وجه الحرب الحقيقي

قراءة في كتاب "الواجب" من مذكرات "روبرت م. غايتس"

ضحى عبدالرؤوف المل

تبرز وجوه الحرب بشكل عام في كتاب "الواجب"، الصادر عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، و"هي من أفضل المذكرات التي كتبت في واشنطن على الإطلاق" عن وزير الدفاع الأمريكي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق. وكأنها رواية دقيقة الصنع موجهة إلى الشعب الأمريكي بالدرجة الأولى، ومن ثم إلى كل عربي يهتم بالتفاصيل الاستخباراتية أو اللوجستية التي مضت، وبموضوعية لم تكتمل بما يخص العراق وأفغانستان. إلا أنها مطرزة بالأهداف المعرفية والسلوكية، وبالصور الاجتماعية والسلوكية أيضًا لرجالات الدولة، وما يجب أن يكون عليه الرجل الأمريكي في بلده الأم أولاً، ومن ثم في البلاد التي يتوجه إليها لتنفيذ أجندة وطنية كما يعتبرها لتقويم عسكري أو لتأمين النجاح في المسعى الأمريكي عبر الشرق الأوسط. والمهام التي من شأنها الحفاظ على أمريكا "كنت في صراع بيروقراطي مع وزارة الدفاع ومختلف الهيئات العسكرية، بهدف تحويل وزارة مهيأة للتخطيط لحرب إلى وزارة تملك القدرة على شنها، وأن تصبح قواتنا العسكرية مؤهلة لتأمين نجاحنا."

ودون تسريب معلومات تهدف إلى توضيح الصورة تمامًا بل بسرد منطقي موجه ومدروس، ومثقل بالمعلومات التي تخدم أهداف المذكرات، يفي بما يجب، لكي يمنح المهام الأمريكية الاستخباراتية منها أو العسكرية صورة مثالية لمسؤول يسعى إلى تحقيق النجاح للقوات العسكرية في العراق أو في الدول التي تحتاج إلى وجود أمريكي كما تراه أمريكا من وجهة نظرها طبعًا. فهل يمكن لهذه المذكرات أن تكون خالية من تشذيب الشوائب التي من شأنها تعتيم الصورة، أم هي موضوعة تحت عدسات التصوير الفكري كي تصل بأبهى صورة لكل قارئ يتتبع الفترة التي كانت بقيادة وزير الدفاع الأمريكي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سابقًا، روبرت م. غايتس؟

تساؤلات وضعتني أمام كل حرف في الكتاب، وكأني أتابع آثار الخطوات التي قام بها "روبرت م. غايتس" في فترة توليه المنصب، وخاصة تلك التي تجعلك ترى وجه الحرب الحقيقي بالنسبة لقوى تصارع على الأراضي العربية من مفهومها هي، أو تلك التي تجعلك تقف أمام الفكر الغربي الذي يقارن بين وجوده ووجود الآخرين، وبما يحقق الأفضلية لأمريكا وشعبها تاركًا ما تبقى قيد الثغرات وقدرتها على التشفير الفكري. بما يخص الاستثناءات البسيطة في الكتاب والعاطفة القوية لرجالات الحرب، خاصة عندما تحدث عن جنازة المصارع الأمريكي في حرب العراق والملقب "أسد الفلوجة"، وكأن هذه الجنازة جعلته أمام معاناة الردود على الرسائل الموجهة له من عائلات الجنود الذين يتواجدون في العراق أو يموتون، وتبقى عائلاتهم في ذاكرة غايتس "وأبذل كل ما باستطاعتي لكي ننتصر في العراق وأفغانستان، لكنني كنت أعرف الكلفة الحقيقية، وقد غيرتني تلك المعرفة". فهل معرفة وجه الحرب الحقيقي بين أهالي الجنود الذين احترقوا أو فقدوا بعض أعضائهم أو ماتوا أو تشوهوا هي تلك المعرفة التي يقصدها؟ أم أنه يبرز وجوه الربح والخسارة الازدواجية في بعضها إذا لم نقل بمجملها؟ خاصة وأن صورة الشباب العراقي المدجج بالسلاح تختلف عن صورة الشباب الأمريكي وممارسته لحياته اليومية المعاصرة بحقيبة على الظهر وبأناقة لا مثيل لها كما يصورها غايتس، إضافة إلى الذين "كانوا هائمين على وجوههم حتى انضموا إلى الجيش، حيث وجدوا هدف حياتهم وغايتها". فما هي غاية روبرت م. غايتس من مذكراته بكل تفاصيلها المصفاة من الشوائب ألف مرة قبل تقديمها للقراء؟

لا أعرف كيف هي مسميات الأشياء في مذكرات روبرت م. غايتس، فالفرق بين الغزاة والمحررين يتخذ عدة صفات، وإن ارتفعت كلفة الحرب خصوصًا إن تم إنهاء اللعبة بشكل خاطئ، لأنها ستكون ذات عواقب وخيمة كما يصفها، لأن كل شيء "يتمحور حول الظروف الميدانية للمعركة والوضع على الأرض". فالحرب الجيدة والحرب السيئة هي بمثابة الأمكنة التي استطاع فيها تحقيق المكاسب التي من شأنها إنهاء مرحلة عالقة ضمن مقاربات توحي بالحذر مخافة انتشار الأسلحة النووية التي من شأنها قلب المعادلات وتحويل الأنظار نحو إخفاقات في ظل تسارع الزمن، لأن "العالم الحقيقي الذي نعيش فيه مختلف وأكثر تعقيدًا بكثير عما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين عامًا". فهل روبرت م. غايتس هو شخص "كوزموبوليتي" (عالمي الأفق)؟ أم أنه وضع سيناريو لسنوات كان فيها صاحب الرؤية، خاصة خلال السنتين الأخيرتين؟

أبعد من العراق: عالم معقد، والفصل الخامس الذي يروي فيه عدة تفاصيل استراتيجية في لقاءات متعددة مع رؤساء في بلدان مختلفة لتتضح الصورة التي أراد غايتس إيصالها إلى القارئ، وبتحدي رفع من خلاله راية الانضباط والخوف العاطفي على أفراد الجيش الأمريكي الذي أحاطه بالبطولات التي تحدث عنها في أكثر من فصل منح فيه نفسه صورة المخلص لأفراد جيشه الذي تعاطف معه أيضًا. "لم أكن أجد متعة في كوني وزيرًا للدفاع بتعبير الجنود، كان هناك الكثير من الصخور في حقيبة الظهر خاصتي: حروب خارجية وحرب مع الكونغرس وحرب مع وزارتي وأزمة تلو الأخرى." فهل تجسد كل هذه الحروب خلاصة النفس التي تروم إلى إحداث الانصهار العالمي؟ أم أن التوضيح في هذا الكتاب يستهدف وضع الماضي الزمني طي المستقبل الذي لا ينفي أهمية الردع النووي الذي بات يرمز إلى القوة، وإن ضمن محاربة ذلك أو منع الوصول إلى امتلاك السلاح النووي بالكامل دون ردع أو محاذير وسوى ذلك؟

ضعف الحماسة والمجازفة وأهمية التضحيات، وكيفية تعامل البيت الأبيض مع الوزراء والتقدم في المسار المهني، والكثير من المفردات التي شدد عليها غايتس وتركها في أجندته الجديدة في الدفاع، حيث بدأ بالكلام عن الحرب المستقبلية المحتملة، وتحديث الجيوش كجيش الصين مثلاً، "سيستخدم وسائل 'غير متماثلة' لإحباط الأفضلية الأمريكية التقليدية في الجو والبحر." تاركًا للتنبؤ افتراضات تجسد صورة المعارك المحتملة بعد سنوات، والتي تحتاج إلى توسيع رقعة التمويل بشرح عن الهدر البيروقراطي، وتفاؤل يزيد من قوة التحضيرات للحروب المستقبلية التي افترضها ويحاول التجهيز لها لأجيال ستأتي من بعده. بعد أن ترك في الصفحة الأخيرة كلمات يقول فيها: "أنا مؤهل للدفن في مقبرة أرلينغتون الوطنية. لقد طلبت دفني في الشعبة 60، حيث يرقد كثير ممن سقطوا في العراق وأفغانستان بسلام. إن أفضل شرف ممكن هو الرقاد بالقرب من أبطالي إلى الأبد." فهل يمكن للأعداء المشاكسين أن يكونوا أصدقاء مشاكسين؟ وهل الفصل الحادي عشر من المذكرات هو فصل الكوارث؟

برؤية أخرى كتاب "الواجب" من مذكرات روبرت م. غايتس، وزير الدفاع الأمريكي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق، يتناول فترة من أكثر الأوقات حساسية في تاريخ السياسة الأمريكية المعاصرة. يسلط الضوء على الأبعاد المختلفة للحرب على الإرهاب، ويعكس الصراعات والتحديات التي واجهت السياسة الأمريكية في العراق وأفغانستان. إن قراءة هذا الكتاب ليست مجرد رحلة عبر ذكريات شخصية، بل هي نافذة لفهم أعمق للاستراتيجيات والممارسات السياسية والدبلوماسية التي شكلت سياسات الولايات المتحدة في العقدين الأخيرين.

يغلب على الكتاب طابع السرد الشخصي المتأمل، حيث يعرض غايتس تفاصيل حياته المهنية والسياسية بواقعية لافتة. من خلاله، يمكن للقراء أن يتفهموا مدى تعقيد المسؤوليات التي تحملها في سياقات دبلوماسية وحربية. يعرض غايتس صراعاته الشخصية والبروتوكولية مع وزارة الدفاع والهيئات العسكرية بوضوح، مما يقدم صورة متكاملة عن البيروقراطية العسكرية وكيفية تأثيرها على الاستراتيجيات العسكرية والأمنية.

يشير الكتاب إلى التحديات التي واجهها غايتس في تحويل وزارة الدفاع من مجرد جهاز تخطيط إلى قوة عسكرية فعالة، قادرة على تنفيذ الأوامر والمهام بنجاح. هذا التحول لم يكن سهلاً، وقد كلف غايتس كثيراً من الجهد في مواجهة التحديات الإدارية والسياسية. يُظهر الكتاب مدى تعقيد التعامل مع البيروقراطية والضغوط السياسية في أوقات الأزمات، مما يعكس التوترات بين الأهداف الاستراتيجية والواقع العملي.

، يقدم الكتاب رؤية متعمقة حول السياسات الأمريكية تجاه العراق وأفغانستان. يوضح غايتس كيف أن النجاح العسكري لا يكفي بمفرده لتحقيق الأهداف السياسية، بل يتطلب أيضًا استراتيجيات دبلوماسية فعالة. يشير إلى أهمية التفاهمات والتعاون بين الولايات المتحدة والدول الحليفة في تحقيق الاستقرار في مناطق النزاع، ويبرز التحديات التي تواجهها السياسة الخارجية الأمريكية في تحقيق التوازن بين القوة العسكرية والدبلوماسية.

يستعرض غايتس أيضًا التحديات المرتبطة ببناء الثقة بين القوات الأمريكية والشعوب المحلية، موضحًا كيف يمكن للسياسات الدبلوماسية الفعالة أن تساهم في تحسين العلاقات وتعزيز الاستقرار. يعرض الكتاب أمثلة على كيفية تفاعل الولايات المتحدة مع القضايا السياسية والاجتماعية في البلدان التي تتدخل فيها، ويسلط الضوء على الأبعاد الإنسانية والنفسية التي تؤثر على الأفراد العسكريين والمدنيين على حد سواء.

يترك الكتاب أثرًا عميقًا بفضل تصويره الصادق والصريح للتحديات والنجاحات التي شهدها غايتس خلال فترة عمله. ينقل الكتاب القارئ إلى قلب الأحداث، مما يتيح له تجربة التوترات والقرارات الصعبة التي كان يتعين على غايتس مواجهتها. إن الانطباع العام هو أن الكتاب لا يقدم مجرد سرد للأحداث، بل يقدم أيضًا تأملات شخصية حول معنى الحرب، والقيادة، والتضحية.

في حديثه عن جوانب إنسانية وحسية مثل جنازة "أسد الفلوجة"، يعكس غايتس تجاربه الشخصية ومشاعره تجاه الأفراد الذين خدموا تحت قيادته. هذه الأبعاد الإنسانية تضيف عمقًا إلى السرد وتسلط الضوء على الأثر النفسي للعواقب التي تترتب على الحروب والأزمات.

في النهاية، يعتبر "الواجب" كتابًا ضروريًا لفهم الأبعاد السياسية والدبلوماسية للحرب على الإرهاب. من خلال تقديمه رؤية شاملة وعميقة لممارسات السياسة الأمريكية، يعرض غايتس تجاربه وتحدياته في سياق تاريخي معقد. الكتاب لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يقدم أيضًا تأملات عميقة حول القيادة، والاستراتيجية، والتأثيرات الإنسانية للحروب. هذه الرؤية الشاملة تجعل من الكتاب مصدرًا قيمًا للقراء المهتمين بفهم الديناميات السياسية والدبلوماسية التي شكلت السياسات الأمريكية في العقدين الأخيرين.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol