صناعة الإنسانية المزيفة في رواية "الباندا"

ضحى عبدالرؤوف المل

ينتقد الروائي "إبراهيم حساوي" في روايته الصادرة عن دار نوفل بعنوان "الباندا" المظاهر الخارجية للواقع المبني على صناعة الإنسانية المزيفة التي من شأنها تضخيم حجمه، إما بتحجيمه أو بتضخيمه، ليضعه أما في خانة الأبيض أو الأسود. فما من حلول وسطية في رواية اجتماعية ذات صفات تتسامى فيها الحقائق الإنسانية المخفية، أي تلك التي لا ترى النور وتبقى طي العوالم الزمنية التي تعبث بها يد الإنسان. وكأنها الأقنعة التي مزقها "إبراهيم حساوي" بجرأة روائية لم يصل إليها سلطان الخراب، إنما أقنعة الجمال الاجتماعي المختمر تحت قبعات الفساد، والخضوع الإنساني لحب العظمة أو لقتل النفس بسلاح ذي حدين. أحدهما أصبحت له مسميات لجوائز انتقدها "إبراهيم حساوي" بوجع، صنع منه الباندا أو دورة الحياة التي تتمثل بالأجيال المتعاقبة، ليمنح الرواية بساطة لا يمكن إنكارها في عمله الروائي الذي تحايل فيه على جائزة نوبل التي تعتمد على منح الفرد صفة خاصة بين عموميات لا يمكن تصنيفها قياساً للعالم، ومن يعيش فيه بين المهن التي يحتاجها الإنسان بعيداً عن صناعة السلاح الذي انتحر به والده، ليؤسس بذلك نظرة إلى خلفيات الشخصيات والعودة بها إلى البيضة التي خرجت منها أو البيئة التي ترافق الأهداف المصنوعة من أجل ذلك.

يقتفي حساوي بحيوية شخوصه النسائية، البسيطة منها والمتسلطة، وبتنقيب عن الأثر النفسي الذي تتركه العلاقات النسائية بين بعضها البعض، ما بين فائقة الجمال كرحاب، وبين عمته السمينة المبدعة في تطلعاتها نحو الابتكارات التي من شأنها بناء المجتمعات لما تشكله من تناقضات تكمل بعضها البعض. لتبقى سعاد في عمله الروائي المرأة التي لا تحتاج للكثير لتعيش بعيداً عن جوائز نوبل وصراعات الكتاب والفنانين من تشكيليين وموسيقيين وسوى ذلك. إذ تطغى فريدة على الهدف الشبيه بالرصاصة التي انطلقت من المسدس بعد يأس أصاب النفس والإحباطات المختلفة، أو بالأحرى صنع الهدف الذي أفلت منه بعد أن تمكنت فريدة من إحراز الوصول إلى خط النهاية كما تشاء هي بدون تدخلات الراوي، كأنه يثبت للقارئ أنه معه كقارىء بتلاحم يتابع من خلاله تحركات شخوصه تبعاً للحدث المجازي وهو الوصول إلى جائزة نوبل من خلال شخصية لا تحمل في داخلها من معايير الجائزة إلا اسمها فريدة. لينتقم لروح أبيه أو رمزياً لروح الأجداد الذين لم تصل أعمالهم إلى جائزة نوبل رغم مواصفاتها الأخلاقية والإنسانية. فهل يمكن للباندا أن تتخطى بذلك التفاوت الاجتماعي وتفاوت ميزان العدل فيه؟

أماكن حول العالم ونقطة تجمع بؤرة المجتمع في كل زمان ومكان، إلا أن ما يمارسه الإنسان في أماكن مختلفة عن بيئته لا يمثل الكيان الذي خرج منه، وهي معرفة كلودين والتخبط بين رجلين، أحدهما مغادر للحياة، والآخر يمثل مستقبل الحياة. فالاختيار هو الباب الرئيسي المرسوم على غلاف رواية "الباندا"، وبتجريد ودلالات احتفظ من خلالها بفن مهنة ربما تستحق فعلاً الوصول إلى نوبل لما فيها من ابتكارات تجسد حاجة كبرى للإنسان في زمن بات بسرعته كرصاصة قتلت الإنسان الذي تكرمه جائزة نوبل للسلام.

منح الأفضلية لأشخاص لا يعني أنهم الأفضل على صعيد العالم، فالكل هو جزء من المكان أو الزمان الذي لا ينفصل عن جائزة صنع لها فريدة كما صنع الباب في شقة الفنانة التشكيلية سارة الزين، محاولاً إبراز قيمة الإنسان في عمله وأفعاله وصفاته، وكل ما يكون في جيناته الاجتماعية التي تخفي ما تخفيه كما أخفت رحاب ابنها المعاق عن أعين عمته، لأنها بذلك توحي بالتكامل الذي حصلت عليه في الحياة وهو الجمال والغنى والزوج البارز اجتماعياً الذي تعيش معه بعد أن انتحر زوجها، دون الخضوع إلى نتائج المصائر والإشكاليات التي تحدث في حياة عبثية لا تمثل العدالة فيها ما تمثله جائزة نوبل للسلام في رواية صنعت منها فريدة القادرة على تخطي عتبات لم تحلم بها، وهي التي احتاجت سيروم التجاعيد من زوجها المقعد الذي جعلت منه الث

وباء الاجتماعي الذي صنعته الأقدار، واهتمت به ليكون الستار المتين على وجه تخفيه بقناع المرأة الفاضلة والمحبة للخير وفق دلالات السرد الروائي الذي اتبعه إبراهيم دون عقد يسعى القارئ لفكها أو فهم تكوينها المبطن. فهل ينفي بذلك الحالة الحيادية أو الرمادية عن الباندا؟

تقنية روائية درامية تنبع من الشخصيات وقدراتهم على الحركة ضمن فضاء روائي تم تكوينه في أماكن وأزمنة للوصول إلى الرصاصة المزدوجة والقاتلة للإنسان في المعنى والمبنى والمشهد الذي خرج به عمران التل برصاصة وابنه من الباب، وترك الجسد بجانب نافذة مطلة على شارع طويل. وما بين النافذتين رسم حساوي تفاصيل حياة هي لرجل ترك الباب كما هو ورحل من أمام نافذتين، إحداهما تطل على حياة أكملها عمران التل بمخطوطة. ليكشف عن بواطن النفس المتذبذبة بين الأبيض والأسود.

برؤية أخرى

رواية "الباندا" للروائي إبراهيم حساوي تعدّ إحدى الأعمال الأدبية التي تحمل بين طياتها عمقًا اجتماعيًا وفلسفيًا يعكس رؤية ناقدة للمجتمع المعاصر. من خلال هذه الرواية، يعالج حساوي قضايا معقدة تتعلق بصناعة الإنسانية المزيفة وتناقضاتها، معتمداً على تقنيات سردية تعكس إلماماً عميقاً بأساليب الأدب الروائي المعاصر.

تستند الرواية إلى نقد اجتماعي يعالج المظاهر الزائفة في البناء الاجتماعي، حيث تسعى إلى كشف الأقنعة التي يرتديها الأفراد تحت ضغط المجتمع وقيمه المضللة. يُظهر حساوي كيف أن هذا التظاهر يمكن أن يكون ضاراً في تكوين الهوية الإنسانية الحقيقية، مشدداً على الفرق بين المظاهر والجوهر. عبر هذا السياق، تبرز الرواية "صناعة الإنسانية المزيفة" كمحور رئيسي لفهم الشخصيات وتفاعلاتها.

في الرواية، ينجح حساوي في تقديم سرد يجمع بين الواقعية والرمزية، حيث يمزج بين الأحداث الواقعية والتجريدية لتسليط الضوء على تناقضات المجتمع. يتناول حساوي من خلال الشخصيات النسائية، مثل رحاب وعمتها وسعاد وفريدة، التباينات في القيم الاجتماعية والتطلعات الفردية. هذه الشخصيات لا تمثل فقط تجسيدًا للواقع الاجتماعي، بل أيضاً تعبيراً عن الصراع الداخلي بين القيم والمظاهر.

يتبنى حساوي تقنيات سردية تمزج بين الواقع والرمزية، حيث يتعامل مع قضايا اجتماعية وسياسية عبر أفق رمزي يعكس الصورة الأوسع للمجتمع. الرمزية في الرواية، مثل استخدام شخصية "الباندا" كرمز لدورة الحياة والتناقضات الاجتماعية، تضيف بعداً إضافياً للفهم والتأويل.

تتجلى براعة حساوي في تصوير الشخصيات التي تعكس بدقة التباين بين المظاهر الحقيقية والباطنية. الشخصيات مثل رحاب وفريدة لا تعكس فقط التباين بين الطبقات الاجتماعية، بل تمثل أيضاً الصراع الداخلي بين الأهداف الشخصية وضغط المجتمع. هذه الشخصيات تنجح في جذب القارئ لتفحص التأثيرات النفسية والاجتماعية على الأفراد.

يسعى حساوي من خلال روايته إلى تقديم نقد اجتماعي عميق يتجاوز السطحيات. الهدف من رواية "الباندا" ليس فقط الكشف عن التناقضات والمظاهر الزائفة، بل أيضاً دعوة القارئ للتفكر في القيم الاجتماعية والإنسانية التي يتم تبنيها أو تجاهلها. ينقل حساوي من خلال شخصياته وأحداثه رسالة قوية حول الحاجة إلى تجاوز المظاهر والتركيز على القيم الحقيقية التي تعزز الإنسانية والمساواة.

يتميز أسلوب حساوي بالتفاصيل الدقيقة والبناء المتقن للأحداث، مما يجعل الرواية تتسم بالعمق والتعقيد. الأسلوب السردي يتيح للقارئ التفاعل مع الشخصيات وفهم تعقيدات الصراع الاجتماعي والنفسي الذي يواجهونه. كما أن استخدام الحوارات والرموز يعزز من تجربة القراءة ويزيد من تأمل القضايا المطروحة.

تُعد رواية "الباندا" عملاً أدبياً يقدّم رؤية نقدية اجتماعية حادة ومبنية على أسس فلسفية قوية. حساوي، من خلال روايته، يدعونا للتفكر في الأسس التي يقوم عليها المجتمع المعاصر ويقدم نقداً للمعايير الاجتماعية التي قد تكون مزيفة أو غير عادلة. بأسلوبه المتقن وقدرته على دمج الواقعية بالرمزية، يحقق حساوي هدفه في طرح تساؤلات عميقة حول الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

إبراهيم حساوي في "الباندا" يفتح أمام القارئ نافذة على عالم معقد يعكس التناقضات الإنسانية والاجتماعية، ويعزز من أهمية البحث عن الحقائق الكامنة خلف المظاهر. الرواية ليست مجرد نقد اجتماعي، بل هي دعوة للتفكر في القيم والأهداف الحقيقية التي تحدد مسارات حياتنا ومجتمعاتنا.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol