عالم المنسيين في جوف الحوت: قراءة في رواية "خرائط يونس" للروائي محمود حسني

ضحى عبدالرؤوف المل

انغمر الروائي محمود حسني في روايته "خرائط يونس"، الصادرة عن دار الساقي، في الرمز الأسطوري للبحث عن جدوى في لاجدوى من مهزلة عالم المنسيين في جوف الحوت، متأثراً بالأساطير البابلية أو بما ورد في التلمود بعد أسر اليهود من قبل نبوخذ نصر واقتيادهم أسرى من السامرية إلى بابل. أو صناعة التلمود ثم ظهور التوراة ثم النبوة، وهي الخرائط الإنسانية التي تقوم عليها البشرية التي ابتلعت يونس وجعلته في بطن الحوت كالقابع في جزيرة من ثلاثة أضلع، يهاجمه الخوف غير المعروف، وكأنه يمارس الهروب وسط حياة مجهولة تطوف في البحار.

والأمل كروح هائمة وسط موكب من الأشباح بتوهيم بوهيمي لنسبية الحقيقة واللاحقيقة، فهي مجهولة في بطن حوت يونس وفق لقطات تصويرية ذات وصف حريص على متانة لغة مسبوكة بهلوسة أدبية تبحث عن الإثارة بتكسير التقاليد بسريالية تكاد تمس غرائبيتها توصيف الأماكن، وإنما بمحاولات لفهم خطوط العبور الروائي وخطوط التوقف دون الالتزام بتحليل الذات البشرية أو التقيد بحركة الشخوص والتنامي المؤسس لها. فالجماد أخذ منحى المكتبة وعالم المعرفة القابع في لوحات وموسيقى وغرائب الحلم أو الكابوس. وانتقال الحوت من الخيال إلى الواقع كان لا بد من بقاء يونس مع صاحبه أو في إعادة حكاية صاحب الحوت وفق الحلم أو الشخصية المحورية في المثلث الثلاثي الأضلاع. فهل رمزية خرائط يونس تعيد لتكوين البشرية أصولها؟

جزيرة رمزية في أفق مفقود لمن افتقد الاستقرار الذهني والعقلي، فطاف حول اللوحات والكتب وعاش منسياً في جزيرة من تهويمات عقلية لنبوءات يسترجعها في حدث انعكاسي لعبثية العالم في عيني يونس، وهو لا يبغي العودة إليها، بل إما بالهرب منها أو بتدميرها أو نسيانها. وإلا فما معنى أن يهرب يونس في جوف الحوت ضمن الميثولوجيا القديمة؟ هل كان حوته معتدياً؟ لو كان كذلك، لما رماه على الساحل لطحنه في ماكينة أحشائه. إن يونس رمز للإنسان الذي افتقد الأمان والإنسانية في عالمه، فوجدهما في باطن الحوت. ورواية "خرائط يونس" ليست ميثولوجيا معاصرة، و"محمود حسني" هنا أخذ من الميثولوجيا أسطورة يونس وألبسها ثوباً عصرياً للضياع، وهو يعبر بلا وعي عن بوهيمية الإنسان المعاصر أمام التقدم التقني الهائل، وتراجع الفكر وتقدم العلوم وصغر الإنسان، وكبر المادة الخلاقة. والرواية تعبير عن انهزامية الإنسان المعاصر، وقلة حيلته، لذا يتعكز على شواهد أسطورية.

خرائط لفيزياء الروح الجوالة في المستحيل تبحث عن الوجود في الجزيرة وناسها الأشباح أو من الفاقدين لوجودهم الحركي المبهم حيث لا إنسانية تجمعهم في لخبطة دادية جعلته على أرض رخوة بتجريب يُنظر له كمحاولات للفهم أو خرق للمعهود. وما حوت يونس بغواصة يهربون بها، إنما هو استسلام محض أمام جبروت الحضارة، وعدم الانسجام معها لضعف في الإرادة، رغم اختلاف المعتقدات في رمزية لوحة صباح ما بعد الطوفان. وهل تبخرت كل الأشياء أفقياً ورأسياً كالكتابة؟ أم أن التغيير في جغرافية الأماكن التي تحدث لأسباب هي صراعات بشرية بحتة شبيهة بانعكاسات تمثل التداخل بين الميثيولوجيات القديمة وما يحدث الآن؟

الرواية إسقاط بحت لضياع العالم المعاصر على الميثولوجيا القديمة، إذ يبدو أن النص استخدم رمزاً قديماً لتوصيل مفهوم ليس حداثوياً نهائياً، بل مفترض. فالأشياء الذهنية فينا هي نتاج الكثير من سنوات تطور الخلايا من واحدة انشطارية إلى مليارات. وفي كل يوم يُكتشف جين يفصح عن هوية مجهولة فينا. والجنس البشري يحتاج إلى إعادة تنظيم مكتبته الجينية بالعودة إلى الإنسانية والنبوة الحقيقية دون إزالة الشواهد التاريخية، كالتفجيرات التي حدثت والخوف والهلع من الذبح، أو تخطيط مسبق لبث الفزع في النفوس الضعيفة، أو لهلوسات ذهنية توحي بالكثير من ثلاثية الأضلاع في جزيرة منسية شاخ فيها الحوت. فهل من رمزيات نورانية لعين تلعب دورها في مثلث جزيرة خرج منها يونس؟

رواية بتقنيات حافظت على مقومات المكان دون المس بحركة الشخوص التي تباطأت، وبتأثيث تخيلي معمق بتلغيز تقاطع مع أسطورة تكررت وتجددت في الكثير من القصص والحكايات بتأصيل ذي أهداف سردية، وفضاءات ملتهبة بلوحات وأساطير وسديم تتشابه معه الكثير من التفاصيل، بتعاريج كالمتاهات الذهنية تشكل بنية الرواية، وتضع القارئ أمام جملة تساؤلات لا تفك الغموض الميثولوجي القديم، ولا تقدم الرمز الأسطوري كمنحى جزيرة استنطقها محمود حسني بمسحة تهويمية، وبدفقات زحزح من خلالها التشويق مستهدفاً بعثرة الميثولوجيا لاستخراج الرمز الأسطوري بفن يتكشف من خلاله سمات لا تفضي إلا للغموض.

برؤية أخرى رواية "خرائط يونس" للروائي محمود حسني تعدّ رحلة عبر عالم مزيج من الأساطير والواقع، حيث يسعى الكاتب إلى استكشاف عمق الروح البشرية وتجلياتها في مواجهة تحديات العصر. تتناول الرواية موضوعات معقدة من خلال رمزية غنية واستلهام من الميثولوجيا القديمة، مما يتيح تحليلها من زوايا عدة: السردية، الاجتماعية، والرمزية.

تدور أحداث الرواية في إطار زمني ومكاني يظل غير محدد بدقة، مما يضفي طابعاً سريالياً على النص. يستلهم حسني في روايته أسطورة يونس وبطن الحوت، ليعيد تشكيلها في سياق عصري يعكس صراع الإنسان المعاصر مع المجهول والتحديات الذاتية. الكاتب يقدم شخصية يونس كرمز للبحث عن الذات والوجود، لكنه يضيف لها عمقاً جديداً من خلال تواصله مع الأساطير القديمة في بُعده المعاصر.

السرد في "خرائط يونس" يتميز بتقنيات سردية غير تقليدية، إذ يعتمد على التقطيع الزمني والمكاني ليخلق تبايناً بين الواقع والخيال. تنساب الأحداث في إطار غير خطي، مما يعزز من عنصر الغموض والتشويق. هذا الأسلوب السردي يعكس تيه الشخصية الرئيسية، ويضع القارئ في قلب الصراع الداخلي ليوسف كما هو في صراع مع محيطه.

تستعرض الرواية جوانب متعددة من الحياة المعاصرة عبر استلهام الأساطير القديمة. تقدم الرواية نقداً للواقع الاجتماعي الحديث، حيث يواجه الإنسان المعاصر تحديات نفسية وعقلية تنبع من التقدم التقني والعلوم، مما يسبب له شعوراً بالضياع والتباعد عن القيم الإنسانية الأصيلة.تسلط الرواية الضوء على قضايا مثل فقدان الهوية والاتصال بالماضي، وتطرح تساؤلات حول المعنى الحقيقي للإنسانية في عصر تهيمن فيه المادة على الروح. من خلال شخصية يونس، يعكس حسني التوتر بين الأمل واليأس، ويبرز الصراع الداخلي الذي يشعر به الفرد في عالم سريع التغير. تترك الرواية أثراً عميقاً من خلال مزجها بين الأسطورة والواقع. تثير الرواية مشاعر الحيرة والتأمل، وتدعو القارئ للتفكير في معاني الوجود والحقيقة. الأسلوب السريالي الذي يتبعه حسني يضيف طبقة من الغموض والتعقيد للنص، مما يجعله مادة مثيرة للتفكير والنقد.

يبدو أن محمود حسني يسعى من خلال "خرائط يونس" إلى تقديم رؤى فلسفية واجتماعية عن الإنسان ومكانه في العالم الحديث. الهدف الرئيسي يبدو متمثلاً في استكشاف صراع الإنسان مع ذاته ومع العالم المحيط به، وكيف يمكن أن يتجاوز هذا الصراع عبر إعادة التواصل مع جذور قديمة ورموز تاريخية. الرواية ليست مجرد إعادة سرد للأسطورة، بل هي محاولة لاستكشاف أبعاد جديدة في الوجود الإنساني من خلال عدسة الأسطورة.

في الختام، تُعد "خرائط يونس" عملاً أدبياً ذا طابع فلسفي وسردي معقد، يعكس بشكل عميق التحديات الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الإنسان المعاصر. من خلال تقنيات سردية مبتكرة ورموز أسطورية قوية، يقدم محمود حسني رواية تسهم في نقاشات حول الهوية، الوجود، والإنسانية في عالم متغير. الرواية تظل مادة خصبة للتحليل والنقد، وتدعونا للتفكير في كيفية تجسيد الأسطورة والرمز في سياق عصري.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol