الروائي راهيم حساوي: "نعم، أنتقد نوبل للسلام"
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
تجسد رواية "الباندا" للروائي "راهيم حساوي" الصادرة عن "دار نوفل" دورة الحياة، فتبرز المشاهد الانتقادية في الرواية كلعبة نسجها لعرض كل ما هو باطن في الأدوار الحياتية والإنسانية التي تشكل في نمطها الرتيب شكل الباندا ولونه ودورة حياته المخفي منها قبل الظاهر، وعبثية الحياة والموت وفكرة الخلود التي تهاجم العقل الإنساني، وتدفعه للبحث وإيجاد لغة البقاء بمختلف الأفكار الفنية والاقتصادية والمعيشية البسيطة والمعقدة. لتأخذ شخصيات الرواية من الباندا اختياراتها، ومع الروائي "راهيم حساوي" أجريت هذا الحوار.
- النسيان والمتعة والعمل في وقت واحد، هل أصف عملك الروائي بهذه الثلاثية؟
لم يستطع عمران التل نسيان الطريقة التي قتل بها أبوه نفسه في مكتبه، ولم يستمتع الدكتور عزام بألفته مع كلودين حتى النهاية. أما فيما يخص العمل، فقد كان العمل حاضراً دون توقف من بداية الرواية حتى نهايتها لكل شخصية من شخصيات الرواية.
- عناصر الفن التشكيلي وأدواته في الرواية ينعكس في صورة الغلاف والتجريد لواقع رمزي هو الباب. هل تعتبرها حنكة روائية لدال ومدلول؟
لا أرى في الأمر حنكة، إنه مجرد غلاف مناسب، وما الجدوى من الأغلفة والعناوين إذا كان الورق وما عليه من مضمون بلا قيمة! جاء الباب لعدة أسباب، على رأسها أن عمران هو نجار وصانع أبواب، ومن جهة ثانية كانت فريدة الأسعد تقف على باب نوبل للسلام بطريقة مواربة، وكذلك هذا الباب له دلالته فيما يتعلق بباب سارة الزين الذي صار باب مكتب عاصم التل لها بعد سنين.
- وضعت في الرواية خيارات لسؤال ما زالت الإجابات عليه عالقة، لكن لماذا الباندا؟ ولمن يكتب راهيم حساوي؟
الأسئلة هي مشروع قائم بين الكاتب والقارئ، وفيما يخص العنوان، فقد جاء من العبارة التي كان يكررها عاصم التل قبل قتله لنفسه: "إنه واضح مثل بياض وسواد وحجم دب الباندا المهدد بالانقراض"، أي أنه يقصد الحقيقة في وضوحها وفي انقراضها. أكتب للذين لا أعرفهم ولا يعرفونني بالدرجة الأولى.
- هل تنتقد جائزة نوبل للسلام ونحن نعلم أنها برمزيتها تحمل الكثير من المعايير المهمة في الحياة؟
نعم، أنتقد نوبل للسلام، ولا رمزية لها سوى الابتذال وانتهاك قيمة الإنسان الأولى، ولستُ بصدد المعايير الخاصة بها ولست في صدد من يستحقها ولا يستحقها، بل في صدد وجودها بحد ذاته، وكل يقين أنها ستتوقف في يوم من الأيام (هذه الجائزة على وجه التحديد). أما فيما تبقى من جوائز، فلست معترضاً عليها، على العكس، وجودها جيد. وأظن أن الذين سينالون نوبل للسلام سيكون الواحد منهم محط سخرية وأضحوكة أمام ما تبقى من مليارات البشر الذين لا علاقة لهم بمثل هذه المهزلة.
- ألا يكفي الإحساس بالسعادة أن العمل الفني قدم ما يجب تقديمه للإنسانية بغض النظر عن جائزة نوبل أو غيرها؟
كلاهما معاً، وثمة أمور أخرى.
- راهيم حساوي والفن والسخاء الروائي المتنوع بصوره الجمالية، من تتحدى؟
لا أتحدى أحداً على وجه الخصوص، وفكرة التحدي باتت ساذجة في عصرنا هذا. كل ما أفعله يتعلق بحالة فعل شيء ريثما نموت، وهذا هو السيناريو الأبدي، لم أسمع عن سيناريو غير هذا السيناريو من قبل، وحتى الفعل في بعض الأحيان يبدو ساذجاً طالما أنه مرهون بفناء صاحبه وفناء الجميع. فرغم الأوابد التاريخية التي قام بها القدماء، إلا أنها تبدو سخيفة في بعض الأحيان أمام فكرة فناء من قام بها، وهذا يؤكد عجز الإنسان الكامل ويؤكد عقدته الأزلية في حب الخلود. لا شيء من هذا كله سوى انتظار الخاتمة، والخاتمة دوماً شأن شخصي لا يمكن لأي أحد أن يلمسه، مثلما حدث لعاصم التل في "الباندا"، حتى ولده عمران لم يستطع لمسه للأقصى، وهذا بدا واضحاً في آخر مشهد من الرواية.
نكتشف من خلال الحوار مع راهيم في روايته "الباندا"، أنه قدم عملاً أدبيًا يتسم بعمق اجتماعي وفني في آن واحد، حيث يتناول موضوعات معقدة تتعلق بالحياة والموت، والخلود، وتفاهة القيم الإنسانية. الرواية، الصادرة عن "دار نوفل"، تتجاوز كونها مجرد نص أدبي لتصبح نافذة تتيح للقارئ الغوص في عالم مليء بالتحديات الفكرية والتساؤلات الوجودية.
تتمحور الرواية حول دورة الحياة من خلال استعارة شكل الباندا، الذي يُمثل كائنًا يعاني من التهديد بالانقراض. من خلال هذا التشبيه، ينجح حساوي في إبراز التشابه بين الباندا والإنسان في سعيه المحموم نحو الخلود وفهم معاني الحياة والموت. الرواية تُعرض كرحلة تأملية تجسد الصراع الداخلي للأفراد أمام عبثية وجودهم، ويعكس هذا الصراع بوضوح من خلال شخصيات الرواية التي تعاني من تردد وعدم استقرار في التعامل مع مفاهيم النسيان والخلود والعمل.
عمران التل، الذي يظل عالقًا في ذكريات مؤلمة عن وفاة والده، يمثل الجانب الذي يصارع مع التورط في الماضي وتأثيره على الحاضر. هذا التورط يؤثر على قدرته على الاستمتاع بالحياة واستمرار العمل، مما يعكس عبء الذكريات على الفرد في مجتمعه. الدكتور عزام، الذي يصف مشاعره تجاه علاقته مع كلودين، يمثل صراع الإنسان مع العلاقات الشخصية التي قد تبدو ممتعة ولكنها في الواقع تظل غير مُرضية حتى النهاية. هذه الشخصية تعكس التجربة الإنسانية الواسعة التي تتنوع بين الفرح والألم.
اختيار حساوي لغلاف الرواية، الذي يحتوي على صورة الباب، له دلالات رمزية عميقة. الباب هنا لا يمثل مجرد عنصر مادي، بل هو رمز للتحولات والانتقال بين مراحل الحياة. هذا الرمز يتداخل مع حياة شخصيات الرواية، حيث يُظهر عمران كنجار وصانع أبواب، ويُعبر عن وجود فريدة الأسعد على باب نوبل للسلام، مما يعكس مشهدًا رمزيًا يرتبط بانتقالات الحياة ومحاولات النجاح والاعتراف.
الرؤية النقدية لجائزة نوبل للسلام التي يعبر عنها حساوي تكشف عن استياءه من المؤسسات التي تحمل طابع الرمزية البراقة ولكنها، في رأيه، تفتقر إلى المصداقية والتأثير الحقيقي. الانتقاد هنا لا يقتصر على الجائزة نفسها بل يعبر عن استنكار للمعايير التي تحدد القيم الإنسانية بطريقة قد تكون سطحية أو مبتذلة.
هدف حساوي في هذه الرواية يبدو واضحًا: إنه يسعى لطرح تساؤلات عميقة حول وجود الإنسان ومعناه. من خلال تقديم رواية مليئة بالتفاصيل التي تكشف عن هشاشة القيم الإنسانية وعبثية السعي للخلود، يدعو حساوي القارئ إلى إعادة التفكير في مفهوم السعادة والإنجازات الفردية في عالم يعج بالتناقضات. الرواية، بطابعها التحليلي والنقدي، تدفع القارئ للتفكر في القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود والإنسانية، وتضع في مواجهة الأسئلة الكبرى التي لم يجد لها الإنسان حلاً قط.
في "الباندا"، يتجلى براعة راهيم حساوي في تقديم سرد يعكس جوانب متعددة من حياة الإنسان من خلال استخدام رمزية مكثفة وشخصيات معقدة. الرواية ليست مجرد عمل أدبي بل هي تأمل فلسفي في معنى الحياة، دور الفرد في المجتمع، والبحث عن الخلود. من خلال هذا العمل، ينقلب الضوء على قضايا جوهرية تتعلق بالوجود الإنساني، مما يجعل الرواية تثير التفكير وتفتح أفقًا واسعًا للتساؤل والنقد.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol