الوجوه الفوتوغرافية للحقيقة الإنسانية
تلتقط الفوتوغرافية "ساندرا فياض" (Sandra Fayad) الصدمة التي تفاجئ الرائي من صورة ما، فهي ليست سوى وجه واحد، لأن للصورة عمقها وحقيقتها وجوهرها المبني على معرفة كل اتجاهات العدسة الضوئية التي تستطيع اللعب على ملامح الوجه. والوجه الآخر في إخفائه أو إظهاره، وفي كلتا الحالتين هو الإنسان الذي تسعى عدسة ساندرا إلى معرفته، لتكون بذلك قد منحت المشاهد معرفة إدراكية بما تظهره العدسة أو تخفيه، لأنها تحافظ على المعنى الحقيقي للوجود الإنساني. فهل يمكن للعدسة أن تكشف باطن الضوء في معرض يحكي سر عدسة يمكن استخدامها بشكل سلبي أو إيجابي تبعًا للاختيار النابع من الحفاظ على قيمة العدسة وأسلوب استخدامها بما ينفع أو يضر في تغيير الملامح؟
تحاول الفوتوغرافية "ساندرا فياض" تفكيك الرؤية إلى مراحل، لتجميع الصورة في ذاكرة أصابتها دهشة قوية، مع الحفاظ على مستويات دقة الملاحظة التي تتناسب مع الصور الفوتوغرافية التي تعرضها في معرضها من حيث الإنسان المثقل بإصابات لا يمكنها أن تترك المعاق كفرد لا يستطيع الاعتماد على نفسه أو أي مبرر ليكون بعيدًا عن مجتمعه، لمجرد إصابته بإعاقة ما، فهي ليست سوى انطباعاتنا الأولية الملفوفة بعدم المعرفة الحقيقية لقدراته التي تتوازن مع مدى تعابير الوجه أو كيفية الجلوس أو الوقوف أو ما هو غامض عن كون العدسة تلتقط من الخلف أو من الأمام أو حتى التعابير الفجائية التي ترتسم في لحظة ترصدها عدسة ساندرا، لتسرد في بصرياتها قدرة الإنسان على فهم الحياة.
يستحيل معرفة الوجه الحقيقي للصورة إلا عندما ندرك معناها من الجوانب المختلفة. ومع ذلك، يبقى للصورة الجانب الحسي أو الوجداني المرتبط مع العقلاني بدرجات تختلف بنسبتها. إن في خلق مساحات فراغية تتشابه مع بُعد المشاهد عن الشخصية أو الاقتراب منها، أو حتى ترك علامات استفهام حولها، لتكون الصورة لغة تبحث من خلالها عن الإنسان من مختلف النواحي كالكلمة الفصل في جدلية الإنسان وحقيقة وجوده بين محيطه الذي يجهل قيمته الحقيقية في الحياة.
حركة انطباعية تأثيرية ترافق المعرض لالتقاط ردة الفعل، وتسجيل ملامح الانعكاس البصري بعفوية واستبطان، لقدرة العدسة على رسم ملامح لحظية تتجمد عند الفعل والحركة والتأثير المباشر عند الرؤية الصادمة، أي بين الأمام والخلف وما بينهما في اختراق المألوف، لإدراك الصورة الكاملة للفرد نوعًا ما. وهذا ما يؤدي إلى معادلة الإخفاء النسبي للحقيقة والقدرة على إظهارها بما يتناسب مع العدسة وما تريد الوصول إليه من حقيقة أو زيف، أو ما يريد الآخر إيصاله. فهل يمكن للصورة أن تخدع العين أو الحواس؟ أم أن على الإنسان أن يدرك الوجوه المختلفة للصورة وحقيقتها؟
برؤية أخرى بعد سنوات من نشر المقال في جريدة اللواء لبنان
العمل الفوتوغرافي لـ"ساندرا فياض" يعكس عمقاً مثيراً في تجسيد الحقيقة الإنسانية من خلال وجه واحد. هنا، تقدم فياض الصورة ليس فقط كوسيلة لتوثيق الواقع، بل كأداة لاستكشاف وتفكيك التجربة الإنسانية. المثير في عملها هو أنها لا تقتصر على تقديم الوجوه كما هي، بل تستخدم العدسة لكشف أعماق الشخصية وملامحها المتعددة، مما يخلق تباينًا مثيرًا بين ما يظهر وما يُخفى.
يتضح أن ساندرا فياض تسعى إلى استكشاف الوجود الإنساني عبر عدسة الفوتوغرافيا، مقدمة بذلك دراسة متمعنة في الجوانب النفسية والعاطفية للأفراد. هذه الصور تفتح المجال لتفسيرات متعددة بناءً على كيفية تلقي المشاهد لها، فكل صورة تعبر عن حالة معينة يمكن أن تؤدي إلى تأملات مختلفة في حياة الأفراد وتجاربهم. هذا يعكس فهمًا عميقًا لكيفية تأثير الصورة على المتلقي وفتح قنوات للتواصل بين المشاهد والموضوع المصور.
تعتمد ساندرا فياض على تقنيات متقدمة في التصوير لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة لملامح الوجه، والتي تكشف أحيانًا عن تباينات غير مرئية للعين المجردة. استخدام الضوء والظل بشكل مبتكر يعزز من عمق الصورة ويبرز جوانب محددة من تعابير الوجه، مما يضيف عنصرًا دراميًا وجماليًا إلى العمل. تنسيق الألوان والتباين بين مناطق الضوء والظلام يساهمان في خلق تأثير بصري قوي، يلفت انتباه المشاهد ويشجعه على التأمل في تفاصيل الصورة.
تتفرد الصور في قدرتها على جذب الانتباه من خلال التلاعب بالضوء والزاوية. العدسة هنا تعمل كأداة لكشف ليس فقط الملامح الخارجية ولكن أيضاً الحالة النفسية والوجدانية للأفراد المصورين. تنوع زوايا التصوير - من الأمام والخلف ومن زوايا غير تقليدية - يعزز من تجربة المشاهد ويزيد من تعقيد التحليل البصري للصورة. هذه الاستراتيجيات الفوتوغرافية تساهم في خلق صورة غنية بالرموز والمعاني المتعددة التي تتجاوز سطح الصورة إلى ما هو أبعد من ذلك.
الجمال في عمل ساندرا فياض يأتي من قدرتها على دمج الدقة التقنية مع التعبير الإنساني العميق. كل صورة تقدم قصة فريدة، وتجسد الجمال في تفاصيل قد تبدو غير ملحوظة للوهلة الأولى. تكمن جمالية العمل في قدرته على نقل مشاعر وتأملات عميقة عبر مشهد واحد، مما يجعل كل صورة عملاً فنياً قائماً بذاته.
تقدم ساندرا فياض عبر أعمالها الفوتوغرافية دراسة حيوية لجوانب متعددة من الوجود الإنساني. تحليلها لهذه الجوانب من خلال العدسة يعكس عمقاً فنياً وجمالياً، مما يجعل كل صورة نافذة لرؤية أبعاد جديدة من التجربة الإنسانية. هذه القدرة على دمج الفوتوغرافيا مع التعابير الإنسانية تمنح المشاهد تجربة بصرية فريدة، تفتح المجال للتفكير النقدي حول كيفية تقديم الحقيقة في الفن التصويري.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol