لسبب ما عبرت الزمن: قراءة في رواية "فتوى في بيت إبراهيم" للروائي عباس جعفر الحسيني

ضحى عبدالرؤوف المل

من منا لا يتأمل التاريخ عند قراءة واعية لكتاب أو لحدث ما مر في الماضي أو الحاضر؟ هذا ما حاول الروائي عباس جعفر الحسيني تبسيطه للقارئ من خلال روايته "فتوى في بيت إبراهيم". يتناول في روايته المدن اللبنانية، وبعض المدارس الدينية التي أُنشئت حوالي عام 1805، وانتشار المذهب الشيعي في لبنان بعد مجازر الجزار، تاركًا للكوثرية مركزًا مهمًا للعلم. فغدت الكوثرية سوقًا للعلم بعد مجازر الجزار، مع التفاصيل المهمة التي كانت آنذاك تشكل مركزًا حيويًا لتمويل النشاطات الدينية من عائدات بيع الحرير الذي ينسجه دود القز.فهل تشكل رواية "فتوى في بيت إبراهيم" بحثًا تاريخيًا سلسًا لمن أراد معرفة بدء انتشار المدارس الدينية في المناطق التي تم ذكرها في الرواية؟ أم أنها نسيج روائي يعيد لبيت إبراهيم أهميته الدينية؟

يرصد الروائي عباس جعفر الحسيني روح المجتمع الديني في مناطق لبنانية ذات تراث شعبي، ونكهة لبنانية تميل إلى الزمن العثماني عبر تفاصيل مدها بتواريخ ثابتة لها تأثيرها على الحاضر الروائي الممزوج زمنيًا مع الأماكن والأحداث التي مرت عليها. ولهذا ردّ جزءًا كبيرًا من أراضي الكوثرية إلى السلطنة العثمانية. وما بين امتلاك الأراضي والعنف، ما يكمل به القارئ الرواية، وهو برفقة السيد محمد إبراهيم والفتى وحكاية الظلم والاستبداد المستفحل، لنشعر أن صورة الحاضر هي من نتائج الماضي ومعادلاته التي أثمرت مفاهيم لها جدليات لا تنتهي.

إلا أن مقاربتها مع من لم يستطع صيرًا في مرافقة سيدنا موسى للخضر عليهما الصلاة والسلام، وهي نوع من الفلسفة الدينية التي أظهرها في روايته لفهم الأزمنة التي عبرها في الرواية برمزية غارقة في تساؤلات تؤدي إلى عصف ذهني مكثف، تعيد القارئ إلى نقطة البداية للعبور مجددًا نحو أزمنة مجهولة. فهل نجح روائيًا في ذلك؟

عناصر استفزازية مؤثرة من الفتى الذي يُعدّ القارئ للتاريخ، تاركًا لملاحظاته السلبية والإيجابية أهميتها مع إبراز سمات كل مرحلة غاص فيها مع نبيل وجان دار والسيد محمد إبراهيم بأسلوب حكائي جدلي يؤدي إلى سرد تاريخي تخيلي لالتقاط جوهر الأحداث التي يرمي عباس جعفر الحسيني لإظهارها أو لالتقاط جوهريتها الدينية وتحديدًا الشيعية منها. منتقدًا البكوات الذين يعتبرون الفلاحين آلة بسيطة تحت سيطرتهم إلى جانب الفتوى وأهمية أن تكون موثقة عبر ماضٍ ممتد إلى ما لا نهاية، أي مع كل قارئ في كل زمان ومكان، إن أراد مرافقة الروائي في رحلته مع السيد وفق أحداث وشخصيات من زمنه، مشيرًا إلى أهمية الأدباء ورجال الدين معًا. فما دور الهوية الماسونية في الرواية والتحذير منها عبر منشور التحريم الذي أوحى له بفن روائي يعصف بكل فضاءات الرواية التخيلية المبنية على الوقائع التاريخية، وتفسيرها أو تحليلها لكن من رؤية جعفرية أو شيعية أحادية مع الحفاظ على المستوى الإنساني العام؟

الفتوى الدينية السياسية وجدليتها التي أسقطت الأقنعة الواقعية عبر التاريخ، والجرأة الروائية الحكيمة المحافظة على تراثية الزمن، إلا أنه وشمها شيعيًا ولم يتركها عامة. لتؤرخ لحقية تاريخية شيعية مهمة في القرى اللبنانية، والحبكة الحكائية الممتعة حافظت على الكثير من البدايات الدينية وأسسها في لبنان مع إبراز النقاط المحورية الحاسمة في نمو الحدث المرافق لعبور الزمن، كي نستطلع معه مسيرة سياسية اجتماعية بوتيرة تحمل نفحة إيجابية عن الأسئلة الازدواجية التي فرضت هويتها الدينية منذ البداية، لنتشاطر الحركة الروائية وتطورها الفكري بتفاوت الأيديولوجيات للانتماءات السياسية للشخصيات بتنوعها لابراز التوافق المسيحي مع الشيعي والتآخي بينهما في ظل الظلم العثماني وما إلى ذلك.

تصورات روائية تميل نحو حتمية الدور الديني في مواجهة السياسات التي كانت سائدة تاريخيًا في زمن نفاه واستحضره مع أجيال تحاكي بعضها، لتكوين صورة للحاضر الذي يراه القارئ نتيجة الاستنتاجات وربطها بالواقع الحالي، ليفرض رؤية موضوعية تأملية تجسد طموحات الشباب التي ارتبطت بفرز أسئلة وجهها بشكل خاص لرجل رافقه واستطاع تحفيزه لتكوين صورة الواقع والأسئلة الناتجة عن أبرز الأحداث الغامضة فيه، والتي قادته إلى إدراك الواقع التاريخي المؤدي إلى ما هو حالي الآن. أي خارج الرواية، وبهذا وضعنا الروائي عباس أمام روايات أخرى عصفت بالذهن نتيجة الاستنتاجات البنيوية المرافقة لتحليل كل قارئ.

خلفية تأويلية رافقت الرواية المحاصرة بالمكونات التاريخية والطابع الديني وطموحات حققها تخيليًا مع نبيل الذي عكس المسار الروائي، وعلاقته بالخارج الواقعي المرتبط بطبيعة الصراعات الداخلية متنقلًا من حدث إلى حدث، أي من الحدث الأصغر إلى الأكبر إلى الناتج الروائي العام، وهو الفتوى الدينية وأهميتها السياسية في تغيير مجريات الأمور وتأثيرها على القرارات وعلى الشعوب. فهل نجح عباس جعفر الحسيني في ذلك؟

برؤية تحليلية بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في الصحف . رواية "فتوى في بيت إبراهيم" للروائي عباس جعفر الحسيني تُعدّ تجربة أدبية متميزة تجمع بين الروائي والتاريخي، لتقدم للقراء نسيجاً متمازجاً من الواقع والخيال، مستعرضةً قضايا اجتماعية ودينية في إطار سردي ينطوي على عمق تحليلي وتفاصيل دقيقة. في هذه الرواية، يسعى الحسيني إلى تقديم قراءة نقدية للتاريخ والواقع الاجتماعي من خلال فنية السرد الروائي، مما يجعلها نقطة التقاء مثيرة بين التاريخ والفن الأدبي.

سعى الروائي عباس جعفر الحسيني إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية من خلال روايته. أولاً، يقدم الحسيني عملًا يهدف إلى تسليط الضوء على تاريخ انتشار المذهب الشيعي في لبنان، مستعرضًا تطورات ذلك في إطار اجتماعي وثقافي. الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل تتخطى ذلك إلى استكشاف أبعاد اجتماعية ودينية أعمق، تتعلق بنشوء المدارس الدينية وتأثيرها على المجتمع اللبناني.

عبر الحسيني عن تطور الأحداث من خلال سرد قصة معقدة تتخللها جوانب من الفلسفة الدينية والتاريخية، مما يعكس اهتمامه في تقديم فهم عميق للفترة الزمنية التي يتناولها. الرواية تُبرز التداخل بين الشخصيات والأحداث التاريخية، متيحةً للقارئ فهم العلاقة بين الماضي والحاضر.

تسلط الرواية الضوء على التحديات التي واجهت المجتمع اللبناني في الفترة العثمانية، لاسيما في ظل التطورات السياسية والدينية التي شهدتها البلاد. تستعرض الرواية بعمق كيف أن المجتمعات الدينية تتعامل مع السلطات السياسية وكيف أن الصراعات الاجتماعية تتجسد في قصص الأفراد والجماعات. كما تُعرض في الرواية، ليسا مجرد خلفية تاريخية بل هما عنصران حيويان يؤثران على تطور الأحداث والشخصيات. الرواية توضح كيف أن الفتوى والقرارات السياسية يمكن أن تغير مجريات الأمور وتؤثر بشكل مباشر على حياة الأفراد.

الأسلوب السردي وتأثيره على القارئ

أسلوب الحسيني في السرد يدمج بين الواقعية والتخييل بمهارة، مما يعزز قدرة الرواية على جذب القارئ وإثارة اهتمامه. من خلال التلاعب بالزمان والمكان، يخلق الحسيني تجربة قرائية غنية ومتنوعة، تُظهر العلاقة بين الشخصيات والأحداث بطريقة تتسم بالعمق والواقعية.الشخصيات في الرواية، بما في ذلك السيد محمد إبراهيم والفتى، تمثل نماذج متنوعة تعكس صراعات المجتمع اللبناني وتوتراته. من خلال هذه الشخصيات، يعرض الحسيني كيف أن الأفراد يتفاعلون مع الظروف المحيطة بهم وكيف أن تجاربهم تشكل فهمهم للواقع.

في "فتوى في بيت إبراهيم"، الرمزية تلعب دوراً بارزاً. الرواية تستخدم الرمزية لتسليط الضوء على الفروق الدينية والسياسية، كما في تبيان دور الفتوى كأداة للتأثير والسلطة. الحوارات والمواقف التي تتعرض لها الشخصيات تعكس الصراعات الداخلية والخارجية التي تواجهها المجتمعات الدينية والسياسية.

الحسيني يُبرز من خلال الرواية التوتر بين الهوية الدينية والسياسية، محاولاً تفسير كيف أن هذه التوترات تؤثر على الحياة اليومية للأفراد وكيف أنها تساهم في تشكيل التاريخ الاجتماعي.

تُعتبر "فتوى في بيت إبراهيم" رواية ذات أهمية كبيرة في تقديم رؤية متكاملة للتاريخ الاجتماعي والديني. من خلال أسلوب سردي مؤثر وتحليل اجتماعي عميق، يقدم الحسيني عملاً أدبيًا يثير التفكير ويساهم في فهم أعمق للواقع التاريخي والديني. الرواية تسعى إلى تحقيق توازن بين العرض الفني والتوثيقي، مما يجعلها مصدرًا غنيًا للتحليل الاجتماعي والتاريخي.

تُظهر الرواية كيف أن التاريخ ليس مجرد تسلسل للأحداث، بل هو نتاج تفاعلات معقدة بين الأفراد والجماعات، وتُبرز أهمية فهم هذه التفاعلات في سياقها الكامل. في نهاية المطاف، تجسد "فتوى في بيت إبراهيم" قدرة الرواية على تقديم رؤى اجتماعية وتاريخية تجمع بين النقد والتحليل، مما يعزز من قدرتها على التأثير في القارئ وتقديم تجربة أدبية ثرية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol