فلسفة الحب في "أصل الغرام نظرة"

ياسين رفاعية

ضحى عبدالرؤوف المل

تتضح فلسفة الحب في كتاب "أصل الغرام نظرة" للمؤلف "ياسين الرفاعية"، الصادر عن "الدرا العربية للعلوم ناشرون"، في المقدمة التي دمغها برؤية كاتب يستفز الصورة الجميلة للحب، ليتأملها مع القارئ في الوردة. وهل تحب؟ مؤكدًا بذلك على طبيعة الكتابة المتشابهة مع فعل الحب وتأثيره على النفس باعتباره العصب الأول، راصدًا ما قيل عن الحب في الزمن القديم. وللحديث عن الكتاب المفعم بجمالية الحياة بقية. إذ يأخذنا "ياسين الرفاعية" إلى ربوع "عمر بن أبي ربيعة" و"يحيى بن معاذ الرازي" وغيرهم، فهل أصل الغرام نظرة فعلًا؟

يغوص "ياسين رفاعية" في أعماق ما قيل عن الحب ممن عايشوه وأنشَدوه شعرًا. إلا أن لذكريات الحب وطأة أشد من الحب نفسه، فهو "يظل عالقًا في النفس كالصخور العالقة بجانب النهر، لا تهزها عاصفة ولا يجتاحها سيل." إن أهداف الحب الغامضة هي كل ما يستعصي على النفس نسيانه، محفزًا على الاستمتاع به قبل أن يتوارى. إذ لا معنى للحب دون غنى ذكرياته، معتبرًا أنها الغذاء الأقوى للروح المتعلقة بمن يمنحها الدعة والاطمئنان، مانحًا المرأة الوجود الرئيسي له، بل والعصب الأول. إذ قال أدونيس: "فالحياة بدون نساء فارغة من المعنى، وكان لدور النساء في حياتي جوانب إيجابية وسلبية." فهل يرتبط الحب بالصداقة ارتباطًا يؤهله ليكون متينًا متراصًا؟

عناوين شاعرية جمعها في "أصل الغرام نظرة" لتكون البصيرة متحررة من أوهام الحب العالق في النفوس الضعيفة التي تصطدم فجأة بالحب الحقيقي، وتبدأ المعاناة. إذ يتبدى الوصل الروحي بمفاتيحه التي يمتلكها العاشق المحب، مزيدًا هذه المرحلة من الكتاب بعنوان "الحب امتزاج الروح بالروح" وبأقوال لجالينوس والأصمعي وابن داوود، متنقلًا بين طبقات المحبين ليصل إلى الصدور العفيفة والأخلاق الشريفة التي لم تدنس بالشهوات. فهل من أبواب للحب الذي قد يصل إلى حدود الشفقة وربما هو جزء منها؟ أم أن البحث في ماهية الحب ما هو إلا هوية ما زلنا نبحث عنها بين طيات الكتب وأقوال الشعراء لنستدرك الحب الذي تغمره الحياة من خلال الحفاظ على سره فيها؟

إن الكتاب هو بستان نطل منه على عدة معانٍ تتناسب مع كل قارئ، وقد نشعر أن الكتاب نطق بأجوبة عن تساؤلاتنا التي تعصف بنا كلما قرأنا كتب الحب أو تذوقناه بمختلف مراحله وعلامات التعجب الملتصقة به إلى حد الانصهار.

إن ثقافة الحب أو الحب كما هو يحتاج إلى وعي يتماثل مع كلا المحبين مع البحث الدائم عن البيئة الحاضنة له، أو بمعنى تلك التي هي من أساسيات استمرارية الحب ونموه. إذ يقارنه المؤلف "ياسين رفاعية" بالواقع الذي عاشه وتذوق من خلاله الحب مع حبيبات يربو عددهن على الخمس عشرة، ذلك أنه لم يتوفر بعض العناصر المهمة التي تحافظ عليه، وإن كنت أعتبر أن هذه نظرية عايشها لكنها استثنائية في بعض منها، لأنه يكمل البحث عبر نجمة الصباح، وحب المراهقة مصنفًا حب الكهولة في خانة الحب الهادئ الذي يخيم عليه "الاحترام المتبادل بين الطرفين، لا القبلة مغرية، ولا غرفة النوم أيضًا مغرية.. كل شيء بينهما يأتي على مهل." ومن هذا المنطلق لا يمكن للقارئ إلا الغوص بشكل أكبر في بقايا الكتاب وطبقات الحب فيه غير القابلة لحتمية ما يناقشه، إنما هي نظريات يتركها لكل باحث عن الحب.

تتضح آليات الحب في الكتاب كلما أبحرنا في الأقوال والاستنتاجات والمعادلات التي يفتحها، لتنير ذهن القارئ بحيوية تتباين من خلالها المعرفة الحقيقية للحب، مؤكدًا على أهمية المعرفة لأنها تطيل حياة الإنسان وتكثف مدارك طموحاته انطلاقًا من الأحاسيس الصافية ببناء كلامي يقوم على تدرج في مستويات البداية والنهاية، والحرص على إبقاء العناوين المادة الرئيسية لبحثه، متطرقًا من خلالها إلى كل ما من شأنه أن يقنع القارئ. إن بأقوال الشعراء أو أقوال بعض الباحثين أو من سيرته بانجذاب يخضع إلى عدة حقائق، جزأها إلى سرديات وظفها لتكوين قاعدة زمنية تحتفظ بأماكن ما في تاريخ الحب. وهذا ما يفسر طبيعة كل عنوان وأهدافه منه، وكأن الكتاب هو مملكة الحب حيث يتبوأ العاشق فيها سدة غايته، أي غاية الحب، لتنصهر نفس المحب في بوتقة الجمال، وينصهر القارئ مع تفاصيل الكتاب بتعطش يدفعه إلى إعادة القراءة من جديد. فهل نجح في بلاغة النساء العربيات؟

كتاب ذو طابع دقيق يحمل ملاحظات تكمن قوة جاذبيتها في سردها ومزاياها البحثية بكل التفاصيل الهادفة إلى إثارة المفهوم من خلال نظرة الحب دون انفعالات تصاحب الكاتب، لتكون موضوعية في طبيعتها التي حقق من خلالها رؤيته الذاتية من كل ما قيل وما تمت دراسته وجمعه في أبحاث حتى بين الغرب والشرق، وفروقاته النفسية والتأثيرية. فهل الكتاب برمته هو نظرة في الحب؟

برؤية أخرى بعد أثر من سنتين على نشر المقال في جريدة المدى العراق ومن خلال سرده أنه يتناول الحب ليس كظاهرة عاطفية فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي. يدعونا الكتاب إلى تحليل كيفية تأثير الحب على الأفراد والمجتمعات، وكيف يشكل القيم والأعراف الاجتماعية. في هذا السياق، يبرز دور الحب في تشكيل الهوية الاجتماعية والأخلاقية، وكيف أنه يمكن أن يكون القوة المحركة وراء التغيير والتحول.

يستهل رفاعية كتابه بنظرة فلسفية تتجاوز السرد التقليدي لمفهوم الحب. من خلال استعراضه للأقوال والأفكار التي عبر عنها المفكرون والشعراء من مختلف العصور، ينغمس في تحليل ماهية الحب وكيفية تأثيره على النفس البشرية. يقدم الكتاب رؤية متعمقة حول كيفية تداخل الحب مع الذكريات والتجارب الشخصية، ويطرح تساؤلات فلسفية حول طبيعته واستمراريته.

يتناول الكتاب الحب من منظور العلاقات الإنسانية وكيف يتأثر بتجارب الأفراد وتغيرات الزمن. يستعرض رفاعية كيف يمكن للحب أن يكون مصدرًا للفرح والتحدي في آن واحد، وكيف أن العلاقات الرومانسية تتطور عبر الزمن لتشكل جزءًا من هوية الفرد وتجربته الإنسانية. يعكس هذا التحليل الواقعي لتجارب الحب والصداقة، وكيف يمكن أن تكون العلاقات الإنسانية مصدرًا للتوازن العاطفي والنمو الشخصي.

من خلال السرد القصصي والتحليلي، يقدم رفاعية للقراء تأملات عميقة حول الحب ومكانته في حياة الإنسان. يبرز الكتاب كمؤلف يحرص على تقديم رؤى موضوعية مستندة إلى التجربة الفردية والبحث الأكاديمي. يُظهر السرد توازنًا بين الرؤية الشخصية والموضوعية، مما يعزز من قدرة القارئ على التواصل مع النص وفهم أبعاده الفلسفية والاجتماعية.

يقدم الكتاب أيضًا نقدًا اجتماعيًا يتناول تأثير الثقافة والمجتمع على تصورات الحب والعلاقات. يناقش كيف يمكن أن تساهم المعتقدات الاجتماعية والتقاليد في تشكيل مفهوم الحب، وكيف يمكن أن تؤدي إلى تعقيد العلاقات بين الأفراد. من خلال تحليله للثقافة والتقاليد، يسلط الضوء على التناقضات والفرص التي يمكن أن تنشأ في سياق الحب والعلاقات الإنسانية.

يُعتبر كتاب "أصل الغرام نظرة" رحلة فكرية تجمع بين الفلسفة والتحليل الاجتماعي والسرد الأدبي. من خلال تقديم رؤية متعددة الأبعاد للحب، يسعى ياسين رفاعية إلى توسيع فهمنا لهذا الموضوع العميق والمركب. من خلال تعميق التحليل والتأمل، يفتح الكتاب أمام القراء أبوابًا جديدة للتفكير في الحب وعلاقاته بالمجتمع والثقافة.

إن "أصل الغرام نظرة" هو عمل يجسد فلسفة الحب في سياق اجتماعي وثقافي، ويعكس رحلة إنسانية تسعى إلى فهم أعمق للروح البشرية وعلاقاتها. من خلال تقديم رؤى فلسفية واجتماعية شاملة، يسعى رفاعية إلى إلقاء الضوء على تعقيدات الحب وجمالياته، مما يجعل هذا الكتاب مصدرًا غنيًا للتأمل والتفكير حول واحدة من أعظم التجارب الإنسانية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol