الاكتحال بملامح البهاء البلاغي في الشعر

ضحى عبدالرؤوف المل

يعج ديوان الشاعر "سليمان زين الدين" بعنوان "دروب" والصادر عن "دار نلسن" بالذهنية العرفانية المحركة لباطن المعنى وأضداده بقوة يدركها من تجاوزات منطقية، لبراهين شعرية يتحدى بها الخيال، ونزعته المصابة بالبعد عن الواقع. ليجعل من الماورائيات قوة نفسية لا تحتاج إلى أدلة، إنما إلى استفزازات النفس ونبرتها في الكلمة ووحدتها البنيوية القادرة على التوازن بين التحرر والتمرد، والارتباط بطريقة تجمع المفاهيم العرفانية التي تخفى حتى على شيوخ الطريقة. لتتحول مع الشاعر "سليمان زين الدين" إلى لغة شعرية تحيا بين رماد الجار والمجرور، متمسكا بالفعل الذي يحرك سواكن القصيدة، ويجعلها مكتفية بفعله الشعري المحبوك بحضور المعنى الطاغي على المبنى، والغني عن الشرح والتأويل. لأنه يتطور تبعا لعقيدة القارئ وذهنه الوقاد. إذ تتضح معالم إدراكه العرفاني في التحولات التي تطرأ قبل نهاية كل قصيدة في ديوانه "دروب"، المحمل بالإغراء والتشكيل، ومذكرات غيمة ولا شيء يدعو للقلق، وما إلى ذلك من عناوين للقصائد التي ختمها بعاصفة، وبالكرسي وبالصور، وبالنجوم مستدركا المستويات البلاغية وقيمها الشعرية الاستكشافية لنظم تأملية حافظ عليها رافعا ستارات الحجب النورانية دون الخروج من واقع، بل فتح الفضاءات الكونية ليجمعها في دروب قصائده، والمتجلية في الكثير من المفردات برمتها: "وأنا أحلق في فضاء شاهق \ وأشارك الأنجام بعض دخيلتي \ وأغوص في الأعماق \ أقطف درها المكنون \ أنضده عقودا من سنى". وهذا يجعل من الانعتاق قصيدة تفرد في اختيار معانيها دون المس بالعقائد الشعرية التي أرسى قواعدها في دروب الشعر وخطاه وطريقته وقداسته الخاصة. "للآخرين دروبهم \ وخطوهم العجلى \ على تلك الدروب \ ولي خطاي \ ولهم شيوخ طريقة \ كل يقلد شيخه \ عبر الزمان \ وليس لي شيخ سواي." وبخصوصية المصداقية في الاعتراف بعبور لدروب العارفين بالوحي الشعري الحقيقي المنتمي بمكوناته لجوهر الوجود، وإنما يشد عضده بما يرشده إلى الطريق الصحيح أو تلك العصا المتمسك بها حتى النهاية.

بين الواقعي واللاواقعي تنبثق قصيدة إغراء المتجلية كعروس قصيدة قدم لها "سليمان زين الدين" المهر أحرفا عبر طبيعة الجمال الدنيوي، والخلود الفاصل بين الكلمة وجوهرها أو مبدعها وكاتبها والمسبب لتكوينها. لتتجسد في القصيدة باكتمال ثنائي الفكرة، وبمغزى الفكر اللامتناهي بتوظيف الالتحام المتأتي عن الولوج الحيوي إلى صلب تكوين القصيدة "مذ رآها تتجلى كعروس" من خلال دورها الأكبر في إحياء الذات الشغوفة بروحانية المعنى وخلوده وقيمته المستقلة معرفيا بالجمال الكلي، والخصائص الفلسفية التي أطلق العنان في تشكيل يتقاطع مع التصوف في جدلية تندرج تحت إغراء البيان واللغة وطبيعة الاستئناس بالقصيدة وحضورها المتخيل في النفس: "مذ رآها تتجلى كعروس \ راودته الصفحة البيضاء عن أحلامها \ حتى إذا ما آنست منه سقوطا \ في مهاوي سحرها \ أملت عليه من شروط المهر \ ما يغلو ويغلو \ فإذا ما حقق الإملاء \ زفته عريسا". وشروط السحر بيانه لما يحمله من رؤية للوعي الشعري المؤسس للامتزاج والاسترفاد حتى كأنها بصيرة الخلق والتجلي والعصب الذي لا يضاهى: "شرطها الثالث أن تبقى \ بعينيه عروسا، فسحة العمر \ وأن يبقى بعينيها عريسا \ ويظل العمر عرسا \ لا يضاهى". والمزج الحسي للمعاني يحيل الكلمات إلى أنجم لها سماتها الشعرية لوجوه تنطق بمكنون اللغة المتآزرة مع عرفانية يشد عضدها بنفاذ الرؤية وما يتبدى عنها من تكوين يخترق به الحال: "وعدته، حين يرضى \ بربيع من حروف \ وخريف ذهبي \ ينثر الشمس على كل رصيف \ وشتاء يزرع الريح \ على كل المحاور \ وبصيف يحمل الروح \ إلى كل البيادر". فهل قوارير الخمائل في قصيدة إغراء هي الاكتحال بملامح البهاء البلاغي في الشعر؟

طغت قصيدة دروب على سواها بما حملته من در مكنون يبوح به، وبتجليات ارتكزت على أبعاد فتحها بلغة مملوءة بالوحي وغموضه الكامن في داخله، مفتخرا بتمكنه منها وشد أوزارها بثقة العاشق المحب لها. لخلق تفاعلات معها تتمثل بالقول الشفاف، وبما يحقق لا شيء يدعو للقلق، وكأنها تطالبه باستكمال ما بدأ به: "فأجابها \ يا حلوتي، لا تقلقي \ ودعي العواجس والمخاوف جانبا \ فأنا نهاري كامن في داخلي \ كالدر يكمن في المحار \ لا ظلمة الأعماق \ تطفئ نور عينيه \ ولا جراته تخبو \ إذا خبت الجمار". مستكملا المقامات السبعة التي استوى بعدها على الكرسي كوريث لعرش اللغة وربما لعرش الجمال اللامتناهي من الفكر المستنير الذي ختم حالة عرفانية تستفيض وتستفيض ولا يمكن لشيء إيقافها.

كرسي يجسد السبع حالات لقضايا البشر والتي يضعها الشاعر "سليمان زين الدين" تحت المجهر اللغوي. ليبحث في قضاياها منذ الخلق حتى قيام الساعة تاركا للصورة السادسة محو الزمان وطي المكان وسخف البشر. لتستوعب كرسيه المعاني المشحوذة بحكم القضاء وبين مقيم على رفضه بانتقاد شعري ذي حكم وبلاغة تتخذ هدة مفاهيم لصور تراءت من بداية الكون والتاريخ وصولا للحاضر. وكأن القصيدة هي رسم للخلق الذي يعيد نفسه بنفسه من الخطيئة الأولى أو هبوط آدم على الأرض، والمفردات تحمل زادها التخيلي وتتجه نحو "هو الأمر الفرد في غاية الاستقلال". ولن أتحدث هنا عن بقية القصائد، فالديوان يزدان بعدة دروب وكل قصيدة هي درب يمشي فيه القارئ بمتعة المتأمل والمتفكر في طرق الحياة.

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة الصباح العراق ، أعدت قراءة الديوان وتحديث ما كتبت عنه

ديوان "دروب" للشاعر سليمان زين الدين هو رحلة شِعرية تأخذ القارئ في عوالم معقدة وساحرة من الإبداع البلاغي والتعبير العرفاني. من خلال مجموعة من القصائد التي تُسبر أغوار النفس البشرية وتستكشف الماورائيات، يُظهر الشاعر قدرة على خلق نصوصٍ تتجاوز حدود الكلمات لتستقر في عمق الروح.

يتناول الديوان قضايا فلسفية وروحية ذات طابع عميق، مستندًا إلى المعرفة العرفانية التي تشكل قاعدةً للمعنى الذي يُبنى عليه النص. الشاعر يتخذ من اللغة أداةً لفتح أبوابٍ للماورائيات، حيث يُحلِّق في أفق التأمل والبحث الروحي، ويقدم للقراء قصائد تغمرهم في عمق الفكر والتجربة الذاتية.

يُعبر الديوان عن صراعات داخلية عميقة وتطلعات روحانية، حيث يتفاعل الشاعر مع القضايا الكبيرة مثل المعنى، الوجود، والروحانية. تُظهر القصائد كيف يمكن للشاعر أن يُخاطب المشاعر والأفكار الأكثر عمقًا، مُشجِّعًا القارئ على استكشاف ذاته وتفحص تجاربه الشخصية بطرق جديدة.

يبرز الديوان بأسلوبه الشعري الفريد والذي يمزج بين الواقعية والماورائيات، مظهرًا مهارة الشاعر في استخدام الصور البيانية والتشبيهات لإبراز الأفكار المعقدة. استخدامه للرمزية والعناصر التجريدية يعزز من قيمة النصوص الفنية، مما يساهم في خلق تجربة قراءة متعددة الأبعاد.

تتميز قصائد "دروب" بتكوينها البصري والصوتي. التلاعب بالألفاظ، والتوازن بين الموسيقى الشعرية والوزن، يمنح القصائد إيقاعًا يمتع القارئ ويدعوه للتأمل. الصور الشعرية المبتكرة والتشبيهات المدهشة تُضفي على النصوص جمالًا فنيًّا يلفت الانتباه ويعزز التجربة الجمالية.

تُعد القدرة التعبيرية في الديوان من أبرز نقاط قوته. حيث يُوظف الشاعر الكلمات للتعبير عن مشاعر تتراوح بين الشغف والحيرة، بين الهدوء والتمرد. الأسلوب التعبيري يعكس قدرته على استكشاف حالات الإنسان الداخلية وتفاصيل الحياة الروحية، مما يجعل النصوص ليست فقط قراءة بل تجربة حية تحاكي الذات البشرية بصدق وعمق.

يُظهر الديوان إتقانًا عميقًا للتقنيات البلاغية. التلاعب بالألفاظ والتراكيب يعكس تفوق الشاعر في استثمار الدلالات الرمزية والعاطفية. التقديم والتأخير، الكناية، والتشبيه تعزز من تأثير النصوص وتساعد في تحقيق الأثر المطلوب في ذهن القارئ، مما يُضفي على العمل طابعًا إبداعيًا ومؤثرًا.

ديوان "دروب" للشاعر سليمان زين الدين هو عمل شعري مُعمق يجمع بين التفكير الفلسفي والروحاني في إطار فني وجمالي متقن. النصوص تعكس قوة التعبير والإبداع البلاغي، مما يجعلها تجربة شعرية فريدة تستحق التأمل والتحليل. هذا العمل لا يقتصر على تقديم أفكار عميقة بل يعرضها بأسلوب شعري ينطوي على تقنيات فنية تعزز من قيمته الأدبية والشعرية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol