مرآوية الضوء النسبي مع التمازج الحسي والمجرد بين القديم والجديد
ضحى عبدالرؤوف المل
يمارس الفنان المبدع بشكل عام إثارة مخيلته بل وتحريضها لخلق الواقع الذي يراه من خلال نوافذ الضوء في الطبيعة التي تعكس الرؤية على كل ما حوله، ليراه فنيًا يتشكل عبر جزئيات ضوئية تترجمها الألوان أو الأشكال أو الأحجام والمساحات المفتوحة، وتضعها ضمن الواقع أو المتخيل. إذ تتضح في العمل الفني أهمية الضوء ودوره حتى في إبراز قيمة العتمة أو الظل. كما تتوالى عملية التمازج الحسي والمجرد من التأويلات النقدية ذات المسارات التي تفصح عن جمالية الفن بشكل عام من كونه فكرة، وحتى إلى اكتمال أي عمل فني أُنتجَتْه ريشة أو عدسة أو حتى تركيب إبداعي أو نظرة أسلوبية تكونت من خلالها فكرة تجسدت على أرض الواقع كعمل فني مكتمل الأركان.
تحمل العدسات الفوتوغرافية فنا مخبوءًا ذا أهمية تؤرشف لجماليات لا تقل أهمية عن التشكيل. إذ تتنوع الأساليب في الفن الفوتوغرافي كما في الفنون الأخرى، فاتجاهات العين الحسية تحمل في طياتها الأسرار الإدراكية التي من شأنها إظهار مختلف المواضيع الفوتوغرافية من صحفية إخبارية إلى طبيعية وتجريدية وسريالية، وما إلى ذلك مثيرة للعصف الذهني. لنكتشف تفاصيل صغيرة أظهرتها الصورة، ولم نكن لنراها بالعين المجردة وفق جمالية ذات معايير ومسارات بصرية وفكرية، كتصويرات العدسة المجهرية أو التجريدية التي تميل إلى تشكيل عدسي ذي محور ضوئي معين، وكان الفنان الفوتوغرافي يرسم بعدسته ما يراه حسيًا من خلال التخيل عبر الضوء أو الظل أو حتى ما يجذب انتباهه من عناصر جمالية أو موتيفات يمكن له أن يشكل منها المواضيع المختلفة.
تتصف الصورة بجمالية معينة لما تحمله من ملامح تعبيرية تجذب الحواس وتترجم اللحظة التي التقطت فيها مع الحفاظ على حيثية الإلهام عند كل مصور فوتوغرافي، وبما يتناسب مع ميوله التصويرية والفكرية معًا. لتتماشى مع الزمن وتحاكيه عبر تفاصيلها الفنية، وأبعادها الضوئية ومنظورها الخاص، كبصمة فنية لا يمكن تغييرها. إذ غالبًا ما يمكن معرفة المصور الفوتوغرافي من خلال خاصية عدسته وأسلوبيته المميز، كالمصور البريطاني "رانكين" (Rankin) الذي استطاع منح عدسته هويته الخاصة التي يبحث عنها كل فنان يريد أن تلتقطه هذه العدسة أو شركات الإعلان، وحتى ما يظهره فنيًا هو بشكل خاص من صور فوتوغرافية التقطها خلف الكواليس. إلا أن الصورة الفوتوغرافية تحتاج إلى الخطوط الهندسية الرئيسية لتجذب البصر عبر تناسقها وحسها الجمالي الذي لا يمكن ترجمته شفهيًا، والتي تضع المتلقي أمام تساؤلات لا يمكن الإجابة عليها إذا صرخت من الداخل لتقول: ما سر جمالها؟ فالحوار الداخلي بين الصورة والمتلقي يتساوى مع الحوار بين العدسة والفكرة والرؤية. لتتشكل عبر ضوئيات مدروسة تلك الصور التي نراها قديمًا، وما زالت تحتفظ برونقها النابض باللحظة، وبالمعاني البصرية ذات الخاصية المكانية والزمانية حتى الآن، كالمصور الفرنسي "روبير دوانو" (Robert Doisneau) صاحب العدسة الواقعية التأليفية القادرة على التقاط اللحظة بسرعة لا تختل فيها الموازين الطبيعية الفوتوغرافية التي من شأنها الحفاظ على مستويات الألوان، ولو بالأبيض والأسود. فهو يؤطر اللوحة بمحسنات تؤدي إلى ترك فراغات لنلامس الصورة بتفاصيلها المشهد المكتمل سينوغرافيا، وأيضًا المصور العراقي "مراد الداغستاني" وما تثيره تلك الصور الفوتوغرافية لوجوه وأماكن عراقية مصورة كصورة الرجل العجوز، وما تمثله تلك الأخاديد التي استطاع رسمها عبر الضوء المناسب لفتحة عدسة دينامية استطاعت ترك فوتوغرافيات تروي قصة شعب عاش في أماكن حملت جماليتها الخاصة، الصورة لتصل اليوم إلى كل حس فني يستمتع برؤية فوتوغرافية تمسك بالتاريخ.
يبرز التمازج الحسي والمجرد بين الألوان وإنكارها أو الاحتفاظ بالأبيض والأسود كرمزية الصورة القديمة التي تتماشى مع الأزمنة، ومع فكرة الوعي واللاوعي في الفكرة التي استطاعت إيجاد منفذها الضوئي الانعكاسي. لتتشكل صورة فوتوغرافية ذات قيمة فنية عالية كتلك التي التقطها المصور العالمي "سيباستياو سالغادو" (Sebastião Salgado) ومشروعه "أصل التكوين" وهو عبارة عن سلسلة من الصور ارتبطت بالطبيعة والإنسان، إذ تبدو مرآوية الضوء النسبي في أعماله مبهرة حسيًا. فقيمة التباين في صوره الفوتوغرافية تتضح بصريًا. لتبرز تفاصيل عناصر الصورة بشكلها الطبيعي، منتقلة بها كسلم موسيقى متناغم بين الأنواع التصويرية، كأنها التقطت في اللحظة نفسها التي نراها فيها، وكأنه يفتح نافذة على الزمن ليطل منها كل جيل على معالم الطبيعة التي سكنتها اللحظة المؤرشفة في صورة تحاكي الإنسان.
تمتلك الصورة الفوتوغرافية ذات المعايير العالية الجودة دلالاتها الخاصة الموحية بفكر المصور وأسلوبيته، ورؤيته الخاصة الميالة للضوء وانعكاساته وللعتمة المنسجمة مع الضوء، وما توحيه من أطوال موجية تتناسق بنغمة تحتفظ فيها عدسة الفنان، وما يمتلكه من قدرات فنية استطاع من خلالها التقاط صورة ذات تكوينات تحاكي الحس البصري والفني. إن من حيث التجريد أو السريالية أو الواقع، ومن خلال ما تمثله الخطوط البصرية الأولى الجاذبة للحواس نحو جمالية خاصة لا يمكن الإفلات منها إذا تبرز الأشكال فيها كمشهد بصري تركه الزمن هنا في الصورة التي نراها، وهذا ما تميز به أيضًا المصور الفوتوغرافي "هنري سيلبرمان" (Henri Silberman) المفتوحة المعايير ضوئيًا نحو مرآوية خلابة تضعك أمام جمالية مرآة عدسته العاكسة للضوء والقادرة على التوازن بين الفراغات لتتشكل الصورة وفق معايير فوتوغرافية عالية الجودة. فهل يحاكي الفن الفوتوغرافي اليوم الأزمنة، لينطلق بعدسته وينافس الريشة التشكيلية في عصر عولمة مفتوحة على الصورة؟
بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في الصحف وبرؤية جديدة كتبت في عالم التصوير الفوتوغرافي، يعتبر تحليل أي عمل تصويري من حيث الانطباعية والجمالية والتقنية أمرًا مهمًا لفهم عمق وأثر الصورة. يوفر التحليل الموضوعي البصري رؤية شاملة لكيفية تقاطع الفن والتقنية في تقديم رسالة أو عاطفة معينة. هذا التحليل يتناول التكوين الفني والجمالي للصورة من منظور فوتوغرافي، مسلطًا الضوء على كيفية استخدام العناصر البصرية لتوصيل مفهوم أو شعور معين.
: الصورة الفوتوغرافية قادرة على إثارة مشاعر قوية في المتلقي من خلال تقنيات التصوير واختيار المواضيع. في تحليل انطباعي لصورة، يتم التركيز على كيفية تأثير الصورة على مشاعر المشاهد. على سبيل المثال، قد تثير صورة بالأسود والأبيض لمشهد طبيعي هادئ شعورًا بالسكينة والخلود، بينما قد تثير صورة ملونة لمشهد حضري حيوي مشاعر الإثارة والحيوية.
يتناول التحليل الانطباعي كيفية استجابة المشاهد للعناصر البصرية في الصورة. كيف ينجذب الانتباه إلى النقاط الرئيسية؟ هل هناك عنصر يلفت الانتباه فورًا؟ الطريقة التي ينظم بها المصور العناصر ضمن الإطار تلعب دورًا حاسمًا في كيفية تجربة المشاهد للصورة.
التكوين هو الأساس الذي يبنى عليه أي تحليل موضوعي للصورة. تحليل كيفية ترتيب العناصر داخل الإطار وكيفية استخدام الخطوط والأشكال والمساحات يساهم في فهم الرسالة التي ينقلها المصور. على سبيل المثال، استخدام قاعدة الأثلاث يمكن أن يخلق توازنًا جذابًا بين العناصر، بينما يمكن لتقنيات مثل الإطار الطبيعي أن تركز الانتباه على موضوع معين.
الإضاءة تلعب دورًا حيويًا في التصوير الفوتوغرافي، حيث تحدد كيف يتم عرض الألوان والظلال. تحليل كيفية استخدام الضوء الطبيعي أو الاصطناعي يمكن أن يوفر رؤى حول المزاج العام للصورة. الضوء الساطع قد يبرز التفاصيل ويخلق جوًا مفعمًا بالطاقة، بينما الضوء الخافت قد يضيف عمقًا وغموضًا للصورة.الألوان تلعب دورًا كبيرًا في تحديد الإحساس البصري للصورة. تحليل استخدام الألوان ونسبة التباين يمكن أن يساعد في فهم التأثير الذي يحدثه المصور. الألوان الزاهية قد تعكس حيوية ونشاطًا، بينما الألوان الداكنة أو المحايدة قد تعبر عن التأمل أو الحزن. تحليل التفاصيل الدقيقة في الصورة والتقنيات المستخدمة مثل التركيز والعمق الميداني يعكس براعة المصور. التركيز الدقيق على عنصر معين يمكن أن يبرز أهميته، بينما التلاعب بالعمق الميداني يمكن أن يخلق تأثيرات بصرية مثيرة.كل مصور يمتلك أسلوبًا شخصيًا يعبر عنه في أعماله. تحليل الأسلوب الفردي للمصور وكيفية تطبيقه للتقنيات الفنية يمكن أن يكشف عن هوية العمل الفني. هل يعكس الأسلوب تطورًا تقنيًا أو تجريبيًا؟ كيف يساهم الأسلوب في تعزيز الرسالة الفنية؟
: الصور الفوتوغرافية يمكن أن تكون تعبيرًا عن سياق ثقافي أو تاريخي معين. تحليل كيف تعكس الصورة أو تتفاعل مع عناصر الثقافة أو التاريخ يمكن أن يوفر نظرة أعمق عن الرسالة التي ينقلها المصور. تحليل الصورة الفوتوغرافية من منظور انطباعي وموضوعي وفني وجمالي بصري يوفر فهمًا شاملًا لعمل التصوير. من خلال دراسة التأثير العاطفي والتقنيات الفنية والتكوين والعناصر البصرية، يمكننا تقدير مدى تعبير الصورة عن رؤى المصور وكيفية تأثيرها على المشاهد. كل عنصر من هذه العناصر يتكامل ليشكل تجربة بصرية متميزة تعكس فن التصوير الفوتوغرافي بعمقه وجماله.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol