الروائي صلاح علي عاصي للمدى: "رواية وجع الانتظار، مرآة لصدى تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

استحوذت الحروب على اهتمامات الروائي "صلاح علي عاصي" في روايته "وجع الانتظار"، الصادرة عن "دار غوايات"، لما تخلّفه من أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية. وعليه، فإن تراكم تلك الأزمات بات مادة لروايته، لعلها تكون فرصة للكاتب لتكريس دوره الريادي في تطور المجتمع إلى ما يتناقض مع واقعه الراهن. فهل انتهت حروبنا في لبنان؟ إن أزمة عائلة عبدالستار ليست قاصرة عليهم، بل هي أزمة وطنية قد لا تكون الرواية مكانًا لمعالجتها، لكنها شرارة ضوء في عالم مظلم. فالوجع إنساني كما هو وطني، والاحتلال واعتداءاته الدائمة قضية إنسانية متمادية. كم من الكتب والروايات والأفلام السينمائية وضعت، ولم تقفل دونها الأبواب حول الحروب الأهلية أو الاستعمارية، من الحرب الأهلية الإسبانية إلى الأمريكية إلى حرب فيتنام؟ لم يعدم "صلاح علي عاصي" الوسيلة للخروج من نغمة الحرب وأوجاعها كما في "وجع الانتظار". فقد ابتدع الفرح والحزن وألوان الحب ليزرعها في الأرض اليباب. ومع الروائي "صلاح علي عاصي" أجرينا هذا الحوار.

- ما بين أدب المقاومة وأدب رواية الحرب اللبنانية وضعت العائلة على أسس قروية، ما رأيك؟

رواية "وجع الانتظار" مرآة لصدى تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية في بعض محطاتها المأساوية. قضية المفقودين، مجهولي المصير، رغم مرور قرابة ثلاثة عقود على انتهاء الحرب، فهي جرح ما انفك ينزف فيدمي القلب. ولا بصيص أمل بانفراج يفضي إلى شفائه. من هنا كان الإحساس بوجع الانتظار. صحيح أن هناك أدبًا كثيرًا، بل روايات تناولت الحرب كما المقاومة، إلا أن هذه الرواية تناولت ظاهرة بعينها: الحرب، القتل، الدمار، ومخلفات ذلك في مسيرة الوطن وحياة المواطنين. أما المقاومة، فهي نتيجة من نتائج حروب عصفت بالوطن، وإن تطرقت الرواية إليها كقضية فلأهمية دورها في تحرير الأرض والسماح للمواطنين من الجنوبيين المشردين بالعودة إلى الأرض. من هذه الرؤية، تجدين قضية المقاومة قد أتت في سياق معاناة الجنوبيين ووجع انتظارهم، انتظار المفقودين، كما الأسرى في سجون الاحتلال. أما العائلة اللبنانية الجنوبية، فكانت نتيجة الظروف الجغرافية والسياسية قد كانت أكثر الشرائح الاجتماعية تأثيرًا بمأساة الجنوبيين، رغم معاناتهم، تعالوا على مآسيهم، فصمدوا وقاوموا وحققوا إنجازات هامة، مواكبين التطور العلمي في مختلف ميادينه. فعائلة عبدالستار نموذج للجنوبيين، والعائلة المتماسكة المتآلفة التي هزمت المأساة والعواصف، وكانت على مستوى التحديات، سواء في الجامعات أو الوظيفة كما في المقاومة. نموذج اللبناني الجنوبي، ولم يعد غريبًا رؤية تلك العائلة محافظة على أصالتها في التمسك بالعادات الفردية وقيم الريف عمومًا.

- الجنوب اللبناني وأزمة ما بعد الحرب بمساوئ الحرب وأكثر، لماذا الآن؟

صحيح أن أزمات الجنوب ما انفكت تتراكم منذ ستينات القرن الماضي، كونه كان مسرحًا للاعتداءات والنزاعات والتهجير وسوى ذلك. ربما تناول أزماته الكثيرون، سواء في الرواية أو الشعر أو المقالة أو المسرح، إلا أن ذلك لا يعني أن نصرف النظر عن البحث عما يفترض تناوله والبحث له عن حلول. فقضية عبدالستار وعائلته قد تكون مكانًا لاستخلاص العبر، وتحديدًا في أهمية التحدي، وقبول الآخر، وتعايشه بعيدًا عن العصبيات، بدليل ذلك اللقاء. الصدفة بين تلك العائلة والسفير جورج، والألفة التي تجسدت في ما يشبه الأخوة في الوطن والإنسانية. أضف إلى ذلك المعاملة الإنسانية التي لقيها عبدالستار في حضرة السفير، كما في المستشفى ودار التأهيل، في معاملة إنسانية لا خلفية طائفية أو مذهبية لها. على أن تجربة عبدالستار في فقده ذاكرته سلطت الضوء على قيمة الإيمان بعيدًا عن العصبية. ومفهوم الإيمان كما في حلم عبدالستار ومشهديته الجنة والمؤمنين، ألا ينبغي تناول الموضوع برؤية وطنية جامعة تؤكد إنسانية ومواطنة اللبناني بعيدًا عن التعصب بكل أشكاله؟

- اللبناني والحرب والرواية، هل جعبة الذاكرة باتت محشوة لهذه الدرجة لنكتب عن حروب على أرضنا؟

قد يكون لافتًا إسراف اللبناني بالحديث عن الحرب، فيتخذ منها موضوعات للرواية. غير أن الطبيعي هو ألا تكون الرواية عملًا أدبيًا متسرعًا، لأنها ليست حالة شعرية أو انفعالات تحدث بشكل طارئ، أو حالة اجتماعية. فالرواية تفترض التأمل في الواقع ومراقبة الأحداث والأشخاص، ودراسة انفعالات وأفعال الشخصيات في الحرب أو سواها، ما يفترض بالتالي برمجة العمل الأدبي في إطار فضاء روائي، يعرض الواقع بكل مرارته، ويرسم معالم عالم افتراضي في مختلف الشخصيات التي تتطور بتطور الأحداث لتكون نماذج إنسانية تتجاوز حدود الحاضر إلى المستقبل، ومسرح الأحداث إلى العالم.

- رغم المآسي في الرواية وضعت اللغة الشاعرية في خدمتها، لماذا؟

حتى المآسي توقظ في الكاتب مشاعره النائمة، فيتبرم بها ليترجمها عباءات يتلفع بها أبطال الرواية. فإن يستيقظ الحنين في أحد أولاد عبدالستار، طبيعي أن ينساب عبقه في لغة شعرية نابضة بأنبل العواطف. أولئك الذين نشأوا في الريف، في أحضان الطبيعة التي رققت مشاعرهم، طبيعي أن يتمتعوا بنفس رومانسي. إلى الريف، كانت المدينة والتحصيل العلمي وفرص التثقيف مجالات لتهذيب الذوق، فهل نستغرب أن تكون رؤى بمحاسنها ورهافة حسها ودقة مشاعرها وأنوثتها شاعرة في التعبير عن حبها في أي لقاء وحبيبها صابر؟ أن تحمل لغتها الشعرية على استيلاد لغة تضاهيها شاعرية لتليق بها؟ فاللغة الشعرية في الرواية تأتي زينة ومتعة متى كانت في سياق طبيعي، فهي لغة الذوق والقلب والشعور أيا كان، شرط صدقيته وشفافية الشخص. لم أضع مثل تلك اللغة الشعرية على ألسنة من لا يفترض فيهم الذوق الأدبي، بل حرصت أن أراعي مقتضى الحال كما كان يقول الجاحظ، وأجعل لكل مقام مقال. في مشهدية الجنة، وعبدالستار وصفية يستعيدان شبابهما والحكمة، ألم يُفترض أن يعبر عن عواطفهما وجمال الجنة بلغة الشعراء وإن كانا أميين؟

- رواية كلاسيكية عميقة الطرح، لكن أين الحلول فيها؟

من جهتي، أرى أن بنية الرواية الكلاسيكية لا تزال قيمة بذاتها، وهذا ما حرصت عليه لجهة الجو الدرامي كما لاحظنا في الصراع الذي عاناه أشخاص الرواية، أو لجهة تنامي الشخصيات في تفاعلها مع البيئة، ناصر، أحمد، رؤى. ما وفر للرواية عنصر التشويق الضروري، حتى اليوم في العمل الروائي. كما أن الأحداث بخلفياتها وملابساتها وتعقيداتها، أعتقد أنها عولجت بكثير من المنطق بعيدًا عن إسقاط المواقف والمواعظ بمناسبة أو غير مناسبة، دون أن أدعي الموضوعية التامة في المعالجة والتحكم بمسائل الأمور. إلا أن مسألة الحلول ليست من مهمات الرواي، فالرواية تفتح آفاقًا، وتسَلّط الضوء على مواطن الخلل والمشاكل المعقدة. وعلى المتلقي القيام بما من شأنه معالجة المشاكل في مسار سياسي وإداري مجتمعي.

- هل تحاول القول نحن أسرى العادات والمفاهيم الراسخة بشكل متوارث؟

واقعيًا، يبدو لنا للوهلة الأولى أن مجتمعاتنا اللبنانية قطعت شوطًا أكبر نحو الحداثة على أكثر من صعيد، إلا أن المتأمل في الواقع، والمتفاعل إيجابًا مع مجتمعه، يجد أننا أحيانًا كثيرة نستعيد كل ما اعتقدناه موروثات تجاوزناها إلى سواها. ففي روايتي "وجع الانتظار" جو ريفي مسخر في بوتقة عاداته وتقاليده الريفية. لم يبد ذلك سيئًا لأنه موسوم بالقيم الروحية والإنسانية. غير أن بعضًا من تلك التقاليد لا يزال مقيما في أعماقنا، خصوصًا الانتماء العائلي الأقرب إلى الانتماء القبلي.

- الزمن الآن وأدبه اختلفا، ألا تظن أنك عدت إلى أدب الستينات؟

صحيح أن لكل مرحلة أدبها، باعتبار الأدب ابن بيئته، وهذا ما شهده الأدب العربي منذ عصر النهضة بانفتاح الأدباء والشعراء على الآداب الغربية. فمرحلة الستينات التي أشرت إليها شهدت نهضة أدبية أوحت بحركة تجديد في بنية الأنواع الأدبية تأثيرًا بالمدارس الأدبية في الغرب. ولما كان المجتمع العربي عمومًا واللبناني خصوصًا قد شهد حركة تحرر شكلت نوافذ لأحلام شبابية حالمة بالتغيير الجذري. وقد لوحظ ذلك في الشعر أكثر من النثر والرواية. حتى الرواية المصرية، مثلًا نجيب محفوظ، ظلت ملتزمة الواقعية. وإذا رأيت في روايتي عودة إلى أدب الستينات فلأني أؤثر الواقعية بعيدًا عن أحلام سرابية. علاوة على أن العودة إلى أحلام الستينات هي عودة إلى الزمن الأجمل، فيما نحن اليوم نعيش مرحلة إحباط وتراجع، يفترض التمعن في معالجة الواقع لعلنا نستعيد تلك المرحلة الخصبة من مراحل أدبنا عمومًا.

من خلال الحوار معه نكتشف أن وجع "وجع الانتظار" رواية ذات حبكة معقدة ومتشابكة ترتكز على تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية. تسلط الرواية الضوء على أزمة عائلة عبدالستار، حيث يصبح مصيرهم انعكاسًا للمأساة الوطنية الأوسع. الرواية تعتمد على سرد متعدد الأبعاد يتناول تأثير الحرب على الأفراد والمجتمع، ما يعكس قدرة الروائي على تقديم قضايا اجتماعية وسياسية من خلال تجربة شخصية. تتمثل الشخصيات في الرواية في إطار من الألم والبحث عن الهوية، حيث تُظهر الرواية تطورًا نفسيًّا ملحوظًا لشخصياتها. شخصية عبدالستار وعائلته تعكس تفاعل الإنسان مع الأزمات الاجتماعية والسياسية، وتؤكد على تباين ردود الأفعال الإنسانية تجاه الأزمات. الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات يُعالج بعمق، ما يعزز فهم القارئ لتجربة الحرب وأثرها على الفرد والمجتمع.

اللغة في "وجع الانتظار" تجمع بين الشعرية والواقعية. يستخدم الروائي لغة تعبيرية قوية تنقل المشاعر والآلام بدقة، حيث تتسم الجمل بالرشاقة والبلاغة. اللغة الشعرية تبرز في مشاهد معينة، مما يضفي على النص بعدًا جماليًّا يعزز من تأثير الرواية على القارئ. الأسلوب يساهم في بناء عالم روائي يوازن بين المأساة والجمال، مما يعزز من قدرة الرواية على جذب القارئ وتأثيرها العاطفي.

الرموز والتلميحات في الرواية تلعب دورًا محوريًّا في تعميق المعاني. "وجع الانتظار" كعنوان يرمز إلى حالة الانتظار المستمرة للأمل في ظل اليأس. الرمزية في الرواية تتناول قضايا الصراع والهوية، مستخدمة لتسليط الضوء على جوانب متعددة من التجربة الإنسانية في سياق الحرب.

الرواية تستفز القارئ عاطفيًّا من خلال تصوير عميق لمشاعر الحزن واليأس والأمل. الصراع النفسي لشخصيات الرواية يعكس التجربة الإنسانية الواسعة للألم والتعامل مع الأزمات. تجربة عبدالستار وعائلته تعبر عن صراع داخلي مع الذكريات والآمال، مما يجعل القارئ يواجه تجاربه العاطفية الخاصة.

تتطلب الرواية استجابة نفسية تعاطفية، حيث يختبر القارئ مشاعر مشابهة لتلك التي تمر بها الشخصيات. المعالجة النفسية في الرواية تتيح للقارئ التعاطف مع الشخصيات وفهم عميق لتجاربهم، مما يعزز من الارتباط النفسي مع النص.

العمل الفني في "وجع الانتظار" يظهر من خلال الاستخدام المميز للغة والأسلوب السردي. الأوصاف الدقيقة والمشاهد البصرية تساهم في خلق صورة واضحة وجميلة للأحداث والأماكن. الرواية توازن بين الجمالية الفنية والواقعية، مما يساهم في تعزيز الأثر الجمالي للنص.

التعبير الأدبي في الرواية يتسم بالإبداع والعمق، حيث يتم استخدام الصور الشعرية والتشبيهات بطريقة تعزز من التجربة الجمالية للقارئ. الرواية تستفيد من تقنيات السرد الوصفي لخلق تجربة قراءة ثرية وجميلة.

الرواية تقدم رسائل فكرية عميقة تتعلق بالهوية الوطنية والصراع الاجتماعي. من خلال قصة عائلة عبدالستار، تُستكشف قضايا الحرب، والتهجير، والأمل، والتعايش. الرواية تدعو إلى التفكير في كيفية معالجة الأزمات الوطنية والتعامل معها بطرق إنسانية وتكاملية.

"وجع الانتظار" تعكس تأثير الأحداث الاجتماعية والسياسية على الأفراد والمجتمعات. الرواية تُظهر كيف يمكن أن تؤثر الأزمات الكبرى على المواقف الشخصية والعلاقات الإنسانية، مما يوفر نظرة نقدية على الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان.

بناءً على هذا التحليل لحواري معه يظهر أن "وجع الانتظار" هي رواية تتناول موضوعات عميقة ومعقدة بأسلوب أدبي متقن. تدمج الرواية بين الجوانب النفسية والجمالية والفكرية لتقديم تجربة قراءة ثرية تؤثر على القارئ من جميع النواحي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol