الروائية وداد طه للقدس: "حوافرنا التي تضرب الأرض سينبع منها برك، من شرب منها عرف السلام"
حاورتها: ضحى عبدالرؤوف المل
أرادت الروائية "وداد طه" في روايتها "حرير مريم" الصادرة عن "دار الفارابي" رسم أولئك النسوة اللواتي كنّ يعشن الحب من دون الحاجة إلى الكلام عنه، من تصوير لحنين البطلة إلى صباها وفرحها وأنوثتها التي تاهت منها وهي تتشرّد من بلد إلى آخر، ويموت أولادها أمامها. كما أرادت إظهار النقد لحاضر الحب أو العلاقات والزواج مقارنة بماضيها، وفيه محاولة للتذكير بأن مريم امرأة إنسانية لها مشاعر وكان لها ماضٍ جميل، ليُقاس على قصة مريم قصص آلاف النسوة اللاتي نسيهن العالم وسحقهن. لست أعرف إن كان من الممكن أصلًا أن نسأل عن تمكّن المرأة الفلسطينية من الحب وهي في الشتات، فنماذج الحب الخالدة التي قدمتها المرأة الفلسطينية في شتاتها لا يمكن نكرانها. فهي، رغم كل ما عانته، أبقت على العائلة الفلسطينية، ونقلت تراثنا ولهجاتنا وعاداتنا وأغانينا الشعبية وهذا حب، وقدمت الفدائيين الذين حلموا بإمكانية العودة وحرست ليلهم وصنعت طعامهم وخاطت ثيابهم وماتت بينهم وافتدتهم، وهذا حب. وهي تلك الفتاة الصغيرة التي تعود من مدرستها في المخيم وتخطط أن تصبح طبيبة، وهذا حب. وهي امرأة شجاعة تخوض حياتها وتجاربها عارية أمام الأيام، وهذا حب... وهي إنسانة ولطالما غلب الحب البشر، فكيف لنموذج كالمرأة الفلسطينية أن يُسأل عن إمكانية الحب؟
مع الروائية وداد طه أجرينا هذا الحوار:
- مريم الحكاية وفلسطين: الأعلى من صوت التراتيل، من أين خرجت مريم وما الحرير؟
مريم امرأة كادت حياتها أن تكون حياة عادية لولا أنها فلسطينية. أعتقد أن مريم باندورا هذا العصر، فهي المرأة التي أوتيت كل شيء، فكان لها أرض وبيت وأولاد ووطن، وحين فتحت صندوقها – كما فعلت باندورا في الأسطورة – خرجت منه شرور هذا العالم. هي صرختي الرافضة للظلم الذي رزحنا تحته كفلسطينيين، وهي رؤيتي للآتي الذي أؤمن أنه لنا وأننا سنتمكن فيه من النهوض وهداية البشرية إلى خلاصها. ومن هنا، وبكون مريم خيّاطة فقد اخترت الحرير ليوحي بالضدين في آن معًا؛ فالأشياء بأضدادها تبين. وذكر الحرير يحضر إلى الذهن أقمشة خشنة كالخيش والصوف، ما يوحي بشظافة وقسوة العيش، وفي الوقت نفسه يوحي الحرير بالنّعومة ورغد الحياة. وذلك هو صراع مريم الوجودي وتلك حكايتها، بين كونها إنسانة من حقها أن تحيا بكرامة وتتمتع بالحياة، وكونها ملاحقة بلعنة اللجوء وضياع الهوية والتشرذم والموت.
- تراث وتصوير لحكاية احتلال لا تموت ذكراه، والعروس باتت أسطورة فلسطين في الروايات، ما رأيك؟
العروس في الرواية هي امرأة لبنانية. وفستان عرسها الذي تقصد مريم لكي تصلحه لها هو رمز يعود إلى المجتمع اللبناني الذي يحتاج أن يتمسك بالجميل من ماضيه وعراقة تراثه، ولكنه يحتاج إلى إصلاح الكثير كي يكون قابلًا للحياة، وخاصة في عصرنا. أما أننا كفلسطينيين نتمسك برمز العرس، فهذا دليل على أننا نرقص بين شهيدين، ونحيا بحب إذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. لعل الصورة التي أردت رسمها بحديثي عن أولئك النسوة اللواتي كنّ يعشن الحب من دون الحاجة إلى الكلام عنه فيها تصوير لحنين البطلة إلى صباها وفرحها وأنوثتها التي تاهت منها، وهي تتشرّد من بلد إلى آخر ويموت أولادها أمامها. كما فيها نقد لحاضر الحب أو العلاقات والزواج مقارنة بماضيها، وفيه محاولة للتذكير بأن مريم امرأة إنسانية لها مشاعر وكان لها ماضٍ جميل، ليُقاس على قصة مريم قصص آلاف النسوة اللاتي نسيهن العالم وسحقهن. لست أعرف إن كان من الممكن أصلًا أن نسأل عن تمكّن المرأة الفلسطينية من الحب وهي في الشتات، فنماذج الحب الخالدة التي قدمتها المرأة الفلسطينية في شتاتها لا يمكن نكرانها. فهي، رغم كل ما عانته، أبقت على العائلة الفلسطينية، ونقلت تراثنا ولهجاتنا وعاداتنا وأغانينا الشعبية وهذا حب، وقدمت الفدائيين الذين حلموا بإمكانية العودة وحرست ليلهم وصنعت طعامهم وخاطت ثيابهم وماتت بينهم وافتدتهم، وهذا حب. وهي تلك الفتاة الصغيرة التي تعود من مدرستها في المخيم وتخطط أن تصبح طبيبة، وهذا حب. وهي امرأة شجاعة تخوض حياتها وتجاربها عارية أمام الأيام، وهذا حب... وهي إنسانة ولطالما غلب الحب البشر، فكيف لنموذج كالمرأة الفلسطينية أن يُسأل عن إمكانية الحب؟
- لا يتوقف الصراخ ولا تموت عيناه، هل تعتبرها مؤثرات لحقائق ترفض وداد طه أن تنسى؟
هي جملة أحاول من خلالها أن أصور الخيالات التي لاحقت الفلسطيني بعد أن خرج من أرضه وفرض عليه التهجير. نسمع أصواتًا من هنا وهناك تتهم الفلسطينيين بترك أراضيهم أو حتى بيعها لليهود ومغادرة فلسطين طوعًا، بل إن هناك من يريد للإنسان القابع فينا أن يغير طبيعته، فلا يخاف القتل فيلجأ إلى الخروج من بيته إذا ما تعرض للخطر والموت، فيطالبوننا بضرورة البقاء ومقاومة اليهود من فلسطين. لكنني أؤمن أن من خرجوا لم ينسوا، وأن أصوات الانفجارات والقتل الجماعي والاغتصاب وهدم البيوت خلال العمليات العسكرية التي قام بها اليهود كانت أكبر من قدرتهم على الصمود. خرجوا، لكن أصوات من بقيوا هناك ظلت تلاحقهم. وفي هذا المشهد تحكي مريم عن عيني عمها الذي أحرق أمام أعينهم وظلت عيناه محفورتين في قلبها ما عاشت.
- روزماري وكاترين ومريم تغزل بيدها شالًا، كيف لمن لم يعش في فلسطين أن يعيش أجواءها التصويرية في الرواية؟
حين نكتب، فنحن نؤلف. أي ننسج عالم الرواية قطبة قطبة، ولكي أصف فلسطين، وخاصة ميعار والقدس، وهما مكانان ما يزالان موجودين، كان عليّ أن أبحث وأتحقق وأسأل وأطالع صورًا وأرسل قلبي أحيانًا. وليست فلسطين هي المكان الوحيد الذي وصفته ولم أزره، رغم اختلاف الشعور والانتماء بالطبع، ولكنني وصفت قرية في ألمانيا اسمها فروزنهاون، وهذا أيضًا احتاج مني الرجوع إلى مصادر موثوقة.
- الرحيل والترحال وعذابات الشعب التي لا تنتهي بأسلوب أنثوي لم يخل من شاعرية، وكأنني قرأت حكاية فلسطينية منزوعة من جدات الحداثة، ما رأيك؟
"حرير مريم" حكاية امرأة هي كل النساء الفلسطينيات اللواتي عبرن حياتي، وضحكن رغم الدموع، وتذكرن صباهن بعذوبة، ومات أولادهن ووثقن بأغانيهن حكاية فلسطين، وكنت كأنني أسمع وأخزن حتى خرجن في مريم.
- يا أمنا مريم وفلسطين الإنسانية جمعاء، فلا تفرق بين مسيحي ومسلم، هل تعتبرها دلالات فلسطين النسيج الإنساني الواحد؟
رسالة من رسائل "حرير مريم" هي وحدة البشر. فإذا ما رجعت إلى الجغرافية، ستجدين أن ميعار في فلسطين والقرية في ألمانيا لهما الموقع نفسه، وتكادان تتشابهان من هذه الناحية حد التماهي. والقدس وجبيل وصيدا جاء في الرواية أنها متشابهة. ومريم المقدسة التي أعطت ابنها فداءً، تشبه مريم الخيّاطة التي أصبحت مقدسة حين مات أولادها. فإذا أنا وبشكل واضح أقول: لا فرق بين البشر. أحلم أن الفلسطينيين يولدون كل يوم ويجنّجون نحو السماء وفي شتى الميادين، مثلما ولد بيجاسوس بعدما قطع رأس ميدوسا، وأن حوافرنا التي تضرب الأرض سينبع منها برك، من شرب منها عرف السلام.
برؤية جديدة
النص ينطوي على عمق عاطفي وتأملات فلسفية حول قضايا الهوية والشتات والألم والكرامة. يتميز بأسلوب سردي يعبر عن معاناة الفلسطينيين ويبرز قوة المرأة الفلسطينية وقدرتها على حب الحياة رغم التحديات. النص يبعث إحساسًا بالحب والتفاني والألم، ويعكس رؤية مفعمة بالأمل والتفاؤل في مواجهة المحن. الهوية الفلسطينية والشتات: يبرز النص بشكل رئيسي موضوع الشتات الفلسطيني والتحديات التي تواجه الفلسطينيين في الحفاظ على هويتهم وثقافتهم. المرأة الفلسطينية: يسلط الضوء على دور المرأة الفلسطينية في النضال والحفاظ على التراث والهوية رغم الظروف الصعبة.
يناقش النص التباين بين الماضي والحاضر في موضوع الحب والعلاقات، مشيرًا إلى تأثير الظروف الاجتماعية والسياسية على هذه العلاقات. يعكس النص صراعًا داخليًا ومعاناة شخصية جماعية. المشاعر التي تنبض في النص تعكس الألم والخوف والفقدان، إلى جانب الأمل والتفاؤل. المرأة الفلسطينية هنا تجسد الصمود والمثابرة، وتجاربها تبرز التناقض بين الرغبة في الحياة والواقع القاسي الذي تعيشه.
يعتمد النص على أسلوب سردي غني بالصور البلاغية والتشبيهات التي تعزز من قوة التعبير. استخدام الرموز مثل "الحرير" و"حوافرنا" يعزز من الأبعاد الرمزية للنص. الصورة الأدبية التي يتم تقديمها تتسم بالثراء والعمق، مما يعكس تأثير الفن الأدبي في نقل التجارب الإنسانية المعقدة.
من الناحية الجمالية، يتميز النص بتنوعه اللفظي والخيال الغني. الصور البصرية المستخدمة في النص تعزز من التجربة القارئ وتجعلها أكثر حيوية. الأسلوب الشعري والتعبير عن المشاعر من خلال صور بصرية قوية يساهم في إعطاء النص جمالًا خاصًا، حيث يعكس التباين بين النعومة والخشونة، الأمل والألم.
الإيقاع البصري في النص يظهر من خلال استخدامه للصور والألوان التي تشكل لقطات حية تعزز من المعنى العاطفي. النص يستفيد من الصور مثل "فستان عرس" و"الحرير" لخلق تباين بصري يبرز الصراع بين النعم والقسوة، والنعومة والخشونة. هذا التباين البصري يعكس تباين المشاعر والظروف التي تعيشها الشخصيات. استخدام الرموز مثل "حوافرنا التي تضرب الأرض" يخلق إيقاعًا بصريًا يعبر عن الصمود والحركة المستمرة رغم التحديات.باختصار، النص يقدم تجربة غنية ومعقدة تدمج بين الواقع المؤلم والجميل، وتستخدم الصور البصرية والرموز لإيصال مشاعر عميقة وتعزيز تجربة القارئ.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol