الرهان على الحصان الخاسر لعبة أتقنها النكتجي "عادل كرم"
ضحى عبدالرؤوف المل
لم تسعف السخرية والنكتة الضيقة هرج "عادل كرم" في ما يخص فن الكوميديا كفن هادف وبناء يعتمد على الأسس التي غابت، ليحل محلها الإيحاءات الجنسية بكل تفاصيلها المقرفة. إن لم نقل البذيئة التي تصل إلى حد القرف والتلوث السمعي والحسي الذي يتوجب تطهيره. إذ غرق كرم بسماجة الطرح والقولبة الفاشلة في مسعاها لرفع نسبة المتابعة لبرنامجه، ومحاولات الإنقاذ التي زادت من الطين بلة. فلا "عباس شاهين" ولا "أديل" استطاعا إنقاذ هذا البرنامج المبني على الضحكة الميتة الشبيهة بجلسة في حارة السكارى، الفارغة إلا من مختلي العقول. يبدو أن الرهان على الحصان الخاسر لعبة أتقنها النكتجي "عادل كرم" وبث النكتة لسموم تؤدي إلى تلوثات نحن في غنى عنها. لماذا تكرار الفشل وتكرار عمليات الإنقاذ لهذا البرنامج المضر بالحواس؟
هل تعلم أن فن السخرية يعتمد على المباغتة وعلى استدعاء الحواس لاكتشاف قيمة الطرح بعيدًا عن الابتذال والتهكم بنكهة إنسانية تميل إلى معالجة القضايا الإنسانية الكبيرة التي غابت عن برنامجك الذي بات كفن دعاية لسكيتشات تُقدّم لأديل أو لعباس شاهين أو لك، دون حتى تلطيف أو استئذان من المشاهدين؟ فهل تعلمت يومًا أن الوقار في فن السخرية السوداء في هذه البرامج هو المطلوب؟
مواقف مركبة، تركيبات سطحية، فقيرة التوجه، بل ربما أصيبت بقحط فني يبدو كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. لا يمكن إنكار شخصيات التصقت بالذهن مثل أبو رياض ووجدي ومجدي. فمن جاء من عالم التمثيل ليقدّم لنا البرنامج الخفيف أصبح اليوم يعاني من لطمات سياسية وتهريج مبهرج، مستعينًا بعباس شاهين لتمرير اللطشات المثيرة للتقزز والمصطنعة الرؤية، والتي تصل إلى التجريح وخدش الحياء. وعدم فهم الثقافة الفنية فهماً يعيد لنا مجد الضحكة المغزولة بقدرات الفنان على التوجيه البناء، والمسؤول عن إيقاظ الوعي، ولا شك أن "عادل كرم" اعتاد على الاستخفاف بالعقول والأحاسيس الإنسانية، مستبدلاً الوعي الفني بالهوس المزعج تحت مسميات هزلية وسماجة، وبتطفل لا يؤدي حتى إلى استراحة مطلوبة في معالجة القضايا الكبرى. عمومًا، زيف الضحكات يشهد على ضحالة برنامج لفظ أنفاسه قبل الحلقة الأخيرة.
برنامج رفع حجب الوقار بسخافة وهشاشة، وفتح أبواب السخرية بوجوم وميوعة لا مبرر لها. فإذا كان التهكم مسليًا، فإن الفقر الفني الفاضح يكشف عن ضحالة ما حاول تجميله لإعادة الحياة لما خلق ميتًا. فلا أستغرب كل هذا العجز في الإضحاك ليصبح النقد كالهجاء دون التنقيب عن مواضيع أكثر أهمية مما تم طرحه حتى الآن، خاصة في التمريرات الفاشلة بين طاقم البرنامج.
فن الخبر وفن السخرية وفن الإضحاك يحتاج إلى حدة الذكاء، ولا يحتاج إلى هيصات موسيقية ولا لبذاءات لفظية، ولا لمساعدات الأصدقاء في استكمال ما عجز عنه مقدم البرنامج ، ولا لضحكة كاذبة مسجلة تسجيلاً مفبركًا، ولا لاستخدام الأصابع التي لم تحسن حتى فهم إشاراتها واستخدامها بما ينفع. حبذا لو نتعلم الصمت وفن الحركة والقدرة على طرح موضوعات مفيدة ومثمرة في مجال الفن. إن ما تقدمه مسيء جملة وتفصيلاً إلى الذوق العام.
برؤية أخرى ...في عالم الإعلام الكوميدي، حيث يتفاعل الذوق العام مع الابتسامات والتهكمات، يتعين على السخرية أن تكون أكثر من مجرد وسيلة للترفيه. فهي تحتاج إلى مقاربة تتسم بالإبداع والذكاء، وتقوم على أسس فنية وتفكير نقدي متين. في هذا السياق، يبدو أن برنامج المهرج "عادل كرم" قد خاب أمله في تقديم فن السخرية الذي يتجاوز حدود الابتذال إلى نقد اجتماعي بناء.
عندما نتحدث عن السخرية الإعلامية، نجد أنفسنا أمام معادلة دقيقة؛ فالسخرية ليست مجرد وسيلة للضحك، بل هي أداة لانتقاد الواقع، وتقديم رؤى اجتماعية تنطوي على بعد إنساني وعمق فكري. لكن في حالة "عادل كرم"، تتسرب السخرية من جعبة البرنامج لتصبح مجرد تهريج وضحك زائف لا يتجاوز حدوده.
أدب السخرية، كما تجسد في أعمال بعض الكوميديين العظام، يعتمد على توازن دقيق بين المبالغة والتفاصيل الحقيقية. إنه يتطلب ذكاءً حادًا، وحساسية تجاه القضايا الاجتماعية والثقافية، وقدرة على تحويل المشكلات اليومية إلى مادة للضحك والتفكير النقدي. للأسف، فإن برنامج "عادل كرم" يفتقر إلى هذه الأسس الجوهرية.
من خلال تحليل البرنامج، يظهر بوضوح أن "عادل كرم" يقع في فخ السخرية المبتذلة، حيث تغيب الفكرة النقدية العميقة وراء سيل من النكات والإيحاءات الجنسية. التهكم الذي يقدمه يبدو غير متوازن، ويعتمد بشكل رئيسي على الابتذال بدلاً من تقديم محتوى يثير التفكير. هذا التوجه لا يقتصر على قلة الذوق فقط، بل ينعكس سلباً على قدرته على جذب المشاهدين الذين يبحثون عن عمق فكري وحس نقدي.
عندما نلقي نظرة على تأثير البرنامج على الجمهور، نجد أن الضحك الناتج عنه غالباً ما يكون عابراً وسطحياً. في حين أن السخرية الحقيقية يمكن أن تفتح أبواباً لمناقشات أعمق حول القضايا الاجتماعية والسياسية، فإن برنامج "عادل كرم" يفتقر إلى هذا البُعد. بدلاً من أن يكون منصة لإثارة الوعي وتقديم نقد بناء، يتحول إلى مجرد وسيلة للهروب من الواقع عبر تكرار نفس النكات السطحية.
الأدوار والشخصيات التي يتم تقديمها في البرنامج، مثل "عباس شاهين" و"أديل"، تعاني من نقص واضح في التماسك والعمق. التفاعلات بين الشخصيات تتسم بالسطحية، مما يقلل من قدرة البرنامج على تقديم محتوى غني وقيم. هذه الشخصيات لا تُضيف قيمة نقدية حقيقية بل تساهم في إضعاف المضمون العام للبرنامج.
برنامج "عادل كرم" يشكل مثالاً على كيفية تحويل فن السخرية إلى مجرد تهريج فارغ، يفتقر إلى الأسس التي تجعل من السخرية أداة فعالة للتغيير والتفكير النقدي. السخرية الإعلامية الناجحة هي تلك التي تتجاوز الحدود السطحية للضحك لتصل إلى عمق الواقع الاجتماعي والثقافي، مقدمة بذلك نقداً بناءً وفكرياً. للأسف، فإن تجربة المشاهد مع هذا البرنامج تثبت أن السخرية، في حال لم تُستخدم بشكل صحيح، يمكن أن تتحول إلى عبء ثقيل، بدلاً من أن تكون مصدر إلهام وتفكير.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol