحات تمثل الفكر الفلسفي في الفن التجريدي الهندسي. المؤدي إلى كافة الفروع في الفنون التشكيلية، أو في الفن الحركي الهندسي بشكل خاص، الذي يميل إلى الفيزياء والرياضيات من خلال اللون والشكل، وتنافس كل منهما في خلق حركة هندسية في لوحة يدعو "رالف سكارلت" من خلالها إلى التفكر بالمقاييس الخارجية أولاً، ومن ثم الداخلية، لاستخراج الجمال التجريدي من كل شيء حولنا. فهل يمكن اعتماد تشريح لوحاته لفهم ما يرنو إليه؟ أم أنه استطاع الانتقال من الكل إلى الجزء ليبرهن على قدرات الإنسان العقلية وحاجته إلى تسخير المعادلات البصرية لتكوين جمالي ذي رؤى فلسفية خاصة؟

بصرف النظر عن استقلالية الهندسيات في أعمال "رالف سكارلت"، أو بالأحرى فصل اللون عن الشكل لإظهار جملة الحركة العامة في أفكاره الجمالية وتحدياته الفلسفية، يمثل الإبداع الذهني الجزء الأكبر من التحريض البصري الذي يمارسه من أجل تحقيق المنهج المرن، وتطبيقه على العناصر الفنية الأخرى. لاختزال معالم اللوحة، وهذا يساعد في فهم أسس النقد الفني الذي يميل إلى التشريح لاستخراج قدرة الفنان ومقاييسه التي اعتمد عليها، وهذا يشكل بحد ذاته تحديات لفنانين آخرين ينافسهم "رالف سكارلت" بالفن نفسه، بحيث لو شرحنا لوحاته لوجدنا مسطحات بنائية تشكل كل منها النهج الفني أو البصري الذي اعتمد عليه في بناء لوحاته بشكل عام. لنميز بين الاحتواء اللوني والشكل، أو العكس بين الانفصال الشكلي والحس اللوني المستقل بخصوصياته من حيث نغمة اللون أو درجته في المزج، أي اللون الأساسي وفروقاته. ليكون اللون المركب أيضاً من معايير لها مقاييسها المتباينة مع الانعكاسات والأبعاد التي يقارنها بصرياً مع المساحات والفراغات، والانسياب الضوئي لقيادة التجريدات الهندسية نحو معادلة أحادية تمثل قوة الإرادة عند الفنان في الخلق الفني.

حاول الفنان "رالف سكارلت" ربط الشعور البصري بالألوان بالعالم الهندسي القابل للترجمة التشكيلية، المنبثقة من العوالم المختلفة من حولنا. وأقصد هنا عوالم العلم والمعرفة والجمال بفروعه كاملةً، وباستثنائيات يتخذ منها صفة النضج، وكأنه يمثل ثمرة هذه الفروع ليتلاحم الداخل مع الخارج وفق خطوط دقيقة تمثل القوة الحقيقية في اللوحة التي تعكس مفهوم الشكل الخارجي، وانعكاسه على الداخل وقوة المعنى التي تبرز من خلال خلق الأضداد. ليسيطر على الخارج ويبسط سلطته الفكرية على الفن التشكيلي متحدياً النظريات الجيومترية والهندسية المؤثرة على واقع العالم الإنساني، وبالتالي تؤثر على منهج الفن التشكيلي واستخراج الشوائب منه. لتتضح حتى معايير النقد وإشكالياتها من لوحاته. فهل تؤسس لوحات "رالف سكارلت" مدرسة نقدية معاصرة تضع حجر الأساس لمفهوم النقد بأسس ومعايير هي بمثابة نقطة على حرف؟

تتجلى الثقة الكبيرة في نفس "رالف سكارلت" من خلال لوحاته وتعريفاتها المسبوكة تشكيلياً وفق علاقات اللون والشكل، وهندسية الظواهر الجمالية التي تثير انعكاسات كل ما هو خارجي على واقع تم تجريده، وفكفكته نتيجة التوجس من الخلل الهندسي ونظرياته في التكوين المتزامن مع العناصر في اللوحة. ليتم تحرير الأشكال والألوان بصرياً، لو أردنا ذلك! فيتجلى الخط بقدراته القوية على وضع الأسس لتوحيد النماذج الفنية في بوتقة ضوئية تمثل الكل في جزء، التي سعى إلى تحقيقها بشكل كامل "رالف سكارلت"، لتبقى الخطوط الجانبية هي للتأليف وإظهار العلامات بين الأشكال التي يتخذ منها نظريات تؤيد مفاهيمه في فهم النهج البصري وإشكالية متغيرات الألوان وفق احتياجات الشكل. فهل يمكن الانطلاق من ثلاثية الفنان والعمل الفني والمتلقي لوضع لوحة ذات شروط فنية تميل إلى التجريد والهندسة ونحو غيرها من الفنون؟

برؤية أخرى

من خلال النظر إلى أعمال رالف سكارلت، تبرز أمامنا تجربة بصرية تجمع بين الإيقاع والتجريد بأسلوب مميز. يمكن وصف أعماله بأنها محاورة بين اللون والشكل، حيث تخلق تفاعلات بين العناصر البصرية تُثير الشعور بالحركة والديناميكية. يتجلى في أعماله غموضٌ حركيٌ يلتقط انتباه المشاهد، مما يتيح له تجربة تأملية تتجاوز التفسير السطحي للتجريد.

تستند أعمال سكارلت إلى استخدام اللون والتكوين الهندسي لخلق إيقاع بصري مميز. يدمج بين الأسس الهندسية والتجريدية ليضع القوانين البصرية في إطار منطقي ورياضي. تأمل لوحاته يبرز التفاعل بين الألوان والمعايير الجيومترية، مما يعكس التوازن والانسجام بين الأشكال والألوان. يُظهر سكارلت براعة في استخدام الألوان لتعزيز التكوينات الشكلية، مما يسمح بتحقيق تجريدات هندسية تعبر عن رؤى فلسفية وفكرية عميقة.

تعمل أعمال سكارلت على تحفيز الإدراك البصري بطريقة تعزز الاستبطان والتفكر. الألوان المتناقضة والتكوينات الهندسية تحفز الدماغ لاستكشاف العلاقات بين العناصر المرئية، مما يخلق تجربة حسية تشجع على التأمل والتفكير العميق. يمكن أن تثير اللوحات مشاعر متباينة من الغموض والوضوح، مما يعكس صراعاً داخلياً بين النظام والفوضى، وبين الاستقرار والحركة.

يجسد سكارلت القدرة على دمج الأشكال الهندسية والألوان بطريقة تعكس توازناً بين التكوينات الشكلية والتعبير اللوني. يستخدم التباين بين الألوان والخطوط لخلق إيقاع بصري يشد الانتباه. الأسلوب الذي يتبعه يجمع بين التجريد والهندسة، مما يعزز من قوة التعبير البصري ويدعو المشاهد لفحص التفاصيل الدقيقة والعمق المعنوي للوحة. التفاعل بين الألوان والخطوط يعكس مهارة فنية عالية في التلاعب بالإيقاع البصري.

جماليات أعمال سكارلت تتجلى في قدرتها على تقديم تجريد بصري من خلال استخدام الألوان والأشكال بشكل متوازن وجذاب. تتميز لوحاته بجماليات تجريدية تركز على التكوينات الهندسية وتباين الألوان، مما يخلق تجربة بصرية ممتعة تثير الإعجاب. الإيقاع البصري الناتج يعكس تناغماً بين الألوان والأشكال، مما يعزز من القيمة الجمالية للقطعة الفنية ويجعلها تجربة بصرية ممتعة.

تستخدم أعمال سكارلت الألوان والأشكال لتوصيل رسائل فلسفية وفكرية. تعبر اللوحات عن حركة ديناميكية ومرونة، مما يعكس إيقاعاً بصرياً يتنقل بين الثبات والحركة. التعبير البصري في أعماله يستند إلى استخدام الألوان بشكل استراتيجي، حيث يخلق تناقضات وارتباطات تعزز من قوة الرسالة المراد توصيلها. اللوحات تعبر عن تنوع في المشاعر والتجارب، مما يجعل كل عمل فني تجربة تعبيرية فريدة.

نجد أن أعمال سكارلت تنطوي على تفاعل معقد بين الألوان والأشكال التي تخلق حركة بصرية متتابعة. يشمل الإيقاع البصري تكراراً وتناوباً بين العناصر، مما يولد تآلفاً وتبايناً. الألوان المستخدمة تساهم في تعزيز هذا الإيقاع، حيث تعكس الحركة والتغير، بينما توفر التكوينات الهندسية نقطة ارتكاز تعزز من الاستقرار والنظام. يساهم الإيقاع البصري في خلق تجربة بصرية تتسم بالتوازن والتنوع، مما يضيف بعداً ديناميكياً للأعمال الفنية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol