منظومة باب الحارة الدرامية في الجزء الثامن

ضحى عبدالرؤوف المل

تُعتبر منظومة باب الحارة الدرامية التي ترافق المشاهد خلال أيام رمضان كل عام بمثابة محاكاة مشفرة عبر جزئيات بسيطة تختلط مع التسلية وبث نكهة الروح الشامية في نفس المشاهد العربي عامة والسوري خاصة، لتكون بمثابة لغة درامية واعية في توجهاتها التي تحمل المبادئ القديمة لحارات الشام مع إسقاطات لتركيبات درامية توحي بالأحداث التاريخية التي تتشابه مع ما يحدث حاليًا في سوريا، لتكون ضمن مقاربات تنطوي على توجهات مختلفة منطقيًا بأبعادها ورؤاها لدسائس ترصد أيديولوجيات أكبر من التي نراها في سياق المشاهد وحواراتها بجوانبها التاريخية والتخيلية التي تنقلنا إلى الواقع الحالي وأبعاده بجمالية في الأداء السهل الممتنع لأبطال المسلسل الذي دخلت إليه مجددًا "سلاف فواخرجي" كمحامية تعالج الكثير من القضايا المتعلقة بالمرأة مع الاهتمام بحقوقها، مما يشكل دخولًا في حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا ضمن أطر تراثية حافظ عليها الكاتب كموضوع الحجيات وخطف البنات وبيعهن لممارسة الرقص وما إلى ذلك. فهل في هذا إيحاءات لتسليط الضوء على ما يحدث للمرأة في سوريا؟

افتقد التكرار في المشاهد إلى روحية التمثيل التقليدي الذي بات يعيد نفسه في الكثير من المواقف التي اعتمدت على القوالب الدرامية السابقة، أي في الحلقات الأولى من الأجزاء الأولى، مما يجعل من الحلقات تتوالد تلقائيًا مع الأحداث السياسية التي استنبشها المؤلف، لتتوالف مع الأحداث الحالية التي تمر بها سوريا، وكأن باب الحارة هو باب سوريا وما يجري فيها من تغيرات قد يحسبها البعض انتقادًا لما يجري. إلا أنه يفتح الأمل إيحائيًا لولادة سوريا جديدة بأيدي أبنائها، فهل وجود الكنيسة في بيت من بيوت الحارة هو محاكاة للوجود المسيحي الذي تعرض لانتكاسات في حروب سوريا؟

الإسلام والدخائل من المفاهيم التي حاول المؤلف تسليط الضوء أيضًا عليها، ليجعلنا نشعر أن التاريخ يعيد نفسه، وأن ما يجري من بث الفتاوى غير المشروعة هي دسائس العدو الذي يحاول زرع الفتن، وقيادة النفوس الضعيفة أو بالأحرى الجاهلة في أمور الدين الإسلامي أو التي تميل إلى ضعف في العقائد والإيمان، لفتح جدلية تلويث الأديان من الخارج وتاريخيتها القديمة التي تعود إلى أزمنة نالت بعدها سوريا حريتها. إلا أن ما هو مرتبط بعقل المواطن لا يمكن تغييره إلا من الداخل، لتكوين صورة واضحة عن باب الحارة بجزئه الثامن، والنقاط التي أراد وضعها أمام المشاهد بوضوح عبر مشاهد تمثيلية بسيطة في رؤاها عميقة في مغزاها وجميلة في حبكتها الخفيفة البعيدة عن التعقيد. إلا أنه كان من الممكن أن تتناول بجدية العمق التاريخي لأزمة العرب السياسية والدينية بشكل أوسع وبتقارب مع حقيقة ما يجري بشكل تماثلي مع الزمن الذي يعيد نفسه في الكثير من المشاهد، كإظهار المرأة وجهها وحقها في تقرير مصيرها وما تعرضت له من إساءات من المرأة نفسها.

لغة درامية رمضانية ترافق المشاهد الشعبي الذي أدمن عليها، لتشكل في توجيهاتها نوعًا من التشفير الذي يديره المؤلف تبعًا لتوجهات مدروسة تثير شغف التراث السوري الملفوف بالشهامة والعنتريات والصراعات التي تشكّل مختلف تنوعها المجتمعي من المعتدل الوسطي إلى المتطرف المشحون بالدسائس، مما يؤثر على شكل العمل التمثيلي وطاقمه الذي بدأ يتغير. إذ دخلت الفنانة القديرة "سلاف فواخرجي" بحقوق المرأة وانتفاضتها السياسية والاجتماعية والتنموية و"أسعد فضة" التاجر المنافس لأبو عصام في زعامة الحارة ومستجداتها التاريخية التي تمثل الشاهد الحقيقي على ما يجري حاليًا في سوريا والعديد من الوجوه الأخرى. فهل حافظ المخرج "ناجي طعمة" على الموازين السابقة في بناء المشاهد؟ أم ترك لحقبة باب الحارة بأجزائه وأنماطه الدرامية نفسها دورها، ليغزل المشاهد بتقليدية روتينية اعتاد عليها مشاهد باب الحارة؟

الحدث الحياتي في باب الحارة رافق الحلقات بنمو بطيء، لتظهر الأحداث الجديدة كنوع من تطور يمر عبر الزمن بسلاسة لا يمكن أن يلغيها المجتمع، لأنها ناتجة عن تداخل الثقافات كدخول زهدي بأفكاره التي يحاول تطبيقها. إلا أن الأطماع لها دورها الذي يفسد الأوطان للدفاع عن يقين يجسد الخير والشر مع الحفاظ على دور اليهودية سارة ونزاهتها في دخولها إلى العائلة السورية من بابها الاجتماعي، وبالحب مع منحها صورة خالية من السلبيات والوصاية في التربية لابن زوجها من ضرتها، ومساعدتها للنساء في العمل مع استنكارات حافظت على ما هو مدسوس من الشيخ سمعو وغيره، وربما في هذا نوع من المبالغة التي أرادها المؤلف لإعطاء صورة لليهود في البيئة الشامية دون إظهار ردود الفعل من الطرف الآخر، أي أهل سارة. فهل في هذه الصورة تصحيحات درامية لصورة اليهود في الحارات القديمة؟

برؤية أخرى الجزء الثامن من "باب الحارة" يشكل خطوة مثيرة في مسار السلسلة، حيث يُلاحظ تحولًا ملحوظًا في الطرح الدرامي. يعتمد الجزء الجديد على توظيف رموز وأحداث تاريخية تشابه الواقع الحالي في سوريا، ما يضفي على العمل طابعًا نقديًا وسجاليًا. يتناول المسلسل قضايا اجتماعية وسياسية معقدة من خلال سرد درامي يشد الانتباه ويعكس التغيرات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. التركيز على قضايا المرأة وحقوقها، عبر شخصية "سلاف فواخرجي"، يعزز من الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للعمل، مما يجعل من العمل مرآة تعكس الواقع بتصويره لمشاكل معاصرة ضمن إطار درامي تقليدي.

يجمع المسلسل بين التراث الشامي والتقنيات الحديثة في التصوير والإخراج. استخدام الألوان والإضاءة يعزز الأجواء الشامية التقليدية، ويضفي على المشاهد طابعاً زمنياً واضحاً، مما يسهم في خلق تجربة بصرية نابضة بالحياة. أما من حيث الجماليات، فتستفيد المشاهد من تنوع التصوير، وتوظيف المواقع التاريخية بطريقة تبرز البعد الجمالي والتراثي للحارة الشامية. التفاصيل الدقيقة في الأزياء والديكور تعزز من واقعية العمل وتضيف بعداً جمالياً ملحوظاً.

الإخراج في الجزء الثامن يعكس محاولة جادة لربط الأحداث بمشاكل اجتماعية معاصرة، ما يُضفي على العمل طابعًا دراميًا مؤثرًا. التوجيه الإخراجي يركز على تقديم شخصيات متعددة الأبعاد، مما يساهم في بناء سرد درامي أكثر تعقيدًا وعمقًا. "ناجي طعمة"، المخرج، يظهر قدرة على مزج الواقعية مع الرمزية، ويحقق توازنًا بين التقليدي والحديث. قد يكون من المفيد إدخال مزيد من الابتكار في بعض المشاهد لزيادة التأثير العاطفي وتفادي تكرار القوالب الدرامية.

من الناحية الكتابية، تُمثل النصوص الحوارية والنقلات الدرامية تطورًا ملحوظًا في مستوى التعقيد، حيث يتم تناول مواضيع ذات طابع سياسي واجتماعي بعمق وموضوعية. إلا أن تكرار بعض الأساليب والحبكات قد يخفف من حدة التأثير المطلوب. كانت القصة بحاجة إلى مزيد من التجديد والتنوع في بناء الحبكات للتأكيد على التغيرات الكبيرة التي يمر بها المجتمع السوري. الحوارات تعكس جهدًا في تعزيز الرسائل الاجتماعية والسياسية، لكن تحسين التنوع وتفادي التكرار قد يزيد من فعالية التأثير التعبيري للدراما.

في التعبير عن المواضيع الاجتماعية والسياسية، يقدم العمل معالجة متقنة تنسجم مع الحساسيات الثقافية والجمالية. يتناول قضايا حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية من خلال قصص وشخصيات تجعل من المشاهدين ينعكسون على الواقع بطريقة تتجاوز الترفيه البسيط. يقدم المسلسل صراعاً بين التقليدي والحديث، مما يساهم في تعزيز النقاشات حول قضايا حساسة ويجعل من العمل مجالاً للتفكر في قضايا معاصرة ضمن سياق درامي جذاب.

هذا التحليل يعكس نظرة شاملة للجزء الثامن من "باب الحارة" من عدة جوانب، ويشير إلى توازن بين العناصر الدرامية والفنية والجمالية والإخراجية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol