نادين نجيم في تقمص شخصية "سمرا" المليئة بالعنفوان الغجري والعفوية.

ضحى عبدالرؤوف المل

ضحى عبدالرؤوف الملعب تكنيك المشاهد دوراً مهماً في خلق محاكاة تثير انتباه المشاهد منذ الحلقة الأولى التي بدأت بالحدث وغموضه في آن. وما بين الخوف والموت والفرح، حياة في عالم لا هوية له. برعت نادين نجيم في تقمص شخصية "سمرا" المليئة بالعنفوان الغجري والعفوية، مع إنتاج ساعد في إبراز قوة الإخراج، والغنى في الديكور والملابس بتواضعها وفخامتها. إذ استطاعت رشا شربتجي تمكين المشهد بالانتقال والاتساع والتنوع، ومنحه طبيعية الحركة واللغة، متنقلة بين هذا وذاك.

مصير جديد وقدر رسمته بصارة لها قدرتها التمثيلية التي توجت بها مسلسل "سمرا" القديرة منى واصف وهدوء العواصف الدرامية بين يديها. إذ أمسك تعابيرها وسخرها في إظهار جمالية الخرافة وقدرتها على خلق تأثيرات متعددة في حياة الأشخاص الذين نحبهم، فيكون خط مسير الحياة هو عدة خيوط درامية جمعتها كلوديا مرشيليان بتعدد وتنوع ومعالجات اجتماعية، دون أن تنسى مشكلة الوجع السوري وما يعانيه الأطباء إلى جانب كل متعلم، وكل فنان، وكل فئات المجتمع السوري التي تعرضت إلى اللجوء ومشاكله. فهل سمرا هي حيوات في حياة تحت شعار الحب الذي يحتاج إلى هوية ويصعب تحقيقها؟

أحلام نجم أو "اليكو داوود" وبناء العالم الحلم المملوء بالحب المستحيل في عاطفة زاخرة بالإنسانية والرضى، بالتوازي مع الوطن والهوية والتشتت، والقرارات المحكومة بالقوة للاجئ ممنوع من السفر أو ممارسة مهنة إنسانية. فما بين الحلم والحقيقة، واقع يصعب تطبيقه، فيرضى البعض بتجسيد الأحلام والعيش على صورتها المركبة تركيباً خيالياً. وقد أتقن نجم أو "اليكو داوود" إظهار خبايا الشخصية وإدراك كنه وجودها في المجتمعات التي لا تمتلك إلا الحلم لتكمل مسيرة الحياة عبر خط درامي لا يمكن رسم غيره، لأن لكل منا دوره في الحياة.

صبحية أو الفنانة القديرة "سمر سامي" والدور المتقن بتعبيراته المختزنة بالألم النفسي وخلفياته عبر بصمة الجنون والاعتداء عليه من عاقل مجنون لم يدرك عواقب فعلته، أثمرت أحد المهمشين الذي يمتلك من الجينات الوراثية ما يؤهله ليكون من المجتهدين في الدراسة. إلا أن مشكلة الهوية تمنعه من تقديم امتحانات رسمية لنيل الشهادة، فيجنح نحو العنف في ظل المستحيلات التي يراها كعقدة قوية، برغم العاطفة القوية التي تربى عليها عند راوية البصارة أو شريان الأمل أو الشؤم عند أبناء الغجر أو المهمشين في عصر بات مليئاً بالمخيمات واللاجئين. فهل تبحث كلوديا مرشيليان عن هوية إنسانية لعوالم تتشابه في مضمونها وتختلف في الشكل والإمكانات المادية والمعنوية؟

موسيقى تصويرية لم تكتمل مع التمثيل والسيناريو والحوار ربما! لقوة النغمة التي رافقت رقة الحدث في بعض المشاهد، كما أن تتر المسلسل ابتعد قليلاً عن النغمة التخيلية والواقعية للحدث. فإياد الريماوي لم يقترب من نغمات الغجر وسحر إيقاعهم في المشاهد، إلا في بعض اللقطات الراقصة للغجر أنفسهم. فنغمة الموسيقى التصويرية كان يجب أن تحاكي السمع بحسية عالية، لتواكب قدرات التمثيل والمضمون الذي غلب عليه المتاعب والصعوبات مع الهدوء الغامر للحظات مشبعة بالحب والحلم. وإنما بهمسة رومانسية احتاجت إلى عزف آلات أخرى، خصوصاً تتر البداية وانفصاله عن المشاهد. فالموسيقى التصويرية لم تتواءم مع الغجر وبهرهم بنسبة مرضية، فابتعدت العناصر التأثيرية عن المشاهد الذي فصل التتر عن المسلسل لا إرادياً، وإن حافظ على جمالية بعضها، ولكن بنسبة ضئيلة، وكأن أغنية التتر لم ترتبط بالمسلسل بأي شكل من الأشكال.

حافظت رشا شربتجي على توازن الحلقات عبر الأحداث التي انسجمت مع المشاهد ومعانيها، وتنوعها دون أن تصيب المشاهد بالضجر أو أن تغيب الخيوط الدرامية عن بعضها لمسافات تطول مدتها. فالحوارات تنوعت في مدتها ومعنويتها وخفة ظلها وسهولتها الفكرية، خصوصاً مع صبحية ونجم وراوية. فاللغة السورية واللبنانية والمصرية تجنبت تعقيداتها العامة، ومنحت لسان الغجر عفوية طبيعية أضافت روحية على نكهة الحلقات بجمالية درامية ساعدت على اتصال المشاهد بالمضمون وبقوته بكل تنوعاته. فهل جمع المسلسل لبنان وسوريا ومصر في إشكالية الهوية العربية برمتها التي يمحوها الحب؟

نص المسلسل الدرامي والفكرة الرئيسية هي إشكالية الفئة المهمشة من البشر، ولكن بموازاة عدة إشكاليات أخرى استثنائية، لكن لكل منها أهميته. وكأنها الفئة الممنوعة من العيش بسلام على مر الزمن باختلافاته العصرية. وإن كانت هذه الفئة هي نتيجة المجتمعات الكبرى، فالخيم التي يسكنها الغجر لها نظامها وحكامها، وحتى التفاوت بين الرئيس والمرؤوس أو التابع والمتبوع، دون الاهتمام بالمرأة ومعاناتها من جوانب كثيرة. وهي الكائن المستضعف في عوالم الغجر الجذاب برقصه وموسيقاه وألوانه. فهل نجح مسلسل سمرا بموسيقاه التصويرية كما نجح النص والسيناريو والتمثيل إلى جانب التصوير والحفاظ على كينونة المشاهد الخارجية والداخلية؟ وهل أضاء المسلسل على المخيمات والنازحين وما يتعرضون له من أزمات لم يُسلط عليها الضوء؟ أم أنه عالج اجتماعياً عدة مواضيع في لبنان والعالم العربي؟

برؤية أخرى

مسلسل "سمرا" يركز على قضايا اجتماعية عميقة تتناول حياة المهمشين في المجتمع، وبشكل خاص حياة الغجر، وهي مجموعة تُعاني من التهميش والعزلة في المجتمعات التي تعيش فيها. يقدم المسلسل هذه القضايا عبر قصة شخصية رئيسية، "سمرا"، التي تُجسدها نادين نجيم، والتي تجسد التحديات والمعاناة التي يعيشها هؤلاء الأشخاص. المسلسل يناقش إشكاليات الهوية، الفقر، والعنف، والتحديات التي تواجهها الشخصيات في سعيهم للعيش بكرامة وتحقيق أحلامهم.

الانطباع الأولي من المسلسل هو تأثيره القوي على المشاهدين من خلال التناول الصادق والعميق لمشاكل اجتماعية حقيقية. الأداء القوي من قبل نادين نجيم وسمر سامي يساهم بشكل كبير في جذب انتباه الجمهور. الشخصيات تمتاز بالعمق والتعقيد، مما يجعلها قادرة على إثارة التعاطف والاهتمام. الحبكة الرئيسية تثير التساؤلات حول الهوية والانتماء، وتقدم مشهداً درامياً متنوعاً يتنقل بين التوترات النفسية والعاطفية.

من الناحية الفنية، يُظهر مسلسل "سمرا" اهتماماً بالتفاصيل الدرامية والتصويرية. الإخراج، الذي قادته رشا شربتجي، يُبرز بشكل فعّال التغيرات في الحالة النفسية للشخصيات من خلال تقنيات التصوير والإضاءة. استخدام الموسيقى التصويرية، رغم بعض النقد الموجه إليها، يلعب دوراً مهماً في تعزيز الجو العام للمسلسل. الموسيقى، على الرغم من أنها لم تكن دائماً متوافقة مع طبيعة المشاهد، تساهم في خلق تجربة حسية إضافية تعزز من إحساس المشاهد بالدراما.

الجماليات في "سمرا" تتجلى في استخدام الألوان والديكورات التي تعكس بشكل صحيح الحياة اليومية للمهمشين. الديكورات والملابس، التي تمتاز بتنوعها واحتفاظها بتفاصيل بسيطة وفخمة في ذات الوقت، تُضيف إلى واقعية التصوير وتعزز من تأثير السرد البصري. كما أن الأزياء والديكورات تعكس الهوية الثقافية للشخصيات وتساهم في تعميق التجربة الدرامية.

من الناحية التعبيرية، يُظهر المسلسل قدرة فائقة على نقل المشاعر الداخلية للشخصيات. أداء نادين نجيم، على سبيل المثال، يعكس تبايناً في المشاعر من الغضب إلى الحزن، مما يضيف بُعداً إضافياً للتجربة الدرامية. التفاعل بين الشخصيات وتطورها عبر الحلقات يُظهر بشكل واضح كيفية تأثير الظروف الاجتماعية على الحالة النفسية للأفراد. هذا التناول التعبيري يعزز من قدرة المشاهدين على الارتباط بالشخصيات وفهم دوافعهم وتحدياتهم.

الإخراج في "سمرا" يتميز بقدرته على التلاعب بالإيقاع الدرامي وتقديم مشاهد قوية ومؤثرة. رشا شربتجي تبرز قدرتها على خلق توترات درامية من خلال التحكم في تفاصيل المشهد وانتقاء اللقطات بعناية. التنقل بين مشاهد العنف والخوف والفرح يتم بشكل سلس، مما يساعد على تعزيز تأثير السرد. كما أن تقنيات الإخراج تُستخدم لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة التي تعكس البيئة الاجتماعية للشخصيات وتعزز من قوة القصة.

مسلسل "سمرا" هو عمل درامي يعالج قضايا اجتماعية بعمق وجدية، مع تقديم أداء تمثيلي مميز وإخراج فني متقن. على الرغم من بعض النقاط التي قد تحتاج إلى تحسين، مثل توافق الموسيقى التصويرية مع الأحداث، فإن المسلسل بشكل عام يقدم تجربة درامية متكاملة ومؤثرة، تجذب المشاهدين وتثير تفكيرهم حول قضايا الهوية والانتماء والتحديات الاجتماعية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol