أليس الموت هو موت الوعي الإنساني؟
رواية "وجع الانتظار" للمؤلف "صلاح علي عاصي"
ضحى عبد الرؤوف المل
انسابت اللغة الشاعرية في رواية "وجع الانتظار"، الصادرة عن "دار غوايات"، للمؤلف "صلاح علي عاصي"، رغم المآسي المشبعة بالحرب اللبنانية وأحداثها المرة على عائلة جنوبية تركت زراعة التبغ، ونزحت نحو بيروت طمعًا ببحبوحة العيش ومساندة الأولاد في تلقي العلم داخل مدارس بيروت. إلا أن مفارقات الحرب التي حطت رحالها على لبنان عامة والجنوب خاصة، تركت هذه العائلة بين أكف الأقدار التي تلوكها، وتجعلها كالعصف المأكول بعد موت الأم، وإصابة الأب بجراح خطيرة تركته في حالة من فقدان الذاكرة. لتتخذ العائلة عدة مسارات في رواية كلاسيكية العبارات غير المثقلة بالمشاهد العامرة بالحركة الدرامية، وإنما ضمن الرواية التي تقيدت بلغة المشاعر والأحاسيس، وبالمسارات الأدبية في رواية لامست أدب المقاومة وابتعدت عنه عبر عدة محاور غارقة في السريالية أحيانًا، وكأن الفكر المشبع بالمعتقدات الدينية لا يمكن إلا أن يحيا ضمن الأطر التي نشأ عليها، وأن برز فقدان الذاكرة كمشكلة جعلت من صفية المرأة المتمسكة بالرجل الذي لم يتمسك بالأرض كما ينبغي حين قرر النزوح نحو بيروت، وما الإنسان المجنح إلا العودة للهواجس والخوف من العالم الجديد الذي دخله بصحبة صفية، غير مدرك للصواب أو الخطأ. فهل يمكن معالجة الوضع المأساوي في الرواية بالخروج نحو السريالية المذهبة بالصور لحوريات قابعات في الذهن الذي تعصف به هلوسات الموت والبقاء أو الوعي واللاوعي؟ أليس الموت هو موت الوعي الإنساني؟
عبد الله، وما الإنسان إلا العبد المخلوق من مادة وروح، فإن تلاشى الجسد وأصبح بين الموت والحياة، يبقى وعي الروح يجادل البقاء ببوح عاطفي لا تمازج فيه، وإنما بعض شجاعة التجلي والرغبة المحددة لذاتية يمارسها "صلاح علي عاصي" كرجع نفسي منقهر من أحداث لا إيمانيات تتوالى على العقول العالقة بين الحياة والموت، تاركًا للإثم المفتوح المفهوم البدائي لهبوط الوعي واستلابه. ليضع القارئ في أجواء لا تنتمي للواقع ولا تفارقه، وإنما بإضاءات تحايل فيها أسلوبيا. ليترك النص الروائي مفتوحًا على حقبة تقاوم القهر الاجتماعي والسياسي والنزوح بإسقاطات على الذاكرة وهلوساتها، ومؤثرات معتقداتنا على النفس، فالنص مغلف بالطقوس والمفردات الدينية والتخوف المبطن بميثولوجيا تذبذت بمفاهيمها بين الوجع والاستسلام للقدر، وبين الخوف والرفض للعيش بعيدًا عن جدليات الوجود. إذ تبدو الفلسفة غير مألوفة في رواية تتنازعها الأحداث المأساوية. لتقبع خلف إصابة رب العائلة بفقدان الذاكرة الناتجة عن حرب لم تفرق بين مؤمن أو كافر، وإنما أكلت الأخضر واليابس حتى المعتقدات الدينية باتت كهلوسات عبدالستار الذاتية الغارقة بالأمنيات والتهيؤات البعيدة عن رصانة الحكماء.
بين الهلوسات والأحلام، العودة إلى ميثولوجيات حبكها من منظور عقائدي لإبراز الحنين إلى الوطن الأول، المجهول للإنسان بالوعي والمعروف باللاوعي من خلال الميثولوجيات الراسخة في الأذهان عبر الحياة، وما نمتنع عنه خشية وخوفًا نطمع به في النفس الأثيرية غير المتمسكة بالماديات والقادرة على خلق الحلم والتجوال فيه، وبهذا يحملنا "صلاح علي عاصي" نحو أماكن مختلفة من صنع الهواجس النفسية الذاتية. لتكون الحرب النفسية أسوأ من الحرب اللبنانية التي جعل منها المدخل إلى وجع الانتظار والبوح العاطفي، والذاتية الغارقة بالميثولوجيات. "فهل نحن قادرون على الإمساك بالحقائق دفعة واحدة؟" سؤال تركه ليبحث في جدلية لا أجوبة عليها، وإنما تنعش الغيبوبة الطويلة التي أمضاها مع صفية قبل أن يستفيق على اسم طوني. فالمزيج الروائي يهدف إلى استعادة الذات الإنسانية. فهل من ذاتية روائية في رواية "وجع الانتظار"؟
هموم وقضايا لم يهملها "صلاح عاصي" لإبراز العائلة الجنوبية المتشرذمة لا إراديًا والمتلاحمة والمتماسكة في رؤيتها لحياة يغمرها التوجه العقائدي إن صح القول، أو التي بذلت قصارى جهدها للوصول إلى بر الأمان الضائع في الحياة. فقضايا الأسرى والتبادل وفقدان الأشخاص خلال الحرب، ومن ثم عودتهم بعد سنوات والمشاكل الأسرية الناتجة عن القلق والانتظار إن لعودة أسرى الحرب أو لعودة المفقودين. وعبد الستار أو طوني هو واحد من عشرات تم العثور عليهم بعد عدة سنوات من الفقدان المرتبط بشراسة حرب وقعت في جنوب لبنان تحديدًا، وفي بيروت خاصة. لتضع الرواية الوقائع بين الأحلام والهلوسات والمخاوف. إلا أن من لا يعرف قيمة الأرض وما تعطيه لا يمكنه معرفة قيمة الحياة والبقاء في أرض هي وما تعطيه ملك صاحبها. فهل نصاب بفقدان الذاكرة بعد حروب تشن علينا نفسيًا وجسديًا؟ وهل متاعب الحياة هي في بناء العائلة أم في بناء الأوطان؟
ترصد الرواية أبرز الأحداث التي مرت على لبنان أثناء الحرب اللبنانية والحرب الإسرائيلية فيما بعد، عبر واقع المجتمع اللبناني نفسه وبيئته الجنوبية، بتفاصيل وإشكاليات مرتبطة بأزمات ما بعد الحرب، وطرق محو ثقل المؤثرات التي نشأت من الحروب بأدق التفاصيل الاجتماعية للإحاطة بالتشرذم الناتج عن قساوة الحروب، لإطلاق صرخة إنسانية ضد التناحر المذهبي والطائفي، وبمكونات ذات ثيمات تتعلق بالرؤية الذاتية للحرب وعبثيتها. فما تعرضت له عائلة عبد الستار هو من الحقائق اللبنانية والأثمان الباهظة التي دفعها طوني أو عبد الستار عبر الهلوسات التي عاشها وهو في الغيبوبة، تجسد فرط الخطايا والحسنات، والتفكير بالثواب والعقاب، وطوفان الأفكار التي تتداعى أمام فقدان من نحب في الحروب أو الأحلام التي تتهاوى في النفوس المأزومة. فهل نجح "صلاح علي عاصي" بالخروج من دوامة الانجذاب نحو إظهار مساويء الحرب على فئة معينة دون أخرى، وهل من ذاتية مارسها في روايته "وجع الانتظار"؟
برؤية أخرى
رواية "وجع الانتظار" للمؤلف صلاح علي عاصي تطرح نصًا أدبيًا ثريًا يحمل في طياته تعقيدات سردية واجتماعية تلامس عمق التجربة الإنسانية في ظل الظروف المأساوية. تكمن قوة الرواية في قدرتها على الجمع بين السرد الكلاسيكي والعناصر السريالية، لتبني عالماً يدمج بين الواقع والخيال، وبين المنظور الفردي والجماعي.
يسعى صلاح علي عاصي في روايته إلى تقديم معالجة فنية للأحداث التاريخية والاجتماعية من خلال تسليط الضوء على تأثيرات الحرب اللبنانية على الأفراد والعائلات. يتجلى الهدف الروائي في محاولة استكشاف كيف يمكن للحرب أن تقوض بنية الإنسان النفسية والاجتماعية، مع التركيز على الأبعاد النفسية والفلسفية للتجربة البشرية في أوقات الصراع.
الرواية لا تكتفي بعرض الأحداث والوقائع، بل تعمد إلى الغوص في أعماق الشخصية الإنسانية. من خلال شخصية عبد الستار، الذي يعاني من فقدان الذاكرة، يطرح عاصي تساؤلات حول الهوية والوجود، وكيف يمكن للتجارب القاسية أن تعيد تشكيل الإنسان بطرق غير متوقعة. الفقدان، سواء كان فقدان الذاكرة أو فقدان الأمل، يصبح محركاً أساسياً للحبكة الروائية.
يمزج عاصي بين الأسلوب السردي التقليدي والعناصر السريالية، مما يضفي على النص طابعًا دراميًا فريدًا. السرد، وإن كان يحمل طابعًا كلاسيكيًا في بعض جوانبه، إلا أنه يتضمن أيضًا مقاطع سريالية تتناول الهلوسات والأحلام بعمق فلسفي. هذه العناصر تضيف بُعدًا إضافيًا لفهم الألم النفسي والتشتت الذي يمر به الأفراد في أوقات الحرب.
السرد السريالي في الرواية يتيح للقارئ الدخول في عوالم متعددة من الوعي واللاوعي، ما يعكس تباين التجربة الإنسانية وتنوعها. هذا الأسلوب يعزز من قدرة الرواية على نقل مشاعر الاضطراب والتناقضات الداخلية التي يعيشها الشخصيات، ويجعل من تجربة القراءة رحلة تتنقل بين الواقع والخيال.
تقدم "وجع الانتظار" رؤية نقدية للمجتمع اللبناني في ظل الحرب، مع التركيز على التشرذم والفقدان. تعكس الرواية الصعوبات التي تواجهها العائلات في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية، وكيف يمكن لتجارب الحرب أن تخلق فجوات عميقة بين الأفراد والمجتمعات.
الجانب الثقافي في الرواية يتجلى من خلال استخدام الميثولوجيات والمعتقدات الدينية كأدوات لفهم ومعالجة التجربة البشرية. تبرز الرواية تأثيرات هذه المعتقدات على نفسية الأفراد وعلى طريقة تعاملهم مع الصراع والانتظار. من خلال هذا الدمج بين الدين والفلسفة، تسعى الرواية إلى تقديم قراءة عميقة لمفاهيم الوجود والحياة والموت.
رواية "وجع الانتظار" هي عمل أدبي ينتمي إلى ما يمكن وصفه بتيار الرواية النفسية والسريالية، حيث تمتزج العناصر الواقعية مع تلك الخيالية لتقديم تجربة قراءة غنية ومعقدة. من خلال شخصياتها وتفاصيلها، تسعى الرواية إلى استكشاف عمق المعاناة الإنسانية وتأثيرات الحروب على الفرد والمجتمع. الأثر العاطفي والفلسفي الذي تتركه الرواية يعكس القدرة على الجمع بين الفن الأدبي والتحليل الاجتماعي بطرق مبتكرة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol