لإخراج ما في الصدور: قراءة في رواية "مصائر" للروائي الفلسطيني ربعي المدهون
ضحى عبدالرؤوف المل
هي فعلاً رواية لإخراج ما في الصدور، وقراءة لوجستية للوضع الفلسطيني الحالي على امتداد الزمن الذي بدأ منذ الهجرة أو الهروب، وفي كل مكان حيث انتشار الكره للعرب وللمسلمين دون إدراك لجوهر الحكاية الفلسطينية التي بدأت بترك أبواب البيوت مغلقة، ليزداد الحنين إلى العودة في ظل حياكة إسرائيلية تهدف إلى توطين اليهود في الأراضي الفلسطينية بشكل يبقى أصالة المكان شاهدة على الوجود، وفي البيوت المهجورة خاصة لما تحمله من معانٍ لا يمكن التكهن بها كاملة أو المعرفة بها. فهل استبطن المدهون رغبة إيفانا، لتكون رغبة فلسطين المقهورة التي تئن تحت احتلالات تقع كل يوم وفي كل مكان في العالم بحق الإنسانية أولاً ومن ثم فلسطين؟
مزاحمة للفلسطينيين في الدنيا التي تشبه فكرة محشوة بالرمزيات والإيحاءات والدلالات التي تركز على توحيد الهموم الفلسطينية بين المسيحيين والمسلمين، وبين كل من يؤمن أن الإنسان هو الإنسان بكل معتقداته التي يحبكها المدهون برؤية لها إسقاطاتها التكتيكية التي ترنو إلى إظهار التابوت الخشبي وثوب العرس، والباب المرسوم على غلاف الرواية، والكثير من التفاصيل التي جعلت من جون عريسا يصل إلى لندن سنة 1948 لتتشابك الأحداث وفق رمزيات توحي بالكثير من الاستبطان الذي اعتمد عليه المدهون في روايته "مصائر" الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، إذ تبدو ديناميكية التخيلات متحركة حيث توفيت هنا توفيت هناك هي الرواية بأكملها لفلسطين التي تنتظر نثر رمادها لتولد هنا، وتولد هناك، وإنما في إشارة منه إلى ما يحدث من اتفاقات ومعاهدات... لكن كل ذلك لا يعيد لفلسطين حقها لتكون كقصة حب شهد البعض على نصف مثواها الأخير.
الاستيلاء على التاريخ هو الاحتلال الأقوى الذي يمثل بجبروته محو شعب بأكمله من الوجود، وضحايا التهويد ليسوا البشر فقط، إنما البيوت والأثار والأراضي والتاريخ برمته، والتي لم ترث المسيحية ولم تتحول للإسلام بل للإيمان دون إدراك لماهية الاختلافات الإنسانية التي تقوم على الأديان، وكنيسة القيامة في بيت لحم هي الحلم لكل مسيحي، كما أن القدس هو الحلم لكل مسلم، وفلسطين بين هذا وذاك تعاني من التهويد الذي لا يرحم أحجارها ولا أهلها، فهل يحاول المدهون ترتيب دلالات المضمون بأسلوب ذي تشويق اقترن بقصص حب تتوارث بين الأجيال؟
حركات إيقاعية في رواية ازدواجية العناصر، إذ اعتمد المدهون على ثنائية الشخصيات المتحركة، كما اعتمد على ثنائية الهولوكوست والنكبة والمقارنات بأسلوب خفيف بسيط ذا عقد مرنة، وما تم التعويض عنه وما لم يتم اعتباره هولوكوست هو كونشيرتو زمنية مقسمة إلى أزمان حقيقية لها مصداقيتها في الحدث التاريخي "في عتمة التاريخ البعيد تصعب رؤية التفاصيل، في وضح نهار الحاضر" محاولاً جعل روايته تاريخية لمن يريد أن يدرك مفارقات التاريخ في العصر الحديث وكيف تطور الاحتلال وأين الأخطاء الكبيرة التي يصمت عنها الشعوب كالبيوت التي تم منحها لليهود بكل ما فيها مع الاحتفاظ بسخرية من سكنوا فيها من الإسرائيليين الذين اشتكوا من خلخلة سرير أو بابور سيء الاستعمال، وفي هذا تصوير واقعي مستند إلى حقائق، لكل ما مر منذ النكبة أي بمرحلة ولادة وموت، وضمن إسقاطات اعتمد عليها المدهون بحرفة روائية رسم من خلالها واقعين، ليتماشى مع ما هو افتراضي حالياً، لتتكون الأجزاء كرواية يتلاعب بشخوصها من هو قادر على بناء الحدث المثير للدهشة بفن أعاد لضحايا المحرقة النازية أو "يد فيشم" الحق في انتزاع التعويض من الألمان بينما لم يحدث هذا لمن تركوا بيوتهم بكل ما فيها لمن استوطنوا بيوتهم دون أي تعويض لهم الحق فيه وشتان بين الهولوكوست والنكبة. فهل الرواية هي فعلاً كما يقول المدهون مراوغة ذاكرة أثقلتها نوستالجيا بنتها حكايات تشبه الوصايا وراكمتها على مر السنين؟
كثف المدهون من التفاصيل التي جمعها عبر التاريخ ومن جدليات ما زالت قائمة، ومن أحاديث شعبية زينت الرواية التي وضع الحقيقة فيها بين روايتين في رواية واحدة، ليشتت القارئ ويبعده أحياناً عن تلقائية الخبر المؤكد والموجود في سجلات التواريخ التي تؤكد على الكثير من الحقائق التي دسها في رواية تاريخية بامتياز هي لفلسطين، وبثلاثية معاصرة واقعية بمرارتها وحلاوتها وسخريتها السوداء، ومتخيلة في التركيبة الحركية الرباعية التأليف وافتراضية في الحياة التي بات ينشدها الجميع للهروب، من الحدود وما هو ممنوع ومرغوب وما إلى ذلك.
توازنات روائية مؤلمة في مقارنتها المبطنة برؤية ساخرة من متحف المحرقة "يد فيشم" في القدس وصولاً إلى قرية دير ياسين ومذبحة 1948، وكأنه يؤكد على صعوبة القبول بالتعايش الذي بدا في بعض منه مرفوضاً. لأن معاناة الفلسطيني معقدة حتى بالحياة الافتراضية التي تشبه في نزاعاتها التاريخ والحقيقة، وما يتم انتزاعه من الفلسطينيين كل يوم، فهل من توليفات بين الحركات التي عزف عليها كونشيرتو روائي كثيف في لململة المشاهد من هنا وهناك؟ لتكون الرواية نفسها هنا وهناك محبوكة بسلسلة من الحكايات أو المرويات التي أضافت إلى الرواية شعبية فلسطينية لها نكهتها الخاصة التي يمكن اعتبارها كباب من أبواب فلسطين المرسومة على غلاف رمزي فتحه القارئ ولم يستطع إغلاقه إلا بمرارة. وكأنه في متحف روائي هو لفلسطين منذ النكبة وحتى الآن.
بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة المدى العراق ، أعدت قراءة الرواية وكتبت عنه برؤية جديدة.
رواية "مصائر" للروائي الفلسطيني ربعي المدهون تعد تجربة أدبية غنية تنطوي على استكشاف عميق للهوية الفلسطينية والهويات المتعددة التي تحيط بها. من خلال توظيف تقنيات سردية متعددة الطبقات، يسلط المدهون الضوء على الآلام والتجارب الإنسانية التي شكلت ويشكلها الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. الرواية ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي محاولة لفهم تأثيرات تلك الأحداث على الفرد والمجتمع، والبحث عن معنى في فوضى التاريخ والصراع.
تبدأ الرواية بعرض مكثف لوضع الفلسطينيين، مشيرةً إلى التباين بين تجارب الشتات والوجود تحت الاحتلال. تستخدم الرواية تقنيات سردية متشابكة تدمج بين الواقعية والرمزية، مما يجعل من كل فصل تجربة سردية مستقلة ولكنها متكاملة مع باقي النص. هذه التقنية تعكس الصراع الفلسطيني المعقد، حيث يتداخل التاريخ والواقع، ويختلط الألم بالرجاء.
تظهر الرواية كمرآة لأساليب سردية متنوعة، بدءًا من الأحداث التاريخية التي لا يمكن إنكارها مثل النكبة والهولوكوست، وصولاً إلى التجارب الفردية التي تعكس الأثر العميق لهذه الأحداث على حياة الناس. المدهون يحقق نجاحاً ملحوظاً في استخدام الرمزية، حيث يمثل التابوت الخشبي وثوب العرس والباب المرسوم على الغلاف تجسيداً مادياً لمفارقات الوجود الفلسطيني.
تستكشف الرواية التفاوتات العرقية والدينية في المجتمع الفلسطيني، حيث تسعى لدمج الهموم الفلسطينية بين مختلف الطوائف والأديان. المدهون يعرض بوضوح كيف أن التهجير والاحتلال لم يميز بين مسيحي ومسلم، وبين فلسطيني وآخر. رواية "مصائر" تدعو إلى التساؤل عن كيفية تصحيح هذا الانقسام المستمر والبحث عن وحدة وطنية حقيقية.
تلعب الرواية دوراً مهماً في توثيق الهوية الفلسطينية وتفكيك الأساطير التي تحيط بالنكبة والهولوكوست. المدهون يستعرض كيف أن هذه الأساطير تشكل تجربة الفلسطينيين، وكيف أن تاريخهم لم يُقدَّر بشكل عادل. تعكس الرواية تجارب النكبة عبر مشاهد مؤثرة تروي قصص الأفراد والمجتمعات التي فقدت كل شيء، وتبحث في كيفية الحفاظ على الأمل والإرث الثقافي رغم كل الصعوبات.
يهدف ربعي المدهون من خلال "مصائر" إلى تقديم رواية تسعى إلى إعادة بناء الذاكرة الجماعية الفلسطينية من خلال نظرة موضوعية تتجاوز الترويج للضحية أو البطل المظلومي. تتسم الرواية بموضوعية نادرة في تناولها للأحداث التاريخية والاجتماعية، حيث لا تكتفي بتوثيق الوقائع بل تسعى أيضاً إلى تقديم تحليل نفسي واجتماعي عميق للشخصيات. هذا يتضح من خلال تفاصيل الرواية الدقيقة التي تربط بين الفرد والمجتمع، وتكشف عن تعقيدات الصراع الفلسطيني.
المدهون يقدم من خلال روايته نقداً لاذعاً للاحتلال الإسرائيلي وللمجتمع الدولي الذي لم يعطِ القضية الفلسطينية الاهتمام الكافي. يعرض التصور الرمزي لتأثير الاحتلال على الفلسطينيين، موضحاً كيف أن الصراع لم يكن مجرد مواجهة عسكرية بل صراعاً على الذاكرة والهوية. الرواية تبرز كيف أن السيطرة على التاريخ وتزييفه يعتبر من أساليب الاحتلال الأكثر فتكاً.
"مصائر" ليست مجرد رواية، بل هي تجربة قراءة مليئة بالتحدي العاطفي والفكري. يمزج المدهون بين الألم والقدرة على الصمود، بين الندوب والآمال المتجددة. من خلال رؤيته الفنية المبدعة، ينجح المدهون في نقل معاناة الفلسطينيين بشكل يجعل القارئ يشعر بعمق التناقضات والتحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني. الرواية تلقي الضوء على الحياة الإنسانية في خضم الصراع، مما يجعلها تجربة غنية ومؤثرة تتجاوز مجرد كونها وثيقة تاريخية.
باختصار، "مصائر" للمدهون هي دراسة اجتماعية وروائية متكاملة تسعى لفهم الصراع الفلسطيني من خلال عدسة متعددة الأبعاد. توازن الرواية بين الموضوعية والانطباعية، مقدمةً تجربة قراءة تسبر أغوار التاريخ والذاكرة والتجربة الإنسانية، وتفتح المجال للتفكير العميق حول مستقبل فلسطين والعدالة الاجتماعية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol