وسط تلك الفوضى،
قراءة في رواية "الفيشاوي" للروائية "غادة العبسي"
ضحى عبد الرؤوف المل
ترصد الروائية "غادة العبسي" في روايتها "الفيشاوي"، الصادرة عن "دار الساقي"، تطور المجتمع المصري ببطء في فصول كحلتها بأغنيات من التراث المصري، لتشمل عدة نماذج إنسانية، تهدف للوصول إلى نقطة واحدة حيث تتشكل المشاهد بشكل وظيفي يهدف إلى خلق عالم روائي مستقل، مما يخلق تعددية مختلفة في الأوجه النسائية التي اختارتها، لإيجاد صور منتقاة بعناية تهدف إلى محاكاة تتوالد من خلالها عدة صور لنساء في رواية واحدة دون أن تبتعد عن الصوت السردي في الرواية، حيث تبرز انتهاكات حقوق المرأة وفق نمط روائي لا يخفي سيطرة الرجل الذي تزوج زوجة أخيه وهو يكبرها بأربعين سنة، ليستولي على المال الذي دفعه الإنجليز ثمناً للحادثة التي أدت إلى مقتل زوجها، وكأن المرأة سلعة يتقاسمها الأقرباء قبل الغرباء وتلوكها الألسن بسرعة البرق عند أي عاصفة تمر بها. فواقع المرأة المصرية بارز جداً في الرواية ذات الفصول السردية المحملة بالأيديولوجية المبطنة بالرفض والاستنكار، وبمعنى آخر، إبراز النزعة الذكورية وسلطتها حتى تلك المومسات اللواتي لم يتحررن من سلطة الرجل أيضاً.
لم تخرج الروائية "غادة العبسي" عن سلطة الدمغة النسوية، بل كثفتها بمنح المرأة عدة أصوات تتجه نحو نقطة الضعف أكثر من القوة، لتبقى المرأة تحت جناح الرجل مهما حاولت السعي جاهدة لنيل حقوقها حتى بين المرأة والمرأة نفسها عندما تنتقد سرورة نبيّات: "كان أيسر على نفسي أن تظل بلا زوجة على أن تتزوج من امرأة كانت تسكن المدينة بمفردها مع ابنتها." فقد فرضت "غادة العبسي" على الرواية طبيعة الواقع المتخيل الذي حشدته بعدة أصوات، حتى المولود الجديد الذي ولد بولادة الضباط الأحرار، محاولة إبراز الصورة التاريخية ومفارقتها في عدة أزمان مختلفة، لتصل إلى خاتمة معاصرة. لكنها أسوأ من الكلاسيكية التي بدأت في هاتور والانكفاء على الطين اللين. فهل انقسام الزمن الروائي في رواية "الفيشاوي" هو العودة إلى الوراء؟ أي أننا نسير عكس الزمن وفق الماضي وانعكاساته علينا؟
سيحة روائية في عدة إحباطات وتأملات، وأوجاع، وأفراح، وخسائر، وحروب، وشهداء، كان يمكن اختزالها في مشهد معاصر بفن روائي معرفي تاريخي في إسناداته التي خاضتها "غادة العبسي" عبر احتكاك غير مباشر مع الغرب المحتل للكثير من الأفكار التي لم تعالجها، إنما طرحتها كحكايات اجتماعية تلامس الشارع المصري بقوة حيث بطء وعي الشخصيات ناتج عن المراحل الزمنية المتتابعة، والتي تحتاج إلى الكثير من الزمن لتنتج العقل الواعي القادر على فهم خلفيات السياسة التي اجتاحت مصر في فترات مختلفة بدءاً من نوبار باشا وولسن وزير المالية والشركس والإنجليز وسعد باشا زغلول وصولاً إلى ميدان التحرير والحشود التي تطالب برحيل الرئيس، وكأن الزمن كتلة واحدة دون حدود فاصلة تجمعه في خيط مسبحة هي رواية "الفيشاوي" بسننها ووزنها وتاريخها.
رواية هادفة إلى إبراز الزمن وتشابكاته السردية من الحكاية إلى الرواية ضمن رؤية واحدة ذات عبرة حاضرة في أغاني التراث، وكأنها المفاتيح التي انطلقت منها في سبيل طرح العناوين، وإشكاليتها في الفصول وأحداثها وأعرافها وتقاليدها، والتزامها بالمسار التاريخي السريع البطيء في آن.
فالحروب العائلية والانتقادات تشبه الوطنية منها في الإسقاطات، وبترابط درامي يخدم إشارات الروائية "غادة العبسي" التي زرعتها، لتكون خاضعة بصبغتها الفيشاوية. إذ تستلهم الكثير من المناخات الاجتماعية دون أن تتجرأ المرأة فيها على التعبير عن رأيها، إلا ضمن ما منحها الزمن أو نمو المجتمع بمواقفه ذات الأمجاد الذكورية والصعاب التي تواجه المرأة، وبتقطعات سردية لموروثات شعبية لا يمكن القفز عنها أو التخلي عنها لأنها ارتبطت بالمكان وبالمكونات الروائية المحكومة بالرؤية المحددة، وبعدها الواحد ببناء روائي ذي تقاليد وأعراف وأحداث مملوءة بالتراث الذي تمسكت به الروائية "غادة العبسي" وبطول السرد الذي ينطوي على عدة مواقف تنوعت بحكم المجتمع الذي خاضت به الرواية وأسلوب المعالجة وتقنياته في ربط الأحداث. فهل كثافة الشخصيات والألسن سلبت من الرواية سلاستها؟
تُعدّ رواية "الفيشاوي" للروائية غادة العبسي عملاً أدبياً معقداً يشكل نافذة مهمة على تطور المجتمع المصري وتغيرات الزمن. تتناول الرواية ببراعة رحلة الإنسان المصري عبر مراحل زمنية متعاقبة، من خلال تسليط الضوء على قضايا اجتماعية وسياسية وجندرية عميقة. تسعى الرواية إلى تقديم صورة متعددة الأبعاد عن المجتمع المصري من خلال شخصياتها وتطوراتها السردية.
تُعَدُّ الرواية في جوهرها رحلة عبر الزمن، تبدأ من فترة ماضية وتنتهي في زمن معاصر، مما يتيح للروائية غادة العبسي استكشاف كيفية تأثير تطورات الزمن على الفرد والمجتمع. يستخدم السرد أسلوباً متقناً في تقديم الأحداث، حيث تمتزج الفصول السردية مع الأغنيات التراثية التي تعزز من فهم القارئ للسياق التاريخي والثقافي.
تعكس الرواية تطور المجتمع المصري من خلال نماذج إنسانية متعددة، مما يظهر التغيرات في الأدوار والتمثيلات الاجتماعية. تُبرز العبسي من خلال هذه النماذج مدى التعقيد والاختلاف في التجارب الإنسانية، مما يعكس تنوع التجارب النسائية وتعدد الأوجه التي يمكن أن تتخذها المرأة في سياقات مختلفة.
تُبرز "الفيشاوي" التحديات الاجتماعية التي تواجه المرأة في المجتمع المصري، مُسلِّطةً الضوء على النزعة الذكورية وسلطتها التي لا تزال سائدة، حتى في ظل محاولات النساء لنيل حقوقهن. تعكس الشخصيات النسائية في الرواية كيف تُقيِّد السلطة الذكورية فرص النساء، مما يجعل الرواية تعبيراً قوياً عن القضايا الجندرية.
تُظهر الرواية كيف أن النساء يُعاملن كسلع تُتداول بين الأقرباء والغرباء على حد سواء، مما يعكس صورة سوداوية لواقع المرأة التي تُقيَّد حقوقها وتُستغل من قِبَل المجتمع الذكوري. استخدام الرواية لصور النساء اللواتي لم يتحررن حتى من سلطة الرجل يُظهر بوضوح تكرار التحديات والقيود المفروضة على النساء عبر الأزمان.
يمكن اعتبار "الفيشاوي" عملاً سردياً عميقاً يعكس بمهارة الأبعاد المختلفة للزمن والتطور الاجتماعي. يستحضر السرد عبر الزمن إحساساً بالحنين والقلق، مما يجعل القارئ يشعر بالانغماس في الأحداث ويختبر التوترات التي تواجهها الشخصيات. الأسلوب السردي المتقطع وتداخل الأزمان يعزز من تجربة القراءة، حيث يخلق إحساساً بالتشابك بين الماضي والحاضر. إذ تنجح الرواية في تقديم صورة معقدة وواقعية للمجتمع المصري، مما يجعل القارئ يتفاعل بعمق مع القضايا المطروحة. إذ يثير السرد تساؤلات حول العلاقة بين الزمن والهوية وكيفية تأثير التحولات الاجتماعية والسياسية على الأفراد.
سعت غادة العبسي من خلال "الفيشاوي" إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، تقديم صورة تفصيلية عن المجتمع المصري والتغيرات التي طرأت عليه عبر الزمن، وثانياً، تسليط الضوء على القضايا الجندرية والتحديات التي تواجهها المرأة في سياق اجتماعي وثقافي متغير.
من خلال تصوير المجتمع المصري في أوقات مختلفة، تُعَزِّز الرواية فهم القارئ لتأثير التغيرات الاجتماعية والسياسية على حياة الأفراد، مع التركيز على التحديات التي تواجهها النساء. تسعى العبسي إلى عرض هذه التحديات بطريقة تؤدي إلى زيادة الوعي وتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية الملحة.
رواية "الفيشاوي" هي عمل أدبي ينجح في تقديم تحليل اجتماعي وسردي عميق لمجتمع مليء بالتناقضات والتحديات. بفضل أسلوبها السردي المبتكر وقدرتها على استكشاف قضايا جندرية واجتماعية هامة، تقدم غادة العبسي عملاً يستحق التأمل والتفكر. تعكس الرواية بوضوح قدرة الأدب على معالجة قضايا معقدة وتقديم رؤى جديدة حول قضايا قديمة ومستمرة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol